احتفالية الذكرى السادسة للتأسيس –المشروع العربي: فرص، مبادئ وتحديات
مساء 28-30 يونيو 2025
يحتفي المعهد العالمي للتجديد العربي في الفترة ما بين 28-30 يونية/ حزيران 2025 بالذكرى السادسة لتأسيسه بمشاركة عدد من المفكرين والمثقفين العرب من مختلف التخصصات العلمية والفكرية والثقافية حول مائدة مستديرة لمناقشة التساؤل التالي: “هل من رؤية جديدة للأمن القومي العربي في ضوء التحديات الإقليمية والعالمية المعاصرة؟” وما هي رؤية العرب لأمنهم القومي؟ وما هو موقع العرب مجتمعين أو فرادا في التخطيط التنموي كقوة حديثة من قوى الأمن الوطني والقومي؟ في انطلاقة المعهد نحو صياغة رؤية فكرية علمية للأمن القومي العربي، ومواجهة التحدي الحضاري والوجودي الذي تخوضه الأمة في ظل التحولات والمتغيرات الدولية الخطيرة التي تجتاح المنطقة والعالم.
الورقة المرجعية- البعد الحضاري في أزمة الأمن القومي العربي نحو رؤية جديدة للأمن القومي العربي في ضوء المتغيرات والتحديات الإقليمية والعالمية المعاصرة
أ. سميرة رجب
- نائب رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي للتخطيط والتطوير
- وزيرة الإعلام في مملكة البحرين سابقا

عالمياً دخل مصطلح الأمن القومي بمخاض طويل لتحديد مفهومه ومدلولاته، حيث بدأ مع إرساء مبدأ سيادة الدول في معاهدة ويستفيليا عام 1648، ومن ثم مع ازدهار مفهوم القومية مع الثورة الفرنسية عام 1789، حتى تم تحديد مفاهيم ومدلولات الأمن القومي مع قيام مجلس للأمن القومي الأمريكي عام 1947، الذي اعتمد مفهوم الأمن القومي بمنظور يمكن قياسه بحجم القوة العسكرية القادرة على حماية أمن الدولة من أي اعتداء خارجي…
أما على المستوى العربي فقد ورد ذكر مصطلح الأمن القومي العربي لأول مرة في ميثاق تأسيس الجامعة العربية عام 1945 على أنه “مسألة الضمان الجماعي ضد أي عدوان يقع على أي عضو في الجامعة سواء أكان من دولة خارجية أو دولة عضو في الجامعة”. وتحت بند الضمان الجماعي هذا أكد الميثاق في عام 1950 على مفهوم جديد للأمن القومي العربي في “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية”، بإضافة قوة الاقتصاد كقوة ناعمة في البعد الأمني العربي.
ومع تطور الأحداث ومفاهيم التنمية، تتالت الوثائق العربية التي شملت مدلولات أكثر شمولية في مفهوم الضمان الجماعي للأمن القومي العربي بدءً من وثيقة قمة عَمّان الاقتصادية سنة 1980 بعنوان “استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك”، ثم قرار قمة القاهرة عام 1996 حول الأمن القومي العربي بمفهوم أكثر شمولية لحماية مصالح الأمة (إنشاء محكمة العدل العربية، وميثاق الشرق للأمن والتعاون العربي، وآلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها)؛ وكان آخر هذه القرارات هو قرار قمة شرم الشيخ عام 2015 بتشكيل “قوة عربية موحدة”، والذي تم توقيع بروتوكول إنشائها، دون أن يتم إنشائها حتى يومنا هذا.
على أرض الواقع، وعلى المستوى الرسمي، لم يتمكن العرب، ممثلين بالجامعة العربية، من تفعيل ما صدر عنها من مواثيق ومعاهدات معبرة عن مفهوم الأمن القومي العربي، رغم كل الأخطار التي واجهتها الأمة منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم، بدءً باحتلال فلسطين، مروراً بالحروب العربية الإسرائيلية التي كانت تقضم فيها اسرائيل في كل مرة المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وانتهاءً بما تمر به المنطقة، منذ العقد الأخير من القرن وبالتحديد منذ ما بعد الحرب
الباردة، من خلافات وصراعات عربية وتدخلات إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة هي الأعلى خطراً وتهديداً وتحدياً لمستقبل الأمة ووجودها.
فهل يتمكن الخبراء والمثقفون العرب من صياغة رؤية جادة وجديدة ومجدية لحماية الأمن القومي العربي؟
سنحاول هنا صياغة ورقة أولية حول الأمن القومي العربي، وتحدياته الحضارية، في خطوة أولى نحو البحث عن رؤية عربية جامعة في هذا الشأن.
تطور مفهوم الأمن القومي
يمكن اعتبار المفهوم الذي وضعه وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، روبرت مكنمارا حول مفهوم الأمن أحد أهم التعريفات والأكثر مرونة مع متغيرات العصر… قال “إن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، في ظِلّ حماية مضمونة”… و”إن الأمن الحقيقي للدولة ينبُع من معرفتها العميقة للمصادر التي تُهدِّد مختلف قدراتها ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنميةً حقيقية في كافة المجالات، سواء في الحاضر أو المستقل”[i]. ويتميز هذا التعريف بربط مفهوم الأمن بكافة أبعاد التنمية الشاملة على المستوى الوطني.
أما الدكتور زكريا حسين، أستاذ الدراسات الإستراتيجية، والمدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية في مصر، فقد تناول تعريفاً للأمن القومي العربي وأبعاده الرئيسية بأنه “قدرة الأمة العربية على الدفاع عن أمنها وحقوقها وصياغة استقلالها وسيادتها على أراضيها، وتنمية القدرات والإمكانيات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مستندة إلى القدرة العسكرية والدبلوماسية، آخذة في الاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لكل دولة، والإمكانات المتاحة، والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، والتي تؤثر على الأمن القومي العربي”[ii].
في هذا التعريف تم تعزيز البعد السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في مفهوم الأمن القومي العربي وإسناده بالبعد العسكري والدبلوماسي، بجانب الاحتياجات الأمنية الوطنية التي ترتبط مباشرة بالتنمية، مما يعطي هذا التعريف بعضاً من الشمولية في تطوير مفهوم الأمن القومي على خطى التطوير العالمي للمفهوم، ولكن، لكي لا يبقى المفهوم نظرياً، يتطلب تحديده بأدوات القياس الاستراتيجية اللازمة لدراسة جدوى ومعدلات نجاح المفهوم عند التطبيق.
الأمن القومي العربي في واقع دولي جديد
في ظل المتغيرات الحديثة والمستمرة دولياً وإقليمياً، على مستوى القطاعات العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، بات من الأهمية العودة إلى تحديد مفهوم
ومدلولات جديدة للأمن القومي، في تعريف شامل يأخذ بعين الاعتبار المحددات الجديدة في تنوع التهديدات والأخطار، وتعدد وتنوع عناصر القوى الاستراتيجية في الحفاظ على الأمن الوطني والقومي.
أحد أهم المدلولات الجديدة هو أن الثورة التكنولوجية والرقمية والسيبرانية والمعلوماتية جعلت لمفهوم الأمن القومي أبعاداً أكثر تعقيداً وشمولية، سواء على المستوى التقليدي المتمثل في القوة العسكرية والدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، أو على مستوى أبعاده غير التقليدية الجديدة المتمثلة في كافة القوى الصلبة والقوى الناعمة النوعية، الذكية والاستراتيجية، التي تتفاوت قدراتها ما بين تجنّب وقوع الحروب المباشرة، وبين توجيه دفة الصراع بالترهيب والترغيب والتجويع والضغوط التفاوضية والإعلامية والحروب المعلوماتية والتضليل، إلى الحروب السيبرانية والحروب بالوكالة، باستراتيجيات ومنهجيات فكرية وعلمية حديثة.
الأمن القومي العربي في القرن الحادي والعشرين- “الحرب على الإرهاب”
بدأ القرن الجديد بأحداث 11 سبتمبر 2001 وما تبعها مباشرة بوصم العرب بالإرهاب، وإعلان الحرب على الإرهاب، فكانت هي الحرب النفسية الأولى، التي حققت أهدافها في التدمير المادي والتحطيم المعنوي والتهديد المباشر لكل دولة عربية تسعى لامتلاك بعض من نواصي القوة.
اعتمدت استراتيجية الحرب على الإرهاب على منظومة “الحرب بالوكالة” و”مخاض الفوضى الخلّاقة”، كما اعتمدت على القوة الناعمة كسلاح رئيسي نجح في بث الرعب وترهيب الشعوب والحكومات بـ”الحرب الاستباقية على الدول المارقة”، و”الحرب الوقائية لحماية الأمن القومي الأمريكي”، وقائمة “الدول الفاشلة” و”قائمة الأنظمة الإرهابية” وغيرها من المسميات التي استهدفت دول العالم الثالث، لتثبت أحداث ما بعد 11 سبتمر إن ذلك الحدث ما كان إلا صفارة انطلاق مشروع الشرق الأوسط الجديد، وحرب الاستعمار الجديد، والصراع حول النظام الدولي الجديد… وكان موعد انطلاق المارد الأمريكي في المواجهة المحتدمة مع القطب الصيني، التي مهدت لها حروب التسعينيات في دول أوروبا الشرقية، والثورات الملونة التي انطلقت شرارتها بعد ذلك في بدايات القرن الحادي والعشرين في مختلف أرجاء العالم.
ومع بداية القرن كان العرب على موعد مع حروب السيطرة على منابع النفط العربية الثرية، وتصفية مراكز العلم والثقافة والقدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية العربية، وعمليات هدم منهجية لانجازات العرب التنموية، بهدف العودة بالمنطقة إلى بيئة قابلة للاستعمار… فكانت البداية في سنة 2003 بغزو واحتلال العراق وتصفيته كدولة قوية عسكرياً واقتصادياً وعلمياً.
وكانت الحرب على العراق الأكثر ترهيباً للمعنويات العربية، إذ حققت انتصاراً كبيراً في سياق التضليل الإعلامي وحرب المعلومات التي أصابت أهدافها بدقة عالية، وروّجت للقوة الأمريكية الباطشة كقوة عالمية أولى لا تُقهر، وإلى لغة القوة كلغة وحيدة للتفاهم الدولي.
وبتحطيم العراق كقوة عربية سقط أهم أركان التوازن الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط، وترك فراغاً أمنياً لم تملأه دولة عربية أخرى، بل فتح هذا الفراغ الاستراتيجي أبواب المنطقة أمام الاستعمار الجديد، وأمام أطماع دول الجوار الإقليمي المتحفزة للهيمنة على المنطقة، مما ساهم في المزيد من التدهور الأمني.
نجح سلاح ترهيب الشعوب والأنظمة في نشر الفوضى في مجتمعات عربية كبرى، بدءً بفوضى الفساد المالي والإداري والسياسي والأمني، مما رفع من معدلات الفقر والهجرة هرباً من جحيم العصابات الإرهابية التي نبتت كالفطر في الأراضي العربية بعد 11 سبتمبر، ومن الميليشيات الحزبية المسلحة التي نشأت واصبحت دولاً داخل دول عربية كانت هي الأكثر أمناً وتقدماً وثراءً وخلواً من الفساد قبل ذلك التاريخ… ليبدأ عصر جديد بعد غزو واحتلال العراق.
واستمرت الحروب الناعمة في تنفيذ مشروع إعادة صياغة “الشرق الأوسط الجديد”، من خلال نشر الفوضى وتحطيم العروش والجيوش العربية التي انشغلت في مواجهاتها الداخلية وفي الحرب على الإرهاب، لتسقط دول عربية رئيسية، الواحدة تلو الأخرى، في أفخاخ ثورية ناعمة استغل فيها سلاح “حالة عدم رضا الشعوب”، وهي حالة تتسم بالحق ولكن استُثمرت لغايات باطلة كسلاح نافذ اختبأ خلف شعارات ومسميات كسبت القلوب والعقول، وزادت من الفوضى والفساد الذي صار نمطاً حياتياً طبيعياً في مجتمعات عربية كبرى. ولازالت المنطقة تعيش تفاعلاتها وتطوراتها الخطيرة التي تدار وتوجه إجمالاً بكافة أنواع القوى الناعمة من الخارج.
سلاح القوة الناعمة- الإعلام والاتصال والتكنولوجيا
يعرّف جوزيف ناي، واضع مفهوم القوة الناعمة، بأنها “القوة القادرة على الجذب والضم دون إكراه”[iii]. وقد طُبّق هذا المفهوم على المستوى السياسي منذ تسعينيات القرن الماضي، واُستخدم بكثافة في التأثير على الرأي العام المحلي والدولي عن طريق قنوات غير محايدة أو مشبوهة، سعت وتسعى إلى الضغط بواسطة نشر تقارير موجهة صادرة عن وسائل الإعلام والمنظمات غير
الحكومية ومراكز البحوث والدراسات، وكذلك عبر الفن والأدب والدراما والسينما.[iv]
يعمل الإعلام والاتصال على مفهوم “تأطير العقل”، والذي يعتَمِد على قيام الرسائل، المنتَجة من قِبل وسائل الإعلام، بتنشيط آليات معالجة المعلومات التي تربط محتوى وصيغة الرسالة بالصور الذهنية الموجودة في العقل. ولأن وسائل الإعلام تُشكل المصدر الرئيسي للاتصال والمعلومات في المجتمع، فإن تأطير عقل الجمهور يتم إلى حدّ كبير عبر عمليات تقوم بها أساسا وسائل الإعلام، والقوة الناعمة.
وتعتبر القوة الناعمة من أهم الأسلحة استخداما في السياسة الدولية، وازدادت أهميتها مع ثورة المعلومات والانتشار الواسع لوسائل الاتصال الالكترونية وعلى رأسها شبكات التواصل الاجتماعي.
ويتفق معظم الباحثين في العلوم السياسية والعلوم العسكرية وعلوم الإعلام والاتصال على أن المعلومة الصادرة عن وسائل الإعلام، هي الرصاصة الأولى التي يمكن أن تؤدي إلى حرب شاملة، أو السبب الأول في التهدئة والمساهمة في توقيع معاهدة سلام دائمة. وتعتبر وسائل الإعلام والاتصال أيضا، “القوات الخاصة النفسية والدعائية” التي تُناور وتُعزّز صفوف الجيوش. كما أنه في أغلب الأحيان لا حاجة لجيوش على الأرض، في ظل وجود أسلحة إعلامية واتصالية، وقوة ناعمة، يمكن أن تحسم الحروب قبل بدايتها أصلا.
يعد سلاح الإعلام والاتصال والمعلومة نوع جديد من الأسلحة، ونوع جديد من النفوذ اللامادي ولكنه في بعض الأحيان أفتك من النفوذ المادي، لأن استخدام الأسلحة المادية يمكن تقنينها بسهولة، لكن استخدام سلاح الإعلام، أصبح يصعب تقنينه، نظرا لطبيعة مفهومه الزئبقي ولاحتمائه وراء مسألة حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير.
ولأن فهم واستيعاب السياسة في القرن الحادي والعشرين لا يمكن فهمه بعقل قرون سابقة، فإن العقل العربي يجب أن يؤمن بأن القوة الناعمة تعد أحد أهم أبعاد ومدلولات الأمن القومي في هذا العصر، والتي صنعت منها الدول المتقدمة نهضتها منذ بدايات القرن العشرين؛ وإنه لا يمكن أن يواكب العرب التقدم في القرن الجديد، وأن يبنوا أمناً وطنياً أو قومياً، دون امتلاك هذا السلاح بكل قدراته العلمية والفكرية والتقنية الذكية.
الأمن القومي العربي والديمقراطية
للدراسات الأمنية علاقة استراتيجية بالعلوم والفلسفة الإنسانية والطبيعية، متمثلة بالمرتكزات الفكرية في العلوم السياسية والاستراتيجية والعلاقات الدولية والجيوسياسية والاجتماعية والأنثروبولوجية وعلوم الإعلام والاتصال والتاريخ والجغرافيا، إضافة إلى علوم الاقتصاد والتنمية بكل فروعها، لدراسة الظواهر الإستراتيجية، في الضعف والقوة، وأسباب ارتفاع معدلات الفقر
والأمراض والبطالة والفساد، وتدني مستويات التعليم والثقافة والوعي والإدراك وغيرها…
لربما تعد دراسات الأمن والديمقراطية من أهم الدراسات الفكرية والعلوم الإنسانية في شأن الأمن القومي العربي والبحث عن تفسير لظواهر العنف الإرهابي والراديكالي والتطرف وظواهر الحروب الطائفية والعرقية التي سادت منطقتنا منذ ما بعد الحرب الباردة، لتكون مدخلاً للبحث في ديناميكية الظاهرة وأسبابها ونتائجها وحلولها، وخصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر وربط الإرهاب بظاهرة قمع الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد العربية.
نحو رؤية فكرية للأمن القومي العربي
من هنا ننطلق في المعهد العالمي للتجديد العربي نحو صياغة رؤية فكرية علمية للأمن القومي العربي، لمواجهة التحدي الحضاري والوجودي الذي تخوضه الأمة أمام التحولات والمتغيرات الدولية الخطيرة التي تجتاح المنطقة والعالم؛ وليكون المفهوم الاستراتيجي للأمن الوطني والقومي هو البعد الرئيسي في عملية البحث الفكري عن أسباب فشل بناء دولٍ إدارية ومؤسسية عربية تعتمد منهجية تنموية حديثة، وقائمة على مرتكزات علمية سليمة تحمي الدولة من الانهيارات ومن التدخلات الخارجية، كما تحمي حقوق الأجيال الجديدة في الثروات وفي الاستقرار، وفي خططٍ استراتيجيةٍ تعتمد على دراسات مستقبلية علمية.
[i] – جوهرة الأمن”، روبرت ماكنمارا- ترجمة يونس شاهين، 1970/ الهيئة المصرية العامة للكتاب
[ii] – الأمن القومي | Arab Defense المنتدى العربي للدفاع والتسليح
[iii] – Joseph S. Nye Jr, Soft Power: The Means to Success in World Politics, Public Affairs, 2004
[iv] – دور سلاح الإعلام في النظام العالمي الجديد – الكاتبة العربية سميرة رجب – https://link.arabicrenewal.org/ss7

برنامج احتفالية الذكرى السادسة لتأسيس المعهد

كلمة الدكتور خضير المرشدي رئيس المعهد
- مؤسس ورئيس المعهد العالمي للتجديد العربي
- طبيب استشاري أمراض الدم والأورام

منذ ألأيام الأولى لتأسيس المعهد العالمي للتجديد العربي، كان القرار جاداً: هو ألا يتحول إلى منتدى لتخليد الماضي وتكرار احداثه أو مركزاً للقيام بنشاطات ثقافية معينة، إنما مؤسسة فكرية عربية رائدة، ذي رؤية مستقبلية واضحة، تتشكل من تحديات الحاضر وتعقيداته، تستلهم من التراث العربي ما ينبض بالحياة، وتواكب تطورات العالم وثوراته العلمية والفكرية والتقنية، بثبات الإرادة، وقوة الوعي، وجرأة الرؤية، وإبداع يرسم ملامح زمن عربي جديد.
أحييكم، زميلاتي وزملائي، أعضاء المعهد ومجلسه الأفاضل، وأسجل بكل فخر دوركم التاريخي في بناء هذا الصرح الفكري. لقد رسمتم لوحة معرفية مبهرة، وشيدتم فضاءً جامعاً في تنوعه، نقياً في روحه، نزيهاً في تطلعاته، عربياً في جوهره، إنسانياً في أفقه، حراً في منطقه، وجريئاً في أسئلته.
خلال ست سنوات، أرسيتم دعائم مشروع فكري متجدد، لا يكتفي بالتأمل، بل يتحدى السائد والمألوف، ويشعل جذوة الإبداع، ويعيد صياغة الأسئلة التي تبني الحضارات، وتحرك التاريخ، وتشكل مصير الأمم.
واليوم، نقف أمام سؤال جوهري يلامس عمق وجودنا: (( كيف تستعيد الأمة العربية زمنها الحضاري في عالم تتكثف فيه التحديات، تتعمق فيه الاختراقات، وتتحول فيه السيادة إلى قيد، والانتماء إلى عبء، والتاريخ إلى رواية مغتصبة؟))..
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تنطلق من مفهوم الأمن القومي التقليدي، الذي أصبح مُنهكاً، معطوباً، عاجزاً عن حماية طموحات الأمة أو بناء ذاتها الحضارية. لقد أصيب الأمن القومي العربي بشلل مركب تام، يتجلى في اختراقات متعددة الأوجه:
1. اختراقات أمنية:
حوّلت أجهزة الحماية إلى أدوات مراقبة داخلية، تطأ خطى الأصوات الحرة بدلاً من مواجهة التهديدات الخارجية.
2. اختراقات سياسية:
جعلت القرار العربي رد فعل متخبط، عاجز عن صياغة استراتيجيات للمواجهة ورسم تصوّر للمستقبل.
3. اختراقات اقتصادية:
أبقت الدول العربية أسيرة اقتصاد ريعي استهلاكي احادي المصدر، تتحكم فيه المساعدات المُذّلة والتبعية المقيتة.
4. اختراقات اجتماعية:
ايديولوجيات واستراتيجيات خفية فككت نسيج المجتمع، وأجّجت صراعات طائفية وعرقية وقبلية ومناطقية.
5. اختراقات علمية ومعرفية:
أفرغت التعليم من روحه، وحوّلت الجامعات الى مؤسسات بلا بحث رصين، والمثقفين إلى أصوات بلا مشروع.
6. اختراقات استخباراتية:
جعلت الجغرافيا العربية ساحة لتبادل المعلومات وبؤر للتجسس، بدلاً من حماية السيادة، وضمان الأمن.
7. اختراقات رقمية وسيبرانية:
أشعلت حرب خفية بالخوارزميات وبالشيفرات والمخبرين. حرب تسللت إلى مراكز صنع القرار في الدول، تخترق شبكاتها، تسرق بياناتها، وتُعيد برمجة وعي شعوبها، تُطلقها قوى خارجية، وتُشارك فيها أطراف داخلية مأجورة، جعلت من الفضاء الرقمي ساحة للتجسس، ومن المنصات الاجتماعية معسكرات لاستلاب الوعي، حرب هي الأشد فتكاً، لأنها تستهدف الروح والعقل والخصوصية والذاكرة.
8. حرب الجواسيس:
أصبحت واقع حال، حيث تُدار شبكات العملاء عن بُعد، وتتحكم الميليشيات المسلحة التابعة لجهات اجنبية بمقدرات البلاد، وتُباع المعلومات، وتُعقد صفقات القتل والموت ونهب الثروات في عواصم عربية، بتحالفات أمنية تخدم مصالح دول اجنبية.
إن الأمن القومي التقليدي، بمفهومه القديم، لم يعد صالحاً لمواجهة تحديات الحضارة الرقمية، أو الحروب السيبرانية، أو مشاريع الهيمنة المعاصرة التي تُحاك في غرف المصالح الكبرى.
في صدارة هذه المشاريع يبرز مشروع (الشرق الأوسط الجديد)، الذي لا يحمل وعود السلام، بل يسعى لتذويب الهوية العربية، وتفتيت جغرافيتها، وفرض ترتيبات تجعل إسرائيل مركزاً سياسياً
واقتصادياً وأمنياً، وتمنح إيران دوراً وظيفياً في تفخيخ المشرق العربي طائفياً، عبر تحالفات تُلغي الإرادة العربية.
يعتمد هذا المشروع على أدوات متنوعة: اتفاقات أمنية واقتصادية، سياسات تطبيع بلا شروط، دعم أنظمة وظيفية، ووسائل إعلام موجهة تُعيد صياغة الوعي العربي.
لكنه، في نظر الأحرار، ليس قدراً محتوماً. فالمواجهة ليست بالشعارات أو الإدانات، بل بمنطق التاريخ واستعادة الزمن الحضاري بما يستلزم من أدوات حديثة.
حيث إن معركة الأمة اليوم ليست معركة حدود أو جيوش فحسب، بل معركة وعي، معركة سردية، ومعركة رؤية حضارية.
وهنا، نرصد جملة من المشاريع التي تهدف إلى تفكيك الذات العربية:
1. تسييس المقدس: استخدام الدين كأداة سياسية لتفتيت الأمة، وتشويه دوره كفلسفة حياة، مما يدفع الشباب نحو التطرف والإلحاد
2. الصهيونية: إيديولوجيا تنفي الحق العربي في فلسطين، وتُشعر الفلسطيني بأنه غريب في وطنه وتجعل من فلسطين قضية تفاوض وتحويل الصراع إلى البحث عن مساعدات إنسانية مما يُشعر الشباب العربي بالعجز، ويُضعف إحساسهم بالانتماء والعدالة.
3. الأيديولوجيا الإيرانية: مشروع قومي توسعي يُحيي أساطير امبراطورية قديمة بثوب جديد يحمل عنوان الاخوة الإسلامية، وفي مضمونه يهدف لتفكيك النسيج الحضاري العربي عبر هويات طائفية باتت معلنة ومعروفة.
4. الشعوبية الجديدة: ترويج لهويات فرعية تنكر الإسهام العربي في الحضارة الإسلامية والإنسانية، مُشعرة الشباب بالاغتراب عن تراثهم والتخلي عن حاضرهم.
5. الفرنكوفونية: تهميش اللغة العربية في المغرب العربي، مما يُضعفها كوعاء للفكر وأداة للإبداع.
6. ثقافة التفاهة: إغراق الشباب في الوطن العربي بمحتوى سطحي يُلهيهم عن قضايا الأمة الحضارية، مُحيلًا إياهم إلى جمهور سلبي.
7. الاستعمار الذاتي: زرع الشعور بالدونية الثقافية، وتصوير العرب كعاجزين عن الإبداع والقيادة.
8. إلغاء الزمن الحضاري: طمس الذاكرة التاريخية العربية عبر روايات تُقلل من دورها الحضاري.
9. الحداثة الزائفة: فرض رؤية غربية للحداثة، تهمش العربي وتُحيل الأمة إلى كائن عاجز عن صنع حداثته، وبلا تاريخ.
10. التفكيك الرقمي: حرب ناعمة تعيد تَشكيل وعي الشباب العربي عبر الخوارزميات والمحتوى الهابط الموجّه، مُحيلة إياهم إلى كائنات رقمية بلا إرادة.
لا يكفي أن نعدد التحديات، بل من مهامنا في المعهد أن نقترح بديلاً استراتيجياً لمواجهة هذه المشاريع:
وهنا، نقترح مفهوماً جديداً هو:
((الأمن الحضاري العربي))، ليس بصفته امتداداً للأمن القومي التقليدي، بل قطيعة معه. إنه أمن يُقاس بسلامة الهوية، وحرية العقل، وكرامة الإنسان. مشروع يعيد تعريف العروبة كفضاء إنساني شامل، يستوعب التعدد في الوطن العربي، تعدد الاديان والطوائف والقوميات والثقافات وكل الإثنيات في إطار المواطنة العربية، ويُحيي فكرة التعايش التاريخي الذي تألقت في العصر العباسي في بغداد حينما ساهم المسلمون والمسيحيون في ترجمة النصوص اليونانية لدار الحكمة، وتجلّت كذلك في قرطبة، حينما تعايشت الاديان معاً، وانتجت حضارة ملهمة لازالت آثارها تسر الناظر وتستقطب الملايين من السواح سنوياً.
فالأمن الحضاري يُعد محاولة واقعية لاستعادة (الزمن الحضاري العربي) برؤية العصر، أي الفضاء الذي تُشكّل فيه الأمة هويتها المنفتحة، وتُبدع بمساهمتها في صناعة المدنية الإنسانية المعاصرة .. بذلك يتجاوز الأمن التقليدي، إلى رؤية ترى الأمن حالة تحرر، وإنتاج معرفي، وإحياء للروح، وبناء للعقل، وصناعة للمستقبل، بما يتطلبه من أدوات.
والأمن الحضاري العربي يقوم على سبعة أركان:
1. الهوية المنفتحة:
عروبة ديناميكية إنسانية تحتضن التعدد، ولغة عربية حاضنة للفكر وللعلوم المعاصرة.
2. اقتصاد المعرفة:
عقل الإنسان في الوطن العربي ثروتنا، يحتاج إلى مؤسسة للاستثمار وسوق للابتكار، وتمويل للبحث العلمي.
3. إصلاح التعليم:
مناهج تُحرّر العقل، وتركّز على التفكير الفلسفي النقدي، وجامعات تُنافس عالمياً، تعمل بإستقلالية وبمعايير معتمدة دولياً.
4. الأمن السيبراني:
حماية البيانات والرواية الرقمية لضمان سيادة الأمة، وإنشاء منظومة أمن سيبراني عربية تحقق هذه الحماية.
5. الإبداع الحضاري:
إعادة تشكيل الزمن العربي تتطلب ثورة إبداعية في الفنون، والاداب، والعلوم، والتكنولوجيا، تُثبت أن الأمة منتجة وقائدة وصانعة حضارة لا مجرد قطيع من المستهلكين!!
6. الدبلوماسية الشبابية:
تمكين الشباب ليكونوا قادة المشروع الحضاري عبر مؤسسات ابتكار عربية، وللحديث بإسم الأمة في الفضاء الرقمي والواقعي.
7. الإعلام الحضاري:
الإعلام سلاح الوعي وساحة لصياغة الرواية. يعد مع التعليم ركن حاسم في بناء الأمن الحضاري العربي، لأنه يُشكل الوعي الجمعي، يُعزز الهوية، ويُقاوم محاولات التفكيك الثقافي. المشروع بحاجة إلى إعلام عربي واعٍ ومستقل، يروي قصتنا بقوة وصدق، يُبرز قضايانا، ويُعيد صياغة الرواية العربية في مواجهة التشويه والتهميش. إعلام يُلهم الأجيال، يُشعل روح المقاومة الفكرية، ويُعزز الانتماء إلى مشروع حضاري جامع.
هذا المشروع ليس شعاراً، وليس مستحيلاً، إنما هو دعوة جادة ورؤية واقعية لإعادة بناء منظومة أمنية حضارية عربية حديثة، تتجاوز التشتت، وتواجه التحديات بشروط الأمة العربية، وتُعيد الثقة بالذات.
مشروع بحاجة إلى أقلامكم وطاقاتكم لصياغة رواية عربية جديدة تُلهم الأجيال.
دعوتنا لقادة الدول العربية لسماع الصوت، والاستجابة للنداء وتبني المشروع .
حيث ان المعهد العالمي للتجديد العربي لن يكون صدىً لأحد بل صوتاً يُزعج السائد، يُوقظ الوعي، ويُشكل زمناً عربياً جديداً يليق بتاريخ الأمة العربية ومستقبلها، بما يُنتج من افكار ويبني من منظومات فكرية عربية حديثة.

الأمن القومي اللغوي العربي في ضوء المتغيرات والتحديات المعاصرة
أ.د زاهر حنني
- عميد كلية الآداب-جامعة القدس المفتوحة
- رئيس وحدة الدراسات اللغوية والأدبية

يبدو أن الرسائل لا تصل؛ ربما لأننا لا نمتلك أدوات الإرسال المناسبة، وربما لأننا لا نجيد لغة الخطاب في الإرسال، أو لأسباب أخرى قد تكون كثيرة.
قرأت عشرات المقالات والأبحاث والكتب عن الأمن اللغوي العربي، ووجدتها غالبا تكرر الأفكار نفسها، فقلت: ربما يكون هذا هو السبب؛ دراسات تقليدية تعدد مميزات اللغة وتاريخها وتؤكد قدرتها على مواجهة التحديات، والاستمرار برغم جميع المعوقات، وتتوصل جُلُّها إلى حقيقة مفادها: أن المشكلة ليست في اللغة من حيث ماهيتها وقدرتها الاستيعابية، واستعدادها للتطور بفضل مرونتها ووسائل التوسع والانفتاح التي تشكل بنيتها الصرفية والنحوية والبلاغية، وإنما تكمن مشكلتها في مستعمليها الذين يهجرونها شيئا فشيئا لأسباب كثيرة، ربما يكون أبرزها التحديات التكنولوجية ومعطياتها التي ما زالت العربية (أو أهلها) عاجزين عن مواكبتها.
لهذا، ذهب باحثون إلى تحديد مصادر الخطر على الأمن اللغوي العربي وحصرها في: *الدخيل الثقافي الأجنبي، *الدخيل اللغوي الأجنبي، *محاكاة المنطوق الأجنبي، *لعولمة، *الإعلام، *التقانة. وأن محفزات اللغة وأمنها تكمن في: *المحفز السياسي، *المحفز الإعلامي، *المحفز العلمي، *المحفز الاقتصادي، *المحفز الاجتماعي، *المحفز الثقافي التربوي، *محفز المأسسة والشرعنة اللغوية الموحدة، *محفز وحدانية لغة الدرس (ينظر: المزيد، 2021: ص1-24)، وهذا من الناحية النظرية صحيح، ولكنه يتطلب وعياً بآليات التغيير والتجديد؛ إذ لا يمكن أن نظل في إطار تحليل الواقع بما هو فيه، والاكتفاء بالحديث عما ينبغي فعله، دون تزويد هذا الفعل بما يرفده من مقومات وآليات وفعاليات، يدرك من خلالها كل فرد في هذه الأمة ما يقع على عاتقه من واجبات.
كما وقف كثيرون عند مظاهر غياب الأمن اللغوي العربي، وذكروا منها: *انتشار العاميات على حساب الفصحى، *الضعف العام في استعمال الفصحى، حتى في المؤسسات العامة والأكاديمية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى القول بأن الطرق التقليدية في تدريس اللغة العربية قد يكون سبباً رئيساً في ذلك، *النزوع إلى التغريب، *الاستعداد الكبير لنقل ثقافة الآخر، *غياب الإنتاجية الثقافية أو ضعفها. ويذكرون أن من مهددات الأمن اللغوي: *اللحن، *الازدواجية اللغوية، *الأمية، *الثنائية اللغوية، *الهجين اللغوي (ينظر: العزيز، 2023، ص57 وما بعدها).
ولست أكرر ما ذكروه من أجل استعراضه، بل انطلاقا من الفكرة الملهمة التي تدعو لها المنطلقات الفكرية للمعهد العالمي للتجديد العربي، والعمل بموجب التغيير والتجديد، ومسايرة التطور، ومعطيات الفكر الفلسفي العربي الحديث، وما يمكن أن نجعله يتجلى في اللغة العربية وآدابها وعلومها.
والتزاما بالتفكير خارج المألوف، مما يمكنه أن يجسد التزامنا تجاه أمننا القومي، وما يتعلق منه باللغة كونها عنصراً أساساً من مكونات الأمن القومي العربي، إلى جانب الأمن الاقتصادي، والثقافي، والفكري، والاجتماعي، والتربوي، والسياسي، وغيرها، فإنني أرى:
أولاً: ضرورة الشعور بأهمية الأمن اللغوي للأفراد والجماعات والأمة ومستقبلها؛ إذ الانتماء للأمة يبدأ من الإحساس الذاتي بأن الفرد جزء من الأمة، يصيبه ما يصيبها، سواء أكان بين ظهرانيها أم في أقاصي الأرض، ومن يشعر بأمته وهمومها، يعمل بكل همته من أجلها، لعلمه الأكيد بأن تقدم الأمة ينعكس عليه حتما، واللغة بهمومها ومشكلاتها تكون جزءا من اهتمامه، ويكون حريصا عليها. في وقت ترتكب جرائم بحق اللغة وتاريخها ومستقبلها.
ثانياً: ليس كل ما يعتقده الناس من مظاهر غياب الأمن اللغوي، أو مهددات الأمن اللغوي، صحيحاً؛ ولو ناقشنا كل مسألة بانفتاح ومسؤولية، لوجدنا أن تعداد هذه الهموم لا يتجاوز المحاولة للانعتاق من المسؤولية، أو الأخذ دون تمحيص. والواقع أن المتبحر في هذه الهموم يمكنه أن يرى عكس ما يوحي به ظاهرها؛ ولنأخذ على سبيل المثال ظاهرة انتشار العاميات على حساب الفصحى، فالعاميات موجودة في كل اللغات، وكانت وما زالت موجودة في العربية منذ بداياتها الأولى الموثقة تاريخياً، وحتى يومنا هذا، فلماذا نعدها الآن معضلة تهدد الأمن اللغوي! العاميات تتغذى من الفصحى، والفصحى ترفدها العاميات، وما كانت العلاقة بينهما يوما علاقة صراع، بل العلاقة بينهما تقيم حالة من التوازن والتكامل.
ثالثاً: ما يتعلق بالدخيل الثقافي واللغوي الأجنبيين، وهما مما يُعد من مظاهر الخطر على اللغة العربية، ولا أرى ذلك؛ إذ مرت اللغة العربية في عصر انتشارها وشيوعها في العالم كله، في عصر الحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي مثلا، بعلاقة مع معظم لغات الشعوب التي دخلت الإسلام، وقد أثرت وتأثرت وتفاعلت معها، بل إن عدداً كبيراً من الألفاظ المعرَّبةِ وردت في القرآن الكريم قبل ذلك، وهو النص العربي الأعلى والأوفى، مثل:(أبّ، إبريق، أرائك، أسباط، إستبرق، وأسماء الأعلام، … وغيرها). مما يشير إلى أن اللغة يمكن أن تتفاعل مع اللغات الأخرى فتؤتي ثمارا طيبة، وليس بالضرورة أن تكون العلاقة بين اللغات علاقة صراع. وقد تكون الخطورة متحققة إذا تخلى العربي عن لغته واستبدلها بغيرها، كما قد يكون
الدخيل الثقافي مؤثراً سلبياً، كما في القول-وهي فكرة دخيلة- بأن اللغة العربية غير صالحة لهذا الزمان لما فيها من صعوبة وتعقيد، وأنا أجزم بأن اللغة العربية أسهل اللغات على الإطلاق، يقولون بأن الفرنسية مثلاً لغة سهلة، أما أنا فأجدها معقدة صعبة، والسبب في ذلك أنني لا أجيدها، وكذلك الآخرون الذين لا يجيدون العربية، يجدونها صعبة معقدة. لهذا كله، يمكن أن يكون الدخيل الثقافي أو الدخيل اللغوي، من الأسباب التي تدفع العلماء والمفكرين إلى بيان التميز الذي يحظى به أهل العربية بما يمتلكونه من لغة قادرة على التعبير عن متطلبات الحضارة الحديثة بكل مكوناتها.
رابعاً: اللغة والتكنولوجيا، حين أعاد عبد السلام المسدي النظر في أسئلة اللغة في واقعها المتجدد، بعدما كان قد أنجز كتابه (العرب والانتحار اللغوي-عام2011) ليعيد صياغة الأسئلة من جديد ومناقشتها واستعراض ما استجد من مبادرات ومشاريع كثيرة خلال هذه لفترة، في كتابه الجديد (الهوية العربية والأمن اللغوي-عام 2024) ليؤكد بأنّ وعيًا لغويًّا جديدًا ينبثق وتتسارع تجلياته، وهذا بالضبط هو موضوع الكتاب الذي يعمل فيه المسدي على التشخيص المعرفي واستقراء نشأة الوعي اللغوي الجديد بمفاصله الزمنية ومضامينه الدلالية، واستشفاف ما قد ينتهي إليه من مآلات. ولذلك يرى الكاتب أنه يتصدى لخطاب المنافحة موضوعًا للاستقراء والتشريح بدلًا من اتخاذ خطاب المناكفة (المسدي، 2024، ف/1)، وهذه الفكرة هي نتاج رؤية موضوعية لعَلَمٍ من أعلام اللغة وأساتذتها في الجامعات العربية، وهي رؤية تشير بوضوح إلى أن الاندغام في معطيات عصر التكنولوجيا أمر مهم للغاية، ولا يكون ذلك باستعراض أو تشخيص الواقع بما فيه من هموم، دون وضع تصورات لحلول ممكنة؛ والعمل العربي الجماعي يمثل واحداً من هذه الحلول، بدءً من المؤسسات الرسمية الحكومية وشبه الحكومية، والجامعات وكل الجهات ذات الاهتمام المشترك، وربطها باستثمار التكنولوجيا في خدمة اللغة العربية، وتسهيل استيعاب التكنولوجيا للغة، واللغة للتكنولوجيا.
خامساً: المعهد العالمي والتجديد اللغوي في ظل الأمن اللغوي، دأب المعهد العالمي للتجديد العربي ممثلا بوحداته الفكرية، منذ تأسيسه وحتى اليوم، على مناقشة قضايا اللغة بربطها بمستجدات العصر ومتطلباته، متجاوزاً الرؤى التقليدية، واجترار الماضي، والرضى بالبقاء في ظلاله دون إبداع وتجديد، واستنهاض الطاقات الخلاقة القادرة على استثمار الفكرة الملهمة من أجل مواصلة التقدم نحو الانخراط بوعي في متطلبات التكنولوجيا الحديثة دون المساس بأهمية اللغة من حيث كونها وجها من وجوه الهوية العربية.
المراجع:
- بلعيد، صالح: في الأمن اللغوي-2010-، الجزائر.
- زهير، غازي: العربية والأمن اللغوي-2000-، العراق.
- العزيز، أكرم محمد محمد: الأمن اللغوي للغة العربية، ط/1، صنعاء، 2023، بدون دار نشر، على الرابط:
- المزيد، خالد محمود عسود: الأمن اللغوي العربي: مفهومه ومصادر وصور الخطر عليه ومحفزاته. مجلة كلية الآداب، جامعة بنها، ع/1، مج/56، أكتوبر 2021، على الرابط:
https://jfab.journals.ekb.eg/article_235038.html
- المسدي، عبد السلام: الهوية العربية والأمن اللغوي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، 2024.

الرؤية الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي العربي بين التحديات الجيوسياسية ومتطلبات التنمية والطاقة المتجددة
د. قصي عمر
- عضو وحدة الدراسات العلمية بالمعهد
- أستاذ جامعي بالولايات المتحدة الأمريكية

مقدمة :-
تمثل الأوراق المقدمة الى المعهد العالمي للتجديد العربي فرصة تاريخية لإعادة بناء منظومة الأمن القومي العربي من منظور حضاري واستشرافي. وستسهم هذه الاوراق التنفيذية في تحويل المعهد إلى فاعل مؤثر في مستقبل التنمية والسيادة والهوية في العالم العربي .
أن الرؤية الجديدة للأمن القومي العربي يجب أن تنطلق من الهوية الحضارية وتستثمر في أدوات العصر, التي تتمثل بالتنمية المستدامة، الطاقة المتجددة ، والمعرفة . هذا ليس ترفًا فكريًا ، بل خيار استراتيجي وجودي يحدد مستقبل الأمة في عالم تتغير فيه موازين القوة لا بالأسلحة فقط ، بل بالعقول والطاقة والبيئة .
ولا يمكن تحقيق أمن قومي عربي حقيقي دون أن يكون هذا الأمن قائمًا على العدالة التنموية، والسيادة الطاقية، والهوية الحضارية. الرؤية المستقبلية تتطلب شجاعة فكرية، وإرادة سياسية، وتعاونًا عربيًا حقيقيًا، يعيد بناء الأمة على أساسات جديدة، قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
تهدف هذه االورقة إلى تفعيل دور المعهد العالمي للتجديد العربي كمؤسسة فكرية استراتيجية، تربط بين البعد الحضاري وأمن الدول العربية في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية. وتهدف الى إعادة بناء الوعي الحضاري، ودعم التنمية المستدامة، والحماية الشاملة للبنية التحتية لللأمة العربية والمساهمة في السياسات العامة من منظور حضاري-تنموي.
هذه الورقة تقترح رؤية جديدة تتكامل فيها الهوية الحضارية، لبناء أمن قومي عربي يتسم بالمرونة والمناعة الذاتية. فأن العالم يشهد تحولات جذرية في مفاهيم الأمن القومي، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحماية الدول، بل باتت مفاهيم مثل الأمن التنموي، وأمن الطاقة، والأمن البيئي، والمعرفة التكنولوجية من المرتكزات والمسارات الحاسمة لأي استراتيجية قومية شاملة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء مفهوم الأمن القومي العربي من منظور حضاري وتكاملي، يأخذ بعين الاعتبار قضايا التنمية المستدامة، والتحول إلى الطاقة المتجددة كأدوات استراتيجية لتعزيز السيادة والمناعة.أن تهديد الأمن القومي للدول العربية
وحماية امنها متفاوت في شدته بين دولة وأخرى , هنالك دول مستقرة نسبيا وهناك دول منهارة , ولكن حتى الدول المستقرة نسبيا ليست بمنئى عن المخاطر .وعليه فأن عملنا هذا يتطلب مقاربة استراتيجية عميقة تربط بين الأمن القومي العربي وبين البعد الحضاري، خاصة في ظل تسارع التغيرات الإقليمية والدولية.
أولا – البعد الحضاري في أزمة الأمن القومي العربي
أزمة الأمن القومي العربي في جانبها الحضاري تنبع من هشاشة بعض المكونات أو استهدافها، مثل:
• تشويه الهوية من خلال التغريب أو التطرف.
• تفكيك النسيج الاجتماعي عبر تغذية الصراعات الطائفية والعرقية.
• تدهور التعليم والثقافة مما يُضعف القدرة على إنتاج المعرفة ومواجهة التحديات.
• فقدان الثقة بين المواطن والدولة مما يُفكك الجبهة الداخلية.
وبالتالي، فإن الأمن القومي الحضاري هو القدرة على حماية وصون وتطوير هذه المكونات بما يُعزز المناعة الذاتية للأمة في وجه التدخلات والتحديات.
ثانيا : رؤية جديدة للأمن القومي العربي في ضوء المتغيرات الراهنة , هذه الرؤية تتضمن محاور مهمة وواسعة في تفاصيلها الاانني سأحاول اختصارها قدر ما اتيح لي من وقت ومن هذه المحاور :
1. التحول من مفهوم الأمن القومي التقليدي إلى “ أمن حضاري تكاملي ”
الأمن لم يعد يقتصر على الحدود والسيادة، بل يشمل:الأمن السيبراني , أمن الطاقة , الأمن الصحي و الأمن الثقافي وأمن الهوية .
2. المخاطر الجديدة التي تواجه الأمن القومي العربي
• تصاعد الأزمات البيئية (مثل تغيّر المناخ والموارد المائية).
• التبعية التكنولوجية والاقتصادية للخارج.
• الأزمات الجيوسياسية (مثل التدخلات الإقليمية، حروب الوكالة، وتآكل السيادة).
• الذكاء الاصطناعي والهيمنة الرقمية.
• تآكل الثقة في المنظومات التعليمية والدينية.
ثالثا. احياء استراتيجية عربية للأمن القومي الحضاري تتمثل في :-
• إحياء مشروع حضاري عربي يستند إلى المعرفة والتجديد الثقافي.
• إنشاء منظومة أمن قومي تكاملية تشمل الدول العربية وتنسّق الجهود الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
• استثمار القوة الناعمة العربية: اللغة، التراث، التعليم، الإعلام، الفنون.
• اعتماد الاقتصاد المعرفي والتكنولوجي كأدوات لبناء المناعة الوطنية.
توسيع مفهوم البنية التحتية
حماية البنية التحتية الأساسية في الدول العربية لا تقتصر على الطرق والكهرباء والمياه، بل تشمل:
• البنية التحتية الرقمية (الإنترنت، مراكز البيانات).
• البنية التحتية المعرفية (الجامعات، مراكز البحوث).
• البنية التحتية الثقافية (المتاحف، وسائل الإعلام، المنصات التعليمية).
ولحماية البنية التحتية الثقافية والفكرية والهوية .
– تطوير دليل سياسات لحماية التراث الثقافي من الاندثار والتشويه.
– دعم المشاريع الرقمية لأرشفة الوثائق والمخطوطات العربية.
– اقتراح برامج تعليمية لإحياء الإرث العربي في المناهج الحديثة.
– التعاون مع الجامعات والمراكز والمؤسسات الفكرية التي أجرى المعهد معها مؤخرا أتفاقيات تعاون لإنتاج الأبحاث المشتركة, وملتقيات تهدف الى تعزيزالوعي والتحالف الاستراتيجي .
رابعا : أساليب التعامل مع المتغيرات الاقليمية والدولية .
1. الاستشراف المبكر (Early Warning)
إنشاء وحدات لرصد التحولات العالمية في الطاقة ، السياسة، التكنولوجيا، المناخ …..الخ.
2. التحالفات الذكية (Smart Alliances)
الانخراط في تحالفات استراتيجية (اقتصادية، تكنولوجية، دفاعية) تحفظ المصالح دون التبعية.
3. استقلال القرار الاستراتيجي
4. تعزيز الوعي الاستراتيجي لدى النخب والمواطنين
ماهي الخطوات التي يمكن اعتمادها حسب رؤية وحدة دراسات الطاقة والطاقة المتجددة لمواجهة التحديات …….
1. إطلاق او أنشاء “مرصد الأمن الحضاري العربي” مهمته رصد التحولات العالمية في المجالات التي تم ذكرها , يتابع المرصد المؤشرات التي تهدد الأمن القومي العربي من منظور حضاري (الهوية، اللغة، الثقافة، البيئة والطاقة ، الاقتصاد).
و يصدر تقارير دورية تحليلية وخرائط مخاطر فكرية وتنموية كما يعزز الوعي بالأمن الشامل .
2. تأسيس “وحدة السياسات الاستباقية” وربطها بمرصد الأمن الحضاري .كما يمكن إنشاء منصة تفاعلية رقمية من قبل وحدة الدراسات الرقمية ,بهدف تقديم أوراق سياسات وخطط استراتيجية للتعامل مع قضايا أمن الطاقة والمياه والغذاء , الامن الرقمي والمعلوماتي , تحديات الهجرة واللجوء والفقر والتطرف , البنية التحتية , التراث , الهوية ….الخ
3. تنظيم مؤتمر سنوي تحت عنوان: “الأمن القومي العربي في عصر التحولات الكبرى” يجمع نخبة من المفكرين والباحثين يناقش التحديات العالمية والفرص المتاحة للدول العربية. و يصدر “إعلان عربي حضاري للأمن القومي المستدام”.
4. إعداد “دليل السياسات الحضارية” لحماية البنية التحتية الثقافية ( مساهمة من وحدة الدراسات الثقافية ) , يرصد التهديدات للتراث والهوية والمدن التاريخية.
5. تطوير الخطة الخمسية الأستراتيجية للمعهد لتشمل أبعاد الفكر ، السياسات ، التأثيرات الإقليمية .
6.تفعيل التعاون وتعريف المعهد مع جهات مهمة مثل الإسكوا، الإيسيسكو، اليونسكو، جامعة الدول العربية.
7. إطلاق مشروعات ثقافية وفكرية وتنموية مشتركة مع المؤسسات والشركات والجامعات في الطاقة والتعليم والثقافة. دعم الشباب والطلبة الباحثين وتأسيس جائزة “التجديد العربي للفكر الاستراتيجي”.

التجديد المعرفي في خدمة الأمن القومي العربي: مدخل استراتيجي معاصر
د. أماني جرار
- عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي
- أستاذ جامعي – جامعة فيلادلفيا- الأردن

المقدمة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في مفهوم الأمن القومي العربي، الذي لم يعد يقتصر على البعد العسكري التقليدي، بل أصبح يشمل أبعادًا معرفية واستراتيجية متعددة. فالتحديات المعاصرة، مثل الحروب السيبرانية، والتطرف الفكري، والتغيرات المناخية، تتطلب استجابات أمنية متطورة تعتمد على المعرفة والابتكار.
إن التجديد المعرفي في هذا السياق لا يعني فقط تحديث الأدوات والوسائل، بل يتطلب إعادة صياغة المفاهيم والاستراتيجيات الأمنية بما يتناسب مع الواقع الجديد. فالمعرفة أصبحت عنصرًا حاسمًا في بناء القدرات الدفاعية والهجومية، وفي تعزيز مرونة المجتمعات في مواجهة الأزمات. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا البحث إلى استكشاف كيفية توظيف التجديد المعرفي في خدمة الأمن القومي العربي، من خلال تحليل الأبعاد المختلفة لهذا المفهوم، وتقييم التحديات التي تواجهه، واقتراح استراتيجيات معاصرة تعزز من قدرته على التصدي للمخاطر المتجددة. ويهدف البحث إلى تقديم إطار نظري وعملي يساهم في تعزيز الأمن القومي العربي في ظل المتغيرات الراهنة.
المحور الأول: مفهوم الأمن القومي العربي في ظل التحولات المعرفية
شهد مفهوم الأمن القومي العربي تطورًا ملحوظًا في ظل التحولات المعرفية المتسارعة، حيث تجاوز الإطار التقليدي الذي كان يركز على التهديدات العسكرية المباشرة ليشمل أبعادًا متعددة تتعلق بالسياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والثقافة، والتكنولوجيا.
تاريخيًا، ارتبط مفهوم الأمن القومي العربي بالتحديات العسكرية، خاصة في ظل الصراع العربي الإسرائيلي. فقد كان يُنظر إلى الأمن القومي من منظور جماعي، حيث تُعتبر التهديدات التي تواجه أي دولة عربية تهديدًا للأمة بأكملها. وقد تجلى ذلك في تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، وتوقيع “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي” عام 1950، التي هدفت إلى تعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية (قبلان، 2023).
مع تطور العلوم والتكنولوجيا، ظهرت تهديدات جديدة تتجاوز الحدود التقليدية، مثل الهجمات السيبرانية، والحروب الإعلامية، والتحديات البيئية، والأزمات الاقتصادية. وقد أدى ذلك إلى توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل هذه الأبعاد الجديدة. فلم يعد الأمن القومي يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل حماية البنية التحتية الرقمية، وضمان الأمن الغذائي والمائي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والثقافي (زاوي، 2020).
يواجه الأمن القومي العربي تحديات متعددة، من بينها التهديدات السيبرانية، حيث تزايدت الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، مما يتطلب تعزيز القدرات الدفاعية في مجال الأمن السيبراني. كما أن الحروب الإعلامية وانتشار المعلومات المضللة والشائعات عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تؤثر على الاستقرار الداخلي وتزيد من حدة الانقسامات المجتمعية (توفيق، 2024).
بالإضافة إلى ذلك، تعاني الدول العربية من تحديات اقتصادية، مثل الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية، وعدم تنويع الاقتصاد، مما يجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية. كما أن التهديدات البيئية، مثل تغير المناخ، وندرة الموارد المائية، والتصحر، تؤثر على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي (عاشور، 2017).
ولمواجهة هذه التحديات، من الضروري تبني استراتيجية شاملة للأمن القومي العربي تعتمد على التجديد المعرفي. يشمل ذلك تعزيز البحث العلمي، ودعم مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية لتوفير رؤى وتحليلات تساعد في اتخاذ قرارات مستنيرة. كما يجب تطوير التعليم، وإدماج مفاهيم الأمن القومي في المناهج التعليمية، وتعزيز الوعي لدى الأجيال القادمة بأهمية الأمن الشامل (زاوي، 2020).
كذلك، يجب تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول العربية في مجالات الأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للتحديات البيئية والاقتصادية. كما ينبغي تبني التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتعزيز القدرات الأمنية (قبلان، 2023).
في الختام، يتطلب الأمن القومي العربي في العصر المعرفي تبني نهج شامل ومتكامل، يركز على تعزيز القدرات المعرفية والتكنولوجية، وتطوير السياسات والاستراتيجيات التي تتناسب مع التحديات المعاصرة. فالأمن القومي لم يعد مسألة عسكرية فقط، بل أصبح قضية معرفية تتطلب استثمارًا في الإنسان والعلم والتكنولوجيا.
المحور الثاني: دور التجديد المعرفي في بناء استراتيجيات أمنية فعّالة
يمثل التجديد المعرفي مرتكزًا رئيسيًا في صياغة استراتيجيات أمن قومي أكثر فاعلية واستدامة في العالم العربي، خاصة في ظل التهديدات المتسارعة والمعقدة التي تتجاوز الأطر العسكرية التقليدية، إلى ساحات معرفية وثقافية وتكنولوجية. ويُعد تبني مفهوم أوسع للأمن القومي، يتكامل فيه البعد المعرفي مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ضرورة ملحة لصياغة استراتيجيات استباقية ومرنة. ومن هذا المنطلق، فإن بناء القدرات المعرفية—سواء من خلال البحث العلمي أو التعليم أو الإعلام أو إنتاج البيانات وتحليلها—يشكل البنية التحتية لأي أمن وطني معاصر. في السياق العربي، يشير Brown وآخرون (2022) إلى أن أحد المعضلات البنيوية في الأنظمة الأمنية العربية يكمن في غياب المعرفة كعنصر محوري في رسم السياسات، حيث تتبنى غالبية الدول نماذج أمنية قائمة على الردود الآنية لا الاستراتيجيات الاستشرافية، وهو ما يعكس ضعفًا في توظيف البحث العلمي والخبرات الأكاديمية في دعم صناعة القرار الأمني. هذا القصور يتجلى كذلك في محدودية الاستثمار في مؤسسات الفكر والرصد والتحليل التي تُعنى بمتابعة التحولات الجيوسياسية أو التطورات الرقمية المتسارعة. ووفقًا لدراسة حديثة لمنصة “المعرفة” (Al-Manhal, 2021)، فإن أغلب الجامعات العربية لا تربط مخرجاتها البحثية بقضايا الأمن القومي، ما يفتح فجوة بين البيئة الأكاديمية ومؤسسات صنع القرار. بالمقابل، تسلط الدراسة ذاتها الضوء على تجارب ناشئة بدأت تعي أهمية دمج البعد المعرفي، مثل مبادرات الأمن السيبراني في بعض دول الخليج، وتبني أدوات تحليل البيانات الضخمة في رصد المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالاستقرار. غير أن تلك المبادرات ما زالت محصورة في نطاق جغرافي ضيق وتفتقر إلى إطار عربي تكاملي. وهنا تكمن الحاجة لتبني مقاربة معرفية شاملة، تبدأ بتأهيل الكوادر القادرة على استشراف المخاطر، وليس فقط التعامل معها عند وقوعها. كما أن بناء استراتيجية أمنية قائمة على التجديد المعرفي يقتضي إدماج المفكرين والعلماء والخبراء في غرف العمليات الأمنية، بحيث تصبح المعرفة أداة مركزية لصنع القرار، لا مجرد هامش استشاري. الإعلام بدوره يمثل محورًا مهمًا في منظومة التجديد المعرفي، حيث يمكنه أن يتحول من ناقل للأحداث إلى مُنتج للوعي الأمني، شريطة أن يخضع لإطار تحريري ومعرفي مسؤول، وهو ما أكدته تحليلات قام بها معهد السياسة العامة بجامعة كولومبيا (Columbia SIPA, 2023)، والتي أظهرت كيف يمكن للإعلام الذكي أن يلعب دورًا حاسمًا في مكافحة التطرف والتضليل، ودعم الأمن المجتمعي عبر بناء سرديات إيجابية قائمة على الحقائق. ويُعتبر الجانب الرقمي أحد أكثر المساحات حساسية في الأمن القومي المعاصر، إذ لم تعد الحروب تُخاض فقط في الميادين، بل أيضًا في الفضاء الإلكتروني، ما يستلزم تطوير استراتيجيات قائمة على الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية. وقد أشارت دراسة حديثة
لـ(Infotech) عام (2023) إلى أن الدول التي استثمرت في تطوير استراتيجيات معلوماتية متقدمة، قادرة على إدارة المخاطر بشكل أكثر كفاءة، بفضل قدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات استراتيجية. في ضوء ما سبق، يمكن القول إن غياب التجديد المعرفي عن البنية الأمنية العربية لا يمثل فقط تحديًا تنظيميًا، بل تهديدًا وجوديًا، لأن الأنماط التقليدية في الإدارة الأمنية لم تعد قادرة على مواكبة طبيعة المخاطر الحديثة التي تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا. من هنا، فإن الطريق نحو أمن قومي عربي فعّال يمر حتمًا عبر بوابة المعرفة، ويستلزم إعادة هيكلة العقل الأمني ليصبح عقلًا تحليليًا تشاركيًا، لا سلطويًا منفصلًا عن المجتمع والمعرفة والإنسان.
المحور الثالث: نحو استراتيجية أمن قومي معرفي
يمثل الانتقال من نموذج الأمن القومي التقليدي إلى نموذج قائم على التجديد المعرفي تحولًا جوهريًا في كيفية فهم وإدارة التهديدات التي تواجه الدول العربية في القرن الحادي والعشرين. فالعالم اليوم لم يعد يحكمه منطق الحروب الكلاسيكية فحسب، بل باتت القوة الناعمة، والمعرفة، والتحكم بالمعلومة، والقدرة على التنبؤ بالمخاطر، أدوات مركزية في تعزيز الاستقرار وحماية السيادة الوطنية. من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى صياغة استراتيجية عربية للأمن القومي تستند إلى التجديد المعرفي كأساس لبناء قدرة استباقية، مرنة، ومتكاملة لمواجهة التحديات المعاصرة. وعليه؛ يحكم بناء هذه الاستراتيجية ما يلي:
أولًا، إن بناء استراتيجية أمن قومي معرفي يتطلب تطوير بنية تحتية معرفية متكاملة تشمل التعليم، والبحث العلمي، والتدريب، وإنتاج البيانات. ولا يمكن تحقيق ذلك دون إصلاحات جذرية في أنظمة التعليم العربية، التي ما زالت تعاني من الجمود والتلقين، ولا تولي أهمية كافية للمهارات الاستراتيجية مثل التحليل، والنقد، والتفكير المستقبلي (جرار، 2023). فغالبية النظم التعليمية في الدول العربية لا تُعد الطلاب للتفاعل مع تعقيدات الأمن القومي، ولا تربط بين المعرفة الأمنية ومفاهيم مثل الهوية الرقمية، أو الأمن البيئي، أو حتى الأمن الغذائي. لذا فإن أي استراتيجية معرفية للأمن القومي يجب أن تبدأ من المدرسة والجامعة، لا من مؤسسات الجيش أو الاستخبارات فقط.
ثانيًا، لا يمكن للتجديد المعرفي أن يؤدي دوره الفعال في الاستراتيجية الأمنية من دون مشاركة مؤسسات تفكير (Think Tanks) ومراكز أبحاث قوية وفاعلة. ففي التجارب الدولية، كما في كندا وسنغافورة، تلعب هذه المؤسسات دورًا محوريًا في تقديم رؤى وتحليلات معمقة لصانعي القرار، وتُعد بمنزلة الرادار الاستراتيجي للدولة .(Barker & Kitchin, 2021) وفي المقابل، تعاني البيئة العربية
من ضعف هذه المؤسسات، إما بسبب ضعف التمويل، أو التبعية للمؤسسات الرسمية، أو غياب الحريات الأكاديمية. وهذا ما يعيق قدرتها على إنتاج معرفة مستقلة وموضوعية، تساهم في صياغة استراتيجيات أمنية حقيقية. وهنا لا بد من منح هذه المؤسسات استقلالية حقيقية، ودعمها تشريعيًا وماليًا، لتكون ذراعًا معرفيًا للدولة وليس مجرد واجهة إعلامية.
ثالثًا، إن استراتيجية الأمن المعرفي يجب أن تكون بطبيعتها تشاركية وتكاملية. فالأمن لم يعد مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مسؤولية مجتمعية تشارك فيها الجامعات، والإعلام، والشركات التكنولوجية، وحتى المواطن. ومن المهم في هذا السياق وضع أطر للتنسيق بين مختلف الفاعلين في الحقل الأمني المعرفي، وتحديد أدوار واضحة لكل طرف، وتبادل المعلومات والبيانات بشكل منظم. كما يجب تضمين البعد السيبراني ضمن الاستراتيجية، خاصة مع ازدياد التهديدات الرقمية التي تستهدف البنى التحتية للدول والمؤسسات الحيوية، وهو ما أكدته تقارير أمنية حديثة لمنظمة الأمن السيبراني الأوروبي التي ربطت بين ضعف البنية الرقمية وضعف قدرة الدولة على إدارة أزماتها السياسية والاجتماعية (ENISA, 2022).
رابعًا، لا بد أن تكون هذه الاستراتيجية مدفوعة برؤية مستقبلية تستند إلى أدوات الاستشراف والتحليل التنبؤي. فالدول التي تنجح اليوم في حماية أمنها القومي ليست تلك التي تمتلك أكبر جيوش أو أسلحة، بل تلك التي تنجح في التنبؤ بالتحديات قبل وقوعها، وتصميم السيناريوهات البديلة، ومن ثم تحليل الاتجاهات الكبرى، التي تتمثل في ثورة الذكاء الاصطناعي، وكذلك التغيرات والتحولات المناخية، والهجرة، والتغيرات الديمغرافية .(Gunning & Jobson, 2022) ولتحقيق ذلك، ينبغي اعتماد نماذج تخطيط معرفية، نماذج ذكية تعتمد على قواعد البيانات الضخمة، ومحاكاة الأزمات، وتوظيف التكنولوجيا في قراءة كافة المؤشرات التي تحكم الحوكمة الرشيدة لإدارة الأزمات، قبل أن تتحول إلى أزمات مدمرة. ومن هنا يمكن التأكيد على أن استراتيجية الأمن القومي العربي يجب أن تُعاد صياغتها لتكون استراتيجية معرفية، قائمة على العقل الجماعي لا القرار الفردي، وعلى التراكم المعرفي لا الانفعال الآني، وعلى مشاركة النخب العلمية لا الاقتصار على القيادات الأمنية. إن بناء هذه الاستراتيجية يتطلب تغييرًا ثقافيًا عميقًا في كيفية فهم الأمن نفسه: ليس بوصفه حالة طوارئ مؤقتة، بل باعتباره حالة دائمة من الجهوزية المعرفية والبشرية والمؤسسية. كما أنه لا يمكن اختزال الأمن القومي في مفهوم الحماية، بل يجب توسيعه ليشمل التمكين، والتنمية، والتأثير الإيجابي في المحيط الجيوسياسي. وبهذا المعنى، فإن التجديد المعرفي لا ينبغي أن يكون مجرد شعار، بل أداة ملموسة تعيد إنتاج دور الدولة، وتعيد وصلها بمجتمعها وعصرها.
الخاتمة
وفي المحصلة، يتضح أن التجديد المعرفي لم يعد خيارًا ترفيًا في ظل التحولات العالمية المتسارعة، بل بات ضرورة استراتيجية لضمان أمن قومي عربي متماسك ومستدام. فالمخاطر التي تواجه الدول العربية اليوم لم تعد تقليدية أو محدودة النطاق، بل أصبحت معقدة، متشابكة، ومتغيرة، وتتطلب أدوات تحليل واستجابة جديدة قائمة على المعرفة، والاستشراف، والتكنولوجيا. إن تبني منظور معرفي للأمن القومي يعزز من قدرة الدول على التنبؤ بالتحديات، والاستعداد لها، وتفكيك مسبباتها قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد الاستقرار الداخلي أو الإقليمي. حيث أن بناء استراتيجية أمنية فاعلة يقوم على ربط منظومة التعليم والبحث العلمي والمؤسسات الفكرية بصناعة القرار، وعلى إدماج كافة الفاعلين من الدولة والمجتمع في منظومة تشاركية شاملة. كما أن الإعلام الواعي، والتحول الرقمي، والاستثمار في رأس المال البشري، تمثل جميعها ركائز لا غنى عنها لأي منظومة أمنية معاصرة. ومن هنا، فإن تطوير نموذج أمني عربي جديد قائم على المعرفة يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الأمن القومي على أسس علمية وإنسانية تحقق التوازن بين الحماية والتنمية، وبين السيادة والانفتاح، بما يضمن استقرارًا طويل الأمد للأمة العربية في محيطها المتغير.
المصادر والمراجع
توفيق، غ. م. (2024). الإعلام الأمني وحروب الأجيال: رؤية استراتيجية لدعم الأمن القومي العربي. مجلة الشؤون العربية.
جرار، أ. غ. (2023). التجديد المعرفي في خدمة الأمن القومي العربي: مدخل استراتيجي معاصر. عمّان: دار الأكاديميون للنشر والتوزيع.
زاوي، ز. (2020). واقع الأمن القومي العربي في ظل التحولات الدولية. المجلة الجزائرية للعلوم السياسية.(asjp.cerist.dz)
عاشور، ق. (2017). الأمن القومي العربي: التحديات وسبل المواجهة. حولية كلية الآداب – جامعة بني سويف.(jbsu.journals.ekb.eg)
قبلان، م. (2023). الأمن القومي العربي وتحديات الأمن الإقليمي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
معهد البحوث السياسية والاستراتيجية العربي. (2022). بناء منظومة أمن قومي عربي معرفية: رؤية استشرافية. بيروت: مركز دراسات المستقبل العربي.
المراجع الأجنبية
Al-Manhal. (2021). The role of university education in preserving the foundations of national security. Retrieved from https://platform.almanhal.com/Files/2/138060.
Barker, K., & Kitchin, R. (2021). Big Data, Surveillance and Crisis Management: Lessons from International Security. Oxford University Press.
Brown, N. J., & Others. (2022). Innovation and New Directions: Searching for Novel Paths in Arab Education Reform. Carnegie Endowment for International Peace. https://carnegieendowment.org
Columbia University; School of International and Public Affairs (SIPA). (2023). Media, Narrative, and National Security: Strategic Communication in the Digital Age.
ENISA. (2022). Threat Landscape for the Digital Ecosystem. European Union Agency for Cybersecurity. Retrieved from https://www.enisa.europa.eu
Infotech Research Group. (2023). Build an Information Security Strategy That Supports National Resilience. https://www.infotech.com/research/ss/build-an-information-security-strategy.

الرؤية الجديدة للأمن القومي العربي: أبعاد متجددة في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية المعاصرة
أ. خالد الحديدي
- عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي
- كاتب وصحفي وناقد ثقافي

يشهد العالم في العقدين الأخيرين تحولات إقليمية ودولية غير مسبوقة، أثرت بشكل مباشر على أمن المنطقة العربية ومستقبلها السياسي والتنموي. فالأنظمة الإقليمية القديمة تُعاد تشكيلها عبر عوامل عدة، منها النزاعات المسلحة، التغيرات في موازين القوى العالمية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن التحديات البيئية والتكنولوجية الحديثة. في هذا السياق، يطرح المعهد العالمي للتجديد العربي سؤالاً محورياً: كيف يمكن صياغة رؤية جديدة للأمن القومي العربي تضمن حماية الأمة وتعزيز مكانتها كفاعل فاعل في خريطة الأمن الإقليمي والدولي؟
هذه الورقة تسعى إلى تقديم تحليل عميق وموسّع حول أبعاد هذه الرؤية، مع تسليط الضوء على التحديات الراهنة، المقومات الأساسية لرؤية متجددة، ودور العرب في التخطيط التنموي كركيزة أساسية للأمن القومي.
أولاً: إعادة تعريف الأمن القومي العربي في السياق المعاصر
الأمن القومي لم يعد محصوراً في الدفاع العسكري وحماية الحدود، بل تحول إلى مفهوم شامل يتداخل فيه الأمن الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي، والبيئي. هذه الدمجية للأبعاد تتطلب قراءة أركيولوجية تعيد بناء المفاهيم المتراكمة وتنقيحها وفق معطيات الواقع العربي الراهن. فالأمن القومي العربي يستوجب مقاربة متكاملة تدمج التحديات الداخلية والخارجية ضمن سياق واحد، بعيداً عن تقطيعات جغرافية وسياسية ضيقة، وهو ما يتطلب:
الأمن السياسي: تعزيز المؤسسات الوطنية والديمقراطية، وحماية الحقوق المدنية، مع تطوير آليات تضمن حكم رشيداً وقضاء مستقلاً.
الأمن الاقتصادي: التركيز على استقلال اقتصادي وتنمية مستدامة عبر تنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية.
الأمن الاجتماعي والثقافي: حماية الهوية الثقافية وتعزيز الوحدة الوطنية، بالإضافة إلى مكافحة التطرف والفقر والبطالة، التي تهدد الاستقرار.
الأمن البيئي: مواجهة تحديات التغير المناخي والأزمات المائية والغذائية التي تهدد استدامة الحياة في المنطقة.
ثانياً: التحديات الإقليمية والعالمية وأثرها على الأمن القومي العربي
تتجلى التحديات في محاور متعددة ومتداخلة، بعضها مرتبط بالداخل العربي، وبعضها الآخر يُفترض من قوى إقليمية وعالمية:
الصراعات الإقليمية وتداعياتها: النزاعات في سوريا، ليبيا، اليمن، فلسطين، والتوترات بين القوى الإقليمية الكبرى تُكرس حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن.
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: الفقر والبطالة المرتفعة، هشاشة البنى التحتية، وعدم توازن التنمية بين الدول العربية، تضعف القدرة على مواجهة الأزمات.
التدخلات الخارجية: تأثير القوى الكبرى في الشؤون العربية يعيد تشكيل موازين القوة ويزيد من هشاشة الأمن.
التحديات التقنية والفضاء السيبراني: الأمان الرقمي والتجسس الإلكتروني يشكلان بعداً جديداً يجب التعامل معه بجدية.
التغيرات المناخية: ندرة المياه، التصحر، والتلوث البيئي تمثل تهديداً وجودياً مباشرًا، وتأثيرها يتخطى الحدود السياسية.
ثالثاً: مكانة العرب في التخطيط التنموي كعنصر فاعل في الأمن القومي
إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي العمود الفقري للأمن القومي الحديث. فغياب التنمية يشكل بيئة خصبة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. لذلك، لا بد من:
تعزيز التكامل الاقتصادي العربي: عبر إلغاء الحواجز التجارية، تنسيق السياسات الاقتصادية، وتطوير مشاريع بنى تحتية مشتركة.
التركيز على بناء الإنسان العربي: الاستثمار في التعليم، البحث العلمي، والصحة، لبناء قوى عاملة قادرة على المنافسة والابتكار.
تمكين الشباب والمرأة: لأنهما يشكلان القوة الدافعة لأي نهضة تنموية حقيقية.
تطوير الصناعات الوطنية: لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية.
رابعاً: صياغة رؤية فكرية علمية للأمن القومي العربي
تستند الرؤية الجديدة على مبادئ استراتيجية:
التكامل السياسي والمؤسسي: بناء مؤسسات عربية مشتركة، تعزيز التعاون بين الدول، وتوحيد السياسات الأمنية.
الاعتماد على الذات: تطوير القدرات الذاتية في مجالات الاقتصاد، التكنولوجيا، والسياسة الخارجية.
حماية الهوية الثقافية: مواجهة الهويات المتشرذمة عبر تعزيز الثقافة العربية المشتركة، والوعي التاريخي.
الاستدامة البيئية: وضع سياسات فعالة لمواجهة التغير المناخي، وإدارة الموارد الطبيعية.
المرونة والاستجابة السريعة: تطوير آليات استباقية للتعامل مع الأزمات المستقبلية.
خاتمة وتوصيات:
يُعد بناء رؤية جديدة للأمن القومي العربي ضرورة حتمية لمواكبة التحولات المعقدة التي تمر بها الأمة. فالتحديات المتعددة تتطلب مقاربة شمولية تتكامل فيها السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والبيئة. وفي هذا الإطار، ينبغي على الدول العربية والمجتمع المدني والمفكرين:
العمل على بناء منصة عربية للتعاون الأمني والتنمية المستدامة.
تشجيع البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية التي تعزز فهم الأمن القومي المعاصر.
إيلاء أهمية خاصة لتطوير التعليم والابتكار كدعائم للتنمية.
تعزيز الهوية الثقافية العربية لمواجهة التحديات الفكرية والسياسية.
صياغة استراتيجيات بيئية وطنية وإقليمية تضمن استدامة الموارد.
بهذه الرؤية المتكاملة، يمكن للأمة العربية أن ترسم طريقها نحو استعادة مكانتها، وتثبيت الأمن الوطني والقومي، وتعزيز دورها في الساحة الدولية بفعالية ومصداقية.

تعزيز التضامن العربي: من شعارٍ إلى مشروع سياديّ
أ. بدر شحادة
- عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي
- باحث في الدكتوراه

لم يعد الحديث عن التضامن العربي الفعّال ترفًا خطابيًا أو استهلاكًا إعلاميًا. بل بات ضرورة وجودية تُحتّمها تحوّلات الإقليم وتداعيات النظام الدولي. فأي مشروع يستتهدف تأسيس أمن قومي عربي لا يمكن أن ينجح إذا لم ينطلق من الداخل، من عقلٍ قياديّ استراتيجي يُعيد ترتيب الأوراق الداخلية، لا سيما في ظلّ فشل منظومات الحكم في إنتاج مشروع نهضوي حقيقي.
إنّ إعادة هندسة بنية الدولة تبدأ من إصلاح الحكم، وإعادة تعريف مفهوم “النخبة” على أساس الكفاءة والمواطنة لا الولاء السياسي أو الطائفي. فـ”الإنسان المواطن” هو أساس البناء، لا “الإنسان التابع”، ويستوجب ذلك منظومة اكتفاء ذاتي سياديّ، تبدأ من الاكتفاء الذاتي (الغذاء والدواء والتقنية، لا من مشاريع الاستيراد الهش والمساعدات المشروطة.
مأزق الأمن القومي العربي: العدو ليس فقط في الخارج
منذ النكبة عام 1948، ظلت إسرائيل تُقدَّم كعدوّ العرب الأوحد، غير أنّ العدو الأخطر نشأ من الداخل، من الانقسامات الإيديولوجية والسياسية منذ خمسينات القرن العشرين، بين تيارات إسلامية وقومية وناصرية وبعثية وشيوعية… مما أدّى إلى تفكّك في الرؤية الاستراتيجية وأجهض مشاريع الوحدة.
وقد كرّست بعض الدول العربية هذا الانقسام عبر اصطفافاتها الإقليمية المتباينة. فبعد انهيار منظومة “دول الطوق” وفشل جامعة الدول العربية في دورها الاستراتيجي، برزت اليوم ثلاثة تيارات في التعاطي مع الأزمات والتحديات التي يواجهها الأمن القومي العربي:
- تيار مفرّط يرى في الثورات الشعبية خطأً استراتيجيًا ولا يجب تبني أي عمل ضد الكيان الا في إطار مدروس وضيق وهذا ما يُفقد عنصر المفاجأة، وعلى رغم من التحوّل إلى مجازر جماعية لم يشهد العالم العربي موقفا جادًا لانهائها وذلك ضمن حسابات تلك الدول.
- تيار ملتزم بالمعاهدات الإقليمية لكنه عاجز ومقيّد.
- تيار إيران وأذرعها، الذين استخدموا أتباعهم كأدوات في صراع النفوذ الإقليمي.
فهل نملك قرارًا سياديًا حقيقيًا؟ أم نحن ضحايا لغياب مشروع عربي جامع؟!
العقل العربي… المورد الاستراتيجي المنسي
لقد أهملت الأنظمة العربية – في خضمّ استيرادها لنماذج “التنمية الاستهلاكية” – المورد الأهم: العقل العربي. هذا العقل الذي يمتلك قدرة على الإبداع إذا ما أُتيحت له بيئة حاضنة، لا قمعية. فالتاريخ لا يرحم الأمم التي همّشت مثقفيها ومفكّريها، وراهنت على الأمن بالقمح بدلًا من الفكر.
تجربة آسيان… نموذج واقعي للتعاون بدون إذابة الهويات
وسط هذا المشهد، تبرز تجربة رابطة آسيان (ASEAN) كأنموذج للسيادة التعاونية، رغم أنها تضم دولًا نامية وذات خلفيات دينية وثقافية شديدة التنوع.
ودول آسيان (10) عشر دول : إندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، تايلاند، الفلبين، بروناي، فيتنام، لاوس، كمبوديا، ميانمار.
أبرز مظاهر النجاح:
- استقرار إقليمي شبه متكامل منذ 1967 دون حروب داخلية (طبعا كانت هناك توترات إقليمية..)
- نمو اقتصادي شامل: سوق تضم أكثر من 650 مليون نسمة، وإطلاق ASEAN Economic Community عام 2015.
- حلّ النزاعات بالحوار والإجماع، لا التدخل.
- التحول إلى محور جيوسياسي عالمي عبر منتدى [1]ARF وقمة +3.
- شراكات استراتيجية مع الصين، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، واليابان.ورغم غياب القوة العسكرية الموحّدة والصلاحيات الإلزامية، حافظت آسيان على تماسكها عبر: مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” + مبدأ “الإجماع”.
وهنا يقترح الباحث أولاً مقاربة مع قمة 3+ آسيان حيث يعرض الامكانيات المتاحة بين الدول العربية وبين آسيان من أجل النهوض نحو أمن قومي عربي جامع:
أولاً- التعريف
| العنصر | قمة آسيان +3 | تكتل عربي إقليمي (مقترح) |
| التكوين | آسيان (10 دول) + الصين + اليابان + كوريا الجنوبية | الدول العربية الـ22 أو نواة منها (مثلاً الخليج + مصر + الأردن + المغرب العربي) |
| تاريخ التأسيس | 1997 بعد الأزمة المالية الآسيوية | مقترح جديد استجابة للتحديات العربية الحالية (صراعات، تدخلات، فشل مؤسسات التنسيق) |
| الإطار القانوني | غير ملزم، قائم على التوافق والإجماع | بحاجة إلى اتفاقية ميثاقية جديدة بديلة أو موازية لجامعة الدول العربية |
الأهداف الاستراتيجية
| المجال | آسيان +3 | التكتل العربي المقترح |
| التكامل الاقتصادي | تعزيز التجارة البينية، العملات، المشروعات المشتركة | خلق سوق عربية موحدة، وتقليل التبعية للأسواق الأجنبية |
| الأمن الإقليمي | آليات استباقية مرنة دون تدخل مباشر | بناء منظومة أمن قومي عربي مشترك + استخبارات سيادية موحدة |
| التموضع الجيوسياسي | التوازن بين الصين وأمريكا واليابان | كسر الاصطفاف المحوري بين تركيا، إيران، وإسرائيل، وبناء كتلة عربية مستقلة |
| الحوكمة والسيادة | احترام السيادة، “مبدأ عدم التدخل” | تجاوز النزاعات الداخلية عبر التوافق، والحفاظ على الوحدة دون إذابة الخصوصيات |
عوامل النجاح عند آسيان والتحديات لدى العرب
| العامل | آسيان +3 | العالم العربي |
| وجود إرادة سياسية عقلانية | نعم – رغم الاختلافات الثقافية والدينية | منقسم سياسيًا وأيديولوجيًا |
| النزعة الواقعية في العلاقات | براغماتية عالية – تجنّب الصدام | اصطفافات حادة، خطاب إيديولوجي وتخوين |
| القدرة على إدارة الأزمات | عبر الحوار الجماعي والتدرج | غياب آليات حل النزاع العربي – العربي |
| القوة الاقتصادية التراكمية | قوة سكانية، صناعية، وأسواق متكاملة | ثروات كبيرة ولكن مهدورة أو مُسيّسة |
التحديات والفرص
| العنصر | قمة آسيان +3 | التكتل العربي |
| التحدي الأكبر | توترات بحر الصين الجنوبي، الخوف من الهيمنة الصينية | الانقسامات الداخلية، التبعية الخارجية، تآكل الثقة |
| الفرصة الكبرى | جذب الاستثمارات العالمية والتكامل مع سلاسل القيمة | استغلال الموقع الجيوسياسي والموارد الطبيعية، وتوظيف “العقل العربي” |
توصيات استراتيجية لتأسيس التكتل العربي
- إنشاء نواة مصغرة من الدول القادرة سياسيًا واقتصاديًا (مثل الخليج + مصر + الأردن + المغرب).
- ميثاق جديد قائم على السيادة التعاونية لا الهيمنة أو التدخل.
- تحديد أولويات ثلاثية:
- الأمن الغذائي والدوائي
- التصنيع والتقنية
- التكامل العسكري والاستخباراتي
- اعتماد مبادئ آسيان:
- عدم التدخل
- الإجماع التدريجي
- إدارة الخلاف بالحوار لا العزل
إن الدرس المستفاد من قمة آسيان +3 هو أن التكتلات الإقليمية الناجحة لا تحتاج دائمًا إلى وحدة ثقافية أو قوة عسكرية موحدة، بل تحتاج إلى عقل استراتيجي جماعي، وميثاق مبني على الواقعية، السيادة، والاحترام المتبادل… وهو ما يمكن للعرب أن يبنوه، إن وُجدت الإرادة والقيادة.”
ختامًا إذا أراد العرب فعلاً استعادة دورهم الحضاري لا بدّ من:
- إعادة إنتاج الدولة الوطنية السيادية على قاعدة المواطنة والعدالة والكفاءة.
- بناء منظومة أمن قومي عربي متكاملة سياسيًا، اقتصاديًا، استخباراتيًا، وتقنيًا.
- تشكيل تكتل عربي يشبه “آسيان العرب“ كخطوة أولى، دون إذابة للهويات أو تبعية للأقوى.
- استثمار العقل العربي كقوة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط أو الغاز.
[1] – تأسس عام 1994 ضم المنتدى 27 عضوًا، منهم: دول آسيان العشر- قوى إقليمية كبرى: الصين، اليابان، الهند، كوريا الجنوبية. قوى عالمية: الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، كندا، أستراليا. لا يملك المنتدى قوة تنفيذية أو عسكرية. هو أقرب إلى “منصة حوار استراتيجي”.يناقش قضايا مثل: نزع السلاح النووي، الأمن البحري، مكافحة الإرهاب، الأمن السيبراني، الأزمات الإقليمية (مثل شبه الجزيرة الكورية، بحر الصين الجنوبي).

الأمن الإنساني العربي في ظل المخاطر العالمية
د. أريج زهران
- عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي
- رئيس وحدة الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية

تمهيد:
هناك شبه إجماع على غموض مفهوم الأمن وصعوبة وضع تعريف دقيق له، فالبعض يعتبره غياب خطر الحرب أو غياب التهديد بالحرب، أو غياب الخوف من تعرض قيم الدولة الأساسية للعدوان.
البعض الآخر يُعرف الأمن بأنه قدرة الدولة على رعاية مصالحها بدون التضحية بقيمها الأساسية، ولأن الأمن مرتبط بفكرة السلام وتحرر الإنسان من خطر العنف ودمار الحرب تولد ميل عند كثير من الباحثين إلى توسيع تعريف الأمن ليشمل الخلاص من عدد كبير من التهديدات التي تقود إلى العنف مثل: الفقر والإرهاب والتدهور البيئي.[1]
من أحدث تعريفات الأمن والأكثر تداولاً في الأدبيات المتخصصة تعريف باري بوزان Barry Buzan، حيث يعرف الأمن بأنه العمل على التحرر من التهديد، وفي سياق النظام الدولي، فهو قدرة الدول والمجتمعات على الحفاظ على كيانها المستقل وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير التي تعتبرها معادية في سعيها للأمن. أما الأمن القومي فهو قدرة الدول على الحفاظ على هويتها المستقلة ووحدتها الوظيفية. ويعتبر الفرنسي داريو باتيستيلا تعريف بوزان للأمن تبسيطًا لمعنى تعريف أرنولد ولفرز لعام 1952.[2]
تعريف الأمن القومي العربي:
قامت لجنة الشئون الخارجية والسياسية والأمن القومي “بالبرلمان العربي” بصياغة تعريف للأمن القومي العربي على أنه: قدرة الأمة العربية في الدفاع عن نفسها وعن حقوقها، وصون استقلالها وسيادتها على أراضيها، ومواجهة التحديات والمخاطر من خلال تنمية القدرات والإمكانات العربية في المجالات كافة، وفي إطار وحدة عربية شاملة، أخذًا في الاعتبار الاحتياجات الأمنية القُطرية لكل دولة بما يخدم مصالح الأمة العربية، ويضمن مستقبلاً أمنًا لأبنائها وبما يمكنها من المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.[3]
معنى الأمن الإنساني:
أمّا عن الأمن الإنساني فعلى الرغم من أن الأمن الإنساني من المقاربات النظرية الجديدة في حقل الدراسات الأمنية، إلا أن جذوره التاريخية تعود إلى الحرب العالمية الثانية، من خلال الخطاب التاريخي للرئيس الأمريكي روزفلت حول حالة الاتحاد في 6 جانفي 1941. حيث أشار إلى الحريات الأربعة: حرية التعبير وحرية العبادة والتحرر من الخوف والتحرر من الحاجة.[4]
فيعود الأمن الإنساني كفكرة إلى عدة عقود، إلا أنه كمفهوم برز كنتيجة لجملة من التحولات العالمية لا سيما بسبب انتشار الصراعات المحلية وما نتج عنها من ضحايا في صفوف المدنيين، ولعولمة بعض المشاكل (البيئة، الأوبئة، الفقر..) فالعالم يواجه أنماط جديدة من التهديدات وهذه الأنماط من التهديدات عالجها تقرير التنمية البشرية لعام 1994 الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والذي يعتبر أول من نظر لمفهوم الأمن الإنساني وأدخله بقوة في الدراسات الأمنية.[5] فقد أعاد إحياء مفهوم أمن البشر والأفراد في المجتمعات المختلفة، ويمثل هذا الإحياء اعترافًا بأولوية أمن الأفراد، حيث إن الفرد انضم إلى الجماعة ثم الدولة لزيادة نصيبه من الأمن مقابل التنازل عن جزء من حريته، إلا أن الدولة تحولت في حالات عدة إلى مصدر رئيسى لتهديد الأفراد أنفسهم، وهو ما تظهره العديد من ممارسات النظم في دول مختلفة، بدعوى الحفاظ على ذلك الكيان.[6] فيقول التقرير أنه بعد خمسة عقود من نكازاكي وهيروشيما “فنحن بحاجة لانتقال عميق آخر من التفكير، من الأمن النووي إلى الأمن الإنساني.”[7] إذ أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أنه بالنسبة لمعظم الناس يأتي الإحساس بعدم الأمن من القلق المتعلق بالحياة اليومية وليس بسبب أحداث جسام عالمية إذ أن الإنسان يهتم بأمن الوظيفية والدخل والصحة والبيئة والأمن من الجريمة وغيرها من مجالات الأمن المتعلقة بالحياة اليومية والمنبثقة من الأمن الإنساني الاجتماعي.[8]
قد برز كمفهوم في النصف الثاني من العقد الأخير للقرن العشرين كنتيجة لجملة من التحولات العالمية، من خلال انتشار النزاعات الإثنية وما إنجر عنها من ضحايا في صفوف المدنين. ولعولمة
المشاكل البيئية وإنتشار الأوبئة والفقر والعنف الهيكلي والإبادة الجماعية وانتشار المجاعة وتفاقم الأزمات المستعصية وسيما الاحتقانات الطائفية والعرقية.
فقد ظل مفهوم الأمن الإنساني/ البشري لفترة طويلة يفسر تفسيرًا ضيقًا بأنه أمن حدود الوطن من العدوان الخارجي، أو بأنه حماية المصالح القومية في السياسة الخارجية، أو بأنه الأمن العالمي من حدوث حرب نووية. فقد كان الأمن مرتبطًا بالدول أكثر منه بالناس. وفي إطار هذا التفسير الضيق ضاعت الشواغل المشروعة للناس العاديين الذين كانوا يلتمسون الأمن في حياتهم اليومية، وبالنسبة لكثيرين منهم يرمز الأمن إلى الحماية من تهديدات الآوبئة وخطر المرض والجوع والبطالة والجريمة والصراع الاجتماعي والقمع السياسي والمخاطر البيئية [9]
بالتالي فإن الشعور باللا أمن بالنسبة لأغلب البشر مصدره هموم الحياة اليومية أكثر منه الخشية من أحداث العالم العنيفة. وعليه فالأمن الإنساني لا يتعلق بالأسلحة وإنما بحياة الإنسان وكرامته.[10]
ومن ثم، فإن الأمن الإنساني في الفكر الحديث ليس مفهومًا دفاعيًا ـ كما هو الحال بالنسبة لأمن الأراضي أو الأمن العسكري ـ بل مفهوم تكاملي يعترف بشمولية مطالب الحياة، ولا يمكن تحققه عن طريق القوة . وله دائمًا مكونان رئيسيان: الأول التحرر من الخوف، والثاني التحرر من الحاجة.[11] وله جانبان رئيسيان أولهما: السلامة من التهديدات المزمنة مثل الجوع والمرض والاضظهاد، وثانيهما: الحماية من الاختلالات المفاجئة والمؤلمة في أنماط الحياة اليومية سواء في البيوت أو في الأعمال أو في المجتمعات المحلية.[12]
احتل مفهوم الأمن الاجتماعي Social Security مكانة مرموقة في كتابات علماء الاجتماع؛ نظرًا لارتباط هذا المفهوم بكافة جوانب الحياة الإنسانية، فيشمل الأمن الاجتماعي عدة مكونات في نفس الوقت مقومات له وهي: الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي والأمن السياسي والأمن البيئي وأيضًا الأمن القيمي…إلخ.[13]
الأمن الإنساني في عصر العولمة:
على الرغم من أن مكونات الأمن الإنساني ومصادر تهديده موجودة تاريخيًا فإن بروز المفهوم مؤخرًا ارتبط بعملية العولمة والتي جعلت مصائرنا مشتركة؛ وذلك نظرًا لما تقوم عليه عملية العولمة من فتح للحدود بين الدول لانتقال السلع والخدمات والتحرير الاقتصادي العالمي. فقد أكدت دراسات الاقتصاد الدولي على أن التحرير الاقتصادي العالمي له مخاطر عدة منها انتشار أنظمة غير مستقرة لا يمكن التحكم فيها خاصة في الأسواق المالية. بالإضافة إلى ما أكدت عليه تلك الدراسات من تأثيرات سلبية قد تصيب الاقتصاد العالمي والتي يمكن أن يكون لها تأثيرها السلبي على قضايا البيئة، والاستقرار السياسي.
أكد التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1999- بعنوان “عولمة ذات وجه إنساني Globalization with a Human Face “- على أنه على الرغم مما تقدمه العولمة من فرص هائلة للتقدم البشرى في كافة المجالات نظرًا لسرعة انتقال المعرفة وانتقال التكنولوجيا الحديثة وحرية انتقال السلع والخدمات، فإنها في المقابل تفرض مخاطر هائلة على الأمن الإنساني في القرن الحادي والعشرين، وهذه المخاطر ستصيب الأفراد في الدول الغنية والفقيرة على حدٍ سواء. وقد حدد التقرير سبع تحديات أساسية تهدد الأمن الإنساني في عصر العولمة تتمثل في:
- عدم الاستقرار المالي: والمثال البارز على ذلك الأزمة المالية في جنوب شرقي آسيا منتصف عام 1997. إذ أكد التقرير على أنه في عصر العولمة والتدفق السريع للسلع والخدمات ورأس المال فإن أزمات مالية مماثلة يتوقع لها أن تحدث.
- غياب الأمان الوظيفي وعدم استقرار الدخل: إذ دفعت سياسة المنافسة العالمية بالحكومات والموظفين إلى اتباع سياسات وظيفية أكثر مرونة تتسم بغياب أيّ عقود أو ضمانات وظيفية؛ وهو ما يترتب عليه غياب الاستقرار الوظيفي.
- غياب الأمان الصحي: فسهولة الانتقال وحرية الحركة ارتبطت بسهولة انتقال وانتشار الأمراض كالإيدز فيشير التقرير إلى أنه في عام 1998 بلغ عدد المصابين بالإيدز في مختلف أنحاء العالم حوالي 33 مليون فرد، منهم 6 ملايين فرد انتقلت إليهم العدوى في عام 1998 وحده.
- غياب الأمان الثقافي: إذ تقوم عملية العولمة على امتزاج الثقافات وانتقال الأفكار والمعرفة عبر وسائل الإعلام والأقمار الصناعية. وقد أكد التقرير على أن انتقال المعرفة وامتزاج الثقافات يتم بطريقة غير متكافئة، تقوم على انتقال المعرفة والأفكار من الدول الغنية إلى
الدول الفقيرة، وفي أحيان كثيرة تفرض الأفكار والثقافات الوافدة تهديدًا على القيم الثقافية المحلية.
- غياب الأمان الشخصي: ويتمثل في انتشار الجريمة المنظمة والتي أصبحت تستخدم أحدث التكنولوجيا الحديثة.
- غياب الأمان البيئي: وينبع هذا الخطر من الاختراعات الحديثة والتي لها تأثيرات جانبية بالغة الخطورة على البيئة.
- غياب الأمان السياسي والمجتمعي: حيث أضفت العولمة طابعًا جديدًا على النزاعات تمثلت في سهولة انتقال الأسلحة عبر الحدود؛ وهو ما أضفى عليها تعقيدًا وخطورة شديدة، كما انتعش دور شركات الأسلحة والتي أصبحت في بعض الأحيان تقوم بتقديم تدريب للحكومات ذاتها؛ وهو ما يمثل تهديدًا خطيرًا للأمن الإنساني.[14]
وهذه التهديدات السبع السالف ذكرها قد تم تعديلها في تقرير التنمية الإنسانية العربية عام 2009، وتعتمد الآن أغلب الدراسات والمرجعيات العلمية على ذلك التقرير عند تناول محاور الأمن الإنساني وتهديداته، وهي ما زالت مقسمة إلى سبع فئات رئيسية كالتالي: الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، والأمن الشخصي، والأمن الاجتماعي، والأمن السياسي.[15]
- الأمن الاقتصادي: الذي يتهدده الفقر، والبطالة وعدم الاستقرار في العمل، وعدم وجود سكن.
- الأمن الغذائي: الذي يتهدده الجوع والمجاعة.
- الأمن الصحي: الذي تهدده أشكال الأذى والأمراض.
- الأمن البيئي: الذي يتهدده االتلوث والتدهور البيئي.
- الأمن الشخصي: فيقصد به حماية الإنسان من التعرض للإيذاء والعنف البدني، ومن ضمن التهديدات التي تتعرض لها حياة الإنسان تهديدات من الدولة ومن الدول الأخرى ومن جماعات أخرى من الناس ومن أفراد أو عصابات ضد أفراد آخرين، أو ضد عصابات أخرى مثل الجريمة والعنف في الشوارع، تهديدات موجهة ضد المرأة وضد الأطفال، تهديدات للنفس ومن أمثلتها الانتحار واستعمال المخدرات.
- الأمن الاجتماعي: الذي يتهدده النزاع الاجتماعي أو الإثني أو العرقي.
- الأمن السياسي: الذي يتهدده القمع السياسي.[16]
تحديات الأمن الإنساني في المنطقة العربية:
التحديات الداخلية:
تنتشر حالات الحرمان والتهميش والفقر في أغلب الدول العربية وتتعمق مهددات الأمن الإنساني العربي بفعل فشل السياسات العامة المنتهجة من قبل الأنظمة الحااكمة. وهذا الوضع ينطبق على بعض الدول العربية، حيث يعاني الشباب من الإقصاء من ثلاثة أبعاد: اجتماعي وسياسي واقتصادي. ويعانون من ضيق الفرص وانتشار الفقر والبطالة، حيث لا يجد المواطن فرص حقيقية للمشاركة والتعبير عن تطلعاته وتلبية احتياجاته، مما أدى إلى محاولة تغيير الوضع عبر الإنخراط في العنف والنزاع والانتقامات المجتمعية الحادة، وهو الوضع الذي يعبر عن إخفاق الدولة العربية في إرساء قيم المواطنة وفقدان الهوية.
التحديات العالمية:
ساهمت العولمة في إتساع تهديدات الأمن الإنساني في الدول العربية، خاصة ظاهرة الإرهاب كأهم تحدي للأمن الإنساني، سواء كان إرهاب الدول كما يحدث في الأراضي الفلسطينية أو إرهاب النظام السياسي كما يحدث في واقع ممارسات بعض الأنظمة العربية، وأخطر ما يهدد أمن الفرد العربي هو سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى تركيز جهاز أمن العولمة كما تريده، وهو شكل من أشكال عولمة إرهاب الدولة الذي يعمل على إعادة إنتاج الهيمنة بوسائل عولمية جديدة تتناسب وأساليب التحكم عن بعد، بالتشجيع على تغذية التوتر الدائم في الأقطار العربية، من خلال تكريس سياسة المحاور المتضاربة في إطار نسق جديد من الأحلاف بعضها طائفي مثل المحور الشيعي والمحور السني، وبعضها أيديولوجي مثل محور الاعتدال ومحور الممانعة، وتتقاطع هذه المحاور والمسارات في إطار حروب جزئية أو شاملة تتميز بالعنف والتهديد المتواصل للأمن في مضمونة الشامل.[17]
تأسيسًا على ما سبق فإن العولمة أو حالة “اللانظام العالمي الجديد” أو ما يفضل أن يسميه سمير أمين “حالة الفوضى المعممة” جعلت العالم العربي خاضع لمنطق توزيع المخاطر ببروز أنماط من التهديدات لم تعد مقتصرة على الصراعات الداخلية، ولكن مهددة بإستراتيجيات مبتكرة وخطيرة لفواعل غير دولانية، كما أنها في مجملها ذات طبيعة غير عسكرية لا يمكن التعاطي معها ولا الضغط عليها. فالخوف والتهديد يأتي من ذلك التغير السريع الوتيرة ومن عدو لا يمكن مجابهته. وهو ما يجعلنا نعتقد بأن العولمة بنسختها الغربية أدت إلى إنسداد آفاق الأمن الإنساني في الأقطار العربية المندمجة في منظومة كونية تعمل على تأجيج وزعزعة الاستقرار السياسي والمجتمعي في دول تتسيد فيها الحروب والنزاعات العرقية والمناطقية، وتتزايد المآسي الإنسانية بفعل نفوذ قوى إقليمية وأدوار المؤسسات الدولية في تكريس التوجه نحو حالة اللا أمن واللا دولة. وانعكاسات هذا الواقع على كرامة الإنسان وحقه في الوجود والحرية وجودة الحياة.
[1] محمد قدري سعيد: الأمن، موسوعة الشباب السياسية، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2002، ص 19
[2] عبد النوربن عنتر: تطور مفهوم الأمن في العلاقات الدولية، في السياسة الدولية، المجلد 40، العدد 160، أبريل 2005، ص 56
[3]أحمد يوسف عبد النبي، مفهوم الأمن القومي العربي، أكاديمية ناصر العسكرية للدراسات العليا، العدد الثاني، السنة الأولى، يوليو 2023، ص 168-171
[4] محمد الشريف أفضي وناسي لزهر، واقع الأمن الإنساني في العالم العربي بين المخاطر العولمية والتهديدات الداخلية، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد 13، جانفي 2020، ص 158- 176
[5] http://hdr.undp.org/sites/default/files/human_security_guidance_note_r-nhdrs.pdf وعبد النوربن عنتر: تطور مفهوم الأمن في العلاقات الدولية، مرجع سابق ذكرهص 59
[6] محمد أحمد علي العدوي: الأمن الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان دراسة في المفاهيم .. و العلاقات المتبادلة، في أحمد مجدي حجازي (تحرير)؛ المواطنة و حقوق الإنسان في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، القاهرة، الدار المصرية السعودية، 2010، ص 147
[7] عبد النوربن عنتر: تطور مفهوم الأمن في العلاقات الدولية، مرجع سابق ذكره، ص 59
[8] J.Rayade Fayemi; Negotiating Poverty new directions, renewed debate (Edited by neil middleton and et al, Pluto press, London,2001,P.135
[9] عادل أبو زهرة: نحو مفهوم جديد للأمن الإنساني، في محمد عاطف كشك، فقر البيئة و بيئة الفقر “وقائع الندوة القومية عن الفقر و تدهور البيئة في الريف المصري”،المنيا 20-22 أكتوبر 1997، مصر، القاهرة، دار الأحمدي للنشر، 1998، ص 49 وانظر كذلك Neag,Mihai Marcel & Coman,Daniela; Dimensions of the human security concept, Revista academiei fortelor terestre NR,1 (57), 2010, p.124
[10] عبد النوربن عنتر: تطور مفهوم الأمن في العلاقات الدولية، مرجع سابق ذكره، ص 59
[11]عزيزة بدر: الأمن الإنساني في دول حوض النيل، مجلة السياسة الدولية، السنة السادسة و الأربعون، القاهرة، الأهرام، العدد 181، يوليو 2010، ص 69
[12] عادل أبو زهرة: نحو مفهوم جديد للأمن الإنساني، في محمد عاطف كشك، فقر البيئة و بيئة الفقر “وقائع الندوة القومية عن الفقر و تدهور البيئة في الريف المصري”،المنيا 20-22 أكتوبر 1997، مصر، القاهرة، دار الأحمدي للنشر، 1998، ص 50
[13] نادرة وهدان: الخصائص السكانية وانعكاساتها على القيم الاجتماعية،القاهرة، معهد التخطيط القومي،2008، ص 25
[14] خديجة عرفة؛ مفهوم الأمن..الإنسان أولاً، http://mohdkottb.5u.com/ALAMN.HTM
[15] عادل أبو زهرة: نحو مفهوم جديد للأمن الإنساني، مرجع سابق ذكره، ص51 وانظر كذلك Sabina Alkire; A conceptual framework for human security, Queen Elizabeth House, University of Oxford, 2003, p23
[16] محمد أحمد علي العدوي: الأمن الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان دراسة في المفاهيم .. و العلاقات المتبادلة، مرجع سابق ذكره، ص ص 153-165
[17] محمد الشريف أفضي وناسي لزهر، واقع الأمن الإنساني في العالم العربي بين المخاطر العولمية والتهديدات الداخلية، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد 13، جانفي 2020، ص 158- 176

التحول الرقمي وتعزيز الأمن القومي العربي– آليات المواجهة في عصر التهديدات السيبرانية
د. دال الحتي
- عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي
- رئيس وحدة الدراسات التكنولوجية والانترنت

يشهد العالم تحولاً رقمياً متسارعاً سيكون له تأثيرات عميقة ومتعدّدة على جميع مناحي الحياة، بما فيها الأمن القومي للدول. وفي ظل التحديات السيبرانية المتزايدة، أصبح الأمن الرقمي جزءاً أساسياً من الأمن القومي العربي. تهدف هذه الورقة الفكرية إلى إستكشاف دور التحول الرقمي في تعزيز الأمن القومي العربي، مع التركيز على آليات مواجهة التهديدات السيبرانية مثل الاختراقات الإلكترونية، حروب المعلومات، والجرائم الرقمية.
كما يشهد العقد الحالي تحولاً جذرياً في مفهوم الأمن القومي مع تصاعد الإعتماد على الفضاء الرقمي. تمثل المنطقة العربية ساحة حيوية لهذا التحول، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاستثمارات العربية في التحول الرقمي ستتجاوز العشرة تريليون دولار بحلول العام 2030.
التحول الرقمي: محركاته وتأثيره على الأمن القومي
المحركات الرئيسية للتحول الرقمي العربي
- المبادرة السعودية “الذكاء الاصطناعي للجميع” (2023) التي تستهدف تدريب 20 ألف متخصص
- الاستراتيجية المصرية للتحول الرقمي 2030 التي رفعت مساهمة القطاع الرقمي إلى 8% من الناتج المحلي
- تجربة دبي الذكية في توحيد المنظومة الرقمية عبر منصة “دبي الآن”
التأثير المزدوج على الأمن القومي
الإيجابيات:
- نظام الإنذار المبكر في المغرب الذي قلّص زمن الإستجابة للكوارث بنسبة 40%
- منصة “تأمين” الأردنية للتعامل مع الجرائم الإلكترونية
التحديات:
- حادثة اختراق أنظمة الطاقة في عُمَان (2022) التي كشفت عن نقاط ضعف البنية التحتية
- هجوم “الفدية” على مستشفى الجامعة الأردنية (2021) الذي عطل الخدمات الطبية لأسبوع
التهديدات السيبرانية: تحليل معمق مع أمثلة عربية
الهجمات على البنى التحتية الحيوية
- هجوم “شيطان الصحراء” على محطات التحلية السعودية (2020)
- تعطيل أنظمة الموانئ الجزائرية (2021) باستخدام برمجيات “نورمال” الخبيثة
حروب المعلومات
- حملة “الذباب الإلكتروني” ضد الانتخابات التونسية (2022)
- إستهداف المنصة التعليمية العراقية “نيرونت” خلال أزمة كورونا
الجرائم الإلكترونية المتطورة
- شبكة “القراصنة العرب” التي سرقت 100 مليون دولار من البنوك المصرية (2019-2022)
- عمليات الاحتيال عبر “التحويلات البنكية الوهمية” في الخليج
آليات المواجهة: نماذج عربية ناجحة
التكامل الإقليمي
- المركز العربي للأمن السيبراني (أسّس في الرياض 2021) الذي أحبط 1.2 مليون هجوم خلال عامه الأول
- منصة “سايبر نيت” المشتركة بين الإمارات والمملكة العربية السعودية
البناء المؤسسي
- الإستراتيجية القطرية للأمن السيبراني (2023) التي تضمنت 35 مبادرة
- تجربة “سايبر إيجيبت” في مصرالتي تساهم في في تدريب 5000 خبير سنوياً
الابتكار التكنولوجي
- نظام “الدرع الذكي” في الإمارات لاكتشاف الثغرات
- مختبر “سيرن” التونسي لتحليل البرمجيات الخبيثة
النموذج الإماراتي
- تشريع “جرائم تقنية المعلومات” (2022) الذي فرض غرامات تصل إلى 2 مليون درهم
- مدينة “مصدر” الذكية كنموذج للبنية التحتية الآمنة
التجربة المغربية
- المركز الوطني للإنذار السيبراني (CIC) الذي يتعامل مع 500 حادثة يومياً
- مشروع “المدينة الذكية” في الدار البيضاء
التحديات المستقبلية
- تطور هجمات الذكاء الاصطناعي:
- استخدام “التزييف العميق” Deep Faking في التلاعب بالرأي العام (حالة الفيديوهات المزيفة في الانتخابات الليبية)
- أمن المدن الذكية:
- اختراق أنظمة النقل الذكي في “نيوم” (محاكاة إفتراضية 2023)
- نقص الكوادر:
- دراسة اتحاد الاتصالات العربي تشير إلى حاجة المنطقة لـ 500 ألف خبير سيبراني
الخاتمة والتوصيات
النتائج الرئيسية:
- نجاح النماذج العربية في الحد من 60% من الهجمات عبر التكامل الإقليمي
- وجود فجوة تشريعية في 70% من الدول العربية حسب مؤشر الأمن السيبراني العالمي
التوصيات الاستراتيجية:
- إنشاء صندوق عربي لتمويل الأبحاث السيبرانية
- توحيد التشريعات عبر “الاتفاقية العربية للأمن السيبراني”
- إطلاق برنامج “العرب السيبرانيون” لتدريب الشباب
الخاتمة
يشكّل الأمن السيبراني ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي العربي في ظل التحول الرقمي المتسارع، حيث تزداد التهديدات الإلكترونية تعقيداً، مثل الاختراقات والهجمات الإرهابية الرقمية وجرائم البيانات. ولضمان أمن سيبراني فعّال، يتطلب الأمر تبني استراتيجيات شاملة تشمل تعزيز
البنية التحتية الرقمية، وتطوير التشريعات الأمنية، وبناء كفاءات وطنية متخصصة. كما أن التعاون الإقليمي بين الدول العربية يلعب دوراً محورياً في تبادل المعلومات والمواجهة الجماعية للمخاطر السيبرانية العابرة للحدود.
إلى جانب ذلك، يُعد رفع الوعي المجتمعي بأساسيات الحماية الرقمية عاملاً حاسماً لتقليل نقاط الضعف، خاصة مع إنتشار التطبيقات الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما أن الاستثمار في البحث العلمي وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي يسهم في تعزيز المناعة السيبرانية. بذلك، يمكن للدول العربية تحقيق أمن سيبراني قومي مستدام يدعم استقرارها السياسي والاقتصادي ويحمي سيادتها الرقمية في مواجهة التحديات العالمية المتطورة.

دور جامعة الدول العربية في تعزيز الأمن القومي العربي
د. ناصر زيدان
- أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي العام
- رئيس وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية

تؤكد التجارب كما الرؤى التي تتناول موضوع الأمن القومي– أو الوطني – للشعوب والأمم، وجوب وجود إطار يمكن من خلاله ابتداع الوسائل، وتوفير الإمكانيات، ووضع الآليات العملية لتحقيق هدف حماية المكونات من الأخطار الخارجية، أو من المخاطر الداخلية المُتأتية من تدخلات خارجية. وفي سياق احتفاليتنا المخصصة لمناقشة كل ما يتعلق بالأمن القومي العربي، والتبصُّر وصولاً الى تقديم مُحددات حديثة؛ يمكن التأكيد على صعوبة الوصول الى صيغة تنظيمية معاصرة في الوقت الراهن لمواكبة التحديات، ولكن الفرصة مؤاتية لتطوير دور الجامعة العربية وآليات عملها لتحقيق هذه الغاية، طالما أنها إطار قومي موجود، ويضمّ بعضويته كافة الدول العربية المستقلة.
يمكن اعتبار قرارات قمة شرم الشيخ في العام 2015 والتي تضمّنت إنشاء قوات عربية مشتركة، أو جيش عربي موحد، لمواجهة أي تحديات وجودية؛ أساساً للبناء عليها، وتوليف منظومة عسكرية متناسقة، ومتماسكة، وعصرية، يمكنها التعاطي بمرونة وبواقعية وبشفافية مع الأحداث ذات الصلة، وفقاً لآلية قانونية تتجاوز كل المعوقات الناتجة عن التباين بالرأي، او الاختلافات التفصيلية، وهذه القوة لا تخضع لأي اعتبارات فيها حسابات وطنية او جهوية، ولا يحركها سوا الخطر الداهم الذي يواجه الأمة، بما في ذلك التعدي على التراب الوطني لأي دولة عضو في الجامعة. وللجيش العربي الموحد قوة سيادية في أماكن انتشاره، لا تخضع لأهواء وخيارات الدولة المتواجد على أرضها، طالما هي عضو في الجامعة، ولا يتدخل هذا الجيش بالشؤون الداخلية لهذه الدولة على الاطلاق.
هناك تجارب يمكن الاستفادة منها في هذا السياق، لا سيما لناحية اتخاذ قرار التدخُل، ومنسوب المساهمة المالية في موازنة الجيش، وفي عدد افراده وكوادره، وفي آلية قيادته. ومن هذا التجارب: طريقة عمل الناتو على سبيل المثال. ويمكن لهذه القوة المشتركة أن تبني شبكة علاقات وتنسيق مع منظومات خارجية، لا تتعارض أهدافها مع مآلات الأمن القومي العربي. وفي نفس
الوقت لا ترتبط بأي خيارات خارجية ثابتة قد تتعارض أحياناً مع أهداف انشاء القوة، خصوصاً في مجال مصادر التسليح ومنظومات القيادة.
تنتهي ولاية الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في 30 سبتمبر/ أيلول القادم، والجامعة في وضعية لا تُحسد عليها، بينما الأوضاع العربية تحتاج لتعاون وتنسيق أكثر من أي وقتٍ مضى، نظراً للمخاطر الكبيرة التي تواجه الدول العربية، خصوصاً بعد الحرب التي حصلت بين ايران وإسرائيل بين 13 و24 حزيران/يونيو، ولأن العصر فرض استخدام نمطيات للعمل المشترك، تختلف تماماً عن النمطية التي اعتمدتها الجامعة منذ تأسيسيها في 22 مارس/ آذار 1945.
تأسست جامعة الدول العربية قبل ولادة منظمة الأمم المتحدة بعدة أشهر منذ أكثر من ثمانين عاماً، في ظل أجواء حماسية عربية، طالبت بإنشاء “اتحاد عربي” في البداية، لكن التدخلات الخارجية– لاسيما البريطانية– كَبَحَت إندفاع التيارات القومية، وشجَّعت الدول المؤسسة خلال اجتماعهم الأول في مدينة الإسكندرية المصرية على تأجيل اعلان الاتحاد، والقبول بتأسيس جامعة تنسيقية، تعمل على تقريب وجهات النظر بين الدول العربية الأعضاء، بإنتظار ظروف مناسبة أكثر لتنفيذ مشروع شراكة اتحادية فاعلة.
ميثاق جامعة الدول العربية وبروتوكول الإسكندرية، ووثائق المعاهدات المشتركة– لا سيما الدفاعية والثقافية والاقتصادية– بقيت ضمن الخطوط العامة التي تُنشِد التضامن والتعاون، من دون تفعيل جدي وكامل ومُلزِم، وكذلك كان الأمر في المجالس والصناديق والمنظمات المتخصصة في المجالات النقابية والمالية والأمنية والقضائية، وفي مجال حقوق الانسان والشؤون الإنسانية. وقد اقتصر نشاط هذه الوحدات المشتركة على التنسيق وتبادل الرؤى، او تنظيم الخلافات على أقل تقدير.
هل يمكن تطوير الجامعة لتخرج من الدور التنسيقي إلى الدور الموحّد، أو الاتحادي، وتكون دعامة أساسية للأمن القومي العربي المُهدَّد من كلِ حدبٍ وصوب؟
تناقلت وسائل اعلام مُتعددة رغبة بعض الدول العربية الفاعلة في اجراء مداورة في تولِّي منصب الأمين العام للجامعة، بينما جرى العرف أن يكون المنصب من حصة مصر دولة المقرّ، وهذا الأمر انطبق على تونس عندما استضافت مكاتب الجامعة بين العام 1979 والعام 1990، بعد تعليق عضوية مصر بسبب توقيعها اتفاقية سلام مع إسرائيل، من دون التنسيق مع دول الجامعة. والرغبة لا تخفِ نوايا ضد الدور المصري، بقدر ما تحمل طموحات يمكنها تفعيل العمل العربي المشترك، وربما الوصول به الى مستويات تتلاءم مع تحديات العصر. والأمر في هذا السياق لا يتعلَّق بتبديل مراكز الإستقطاب العربي على الاطلاق، والدور المصري كان وما زال متقدماً، لكن بعض التغيير قد
يُحدث حركية تخرج العمل من البيروقراطية الثقيلة، وتنفض الغبار الإدارية عن كاهل الأمين العام كموقع سياسي من الطراز الرفيع– قيل أن مصر رشحت له هذه المرة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي- وتعطي صلاحيات تشغيلية واسعة لنائب الأمين العام.
لكن المطروح اليوم ليس تفعيل العمل التنسيقي والإداري فقط، بل استغلال المناسبة والتحولات السياسية الهائلة، لإجراء تعديلات جوهرية على ميثاق الجامعة، وتحويلها إلى إطار اتحادي يفرض مقاربات تشريعية وإدارية وأمنية ودفاعية وعدلية موحدة، ويرفع منسوب العمل العربي المشترك إلى مستوياتٍ جديدة، قد لا تصل إلى الوضعية الاندماجية التي تعمل بموجبها الدول الأوروبية، لكنها تُخرِج التعاون البيني العربي من مستنقع المجاملات والحَذر، إلى مساحات تعاون فعلي، تستفيد منه الدول العربية برمتها، من دون أن يشكِّل خطراً على الخصوصيات الوطنية التي تتميِّز بها كل دولة من دول الجامعة.
ولعلَّ المُستوجبات التي تفرض الارتقاء بالعمل العربي المشترك إلى مستويات جديدة؛ هو التحدي الأمني، مع وجود انكشاف عسكري كبير، تستغله إسرائيل لتنفيذ مخططاتها المسمومة في فلسطين، وعلى مساحة الدول المجاورة لها، من دون أي رادع. وقادة التطرُّف اليميني في إسرائيل؛ تجاوزوا كل الحدود في عدوانهم، ولم يتورعوا في استخدام التجويع والتنكيل والطرد والقتل العمد، في استباحة غير مسبوقة لكل القيم والأعراف، وفي تحدٍ سافر للقوانيين الدولية ذات الصلة، لا سيما منها مندرجات اتفاقيات جنيف للعام 1949 التي تتحدث عن حماية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، أو الذين يعيشون وسط ساحات الحروب.
والأمن القومي العربي مُهددٌ من كلِ حدبٍ وصوب، وسط هذا الهياج المُخيف في العلاقات الدولية، بينما الإمكانيات المالية والتسليحية العربية متوافرة، ولديها خيارات واسعة لتحقيق شيء من التوازن مع العدوان الإسرائيلي، أو مع كل مَن يُضمِر شراً للدول العربية. ولا بد من تطوير معاهدة الدفاع العربي المشترك للعام 1950، بحيث يتم تشكيل جيش دفاعي عربي له صلاحيات تنفيذية، تختلف عن صلاحيات الجيوش الوطنية، ويمكنه التدخل بقرار من مجلس الجامعة، في الحالات التي تتعرَّض لها الممرات الاستراتيجية العربية للخطر، وفي حالة العدوان السافر الذي قد تواجهه أي دولة عضوة في الجامعة.
ولا بد من اخراج التباينات العربية– العربية، أو الصرعات المحورية والحروب الداخلية من المربع الذي تتعطل معه الإرادة العربية المشتركة، فالخلافات البينية مسألة واقعية، وهي موجودة عند كل التكتلات القارية او الجهوية في العالم، وما بين الدول الأوروبية من تباينات، يفوق بمرات عديدة ما هو موجود على الساحة العربية، لكن المصلحة القومية العليا، لها الأولوية على الاعتبارات الوطنية
التفصيلية. وتحصين الأمن القومي العربي بمقومات دفاعية مختلفة؛ قدرٌ لا بد من مواجهته، ولا يمكن لأي استراتيجية دفاعية وطنية أن تواجه بمفردها التحديات الأمنية العصرية، في ظل الحروب الباردة او الساخنة التي تجري داخل الساحات العربية، او في محيطها.
أمام الواقع العربي فرصةٌ متميِّزة لتحقيق شيء من التضامن الفعلي، والتغييرات الهائلة التي حصلت في الأشهر الأخيرة ساعدت في إزالة بعض العوائق من أمام مسيرة العمل المشترك. والمخاطر تفرض مواجهة موحدة بالحد الأدنى. اما التلهي بالخلافات والتباينات التفصيلية التي لن تنتهي؛ لا تعفِ أحد من المسؤولية، وأي عوامل قوة للوضع العربي العام، يعطي قوة لكل الدول الأعضاء في الجامعة. وقد أثبتت الوقائع أن القدرات الناعمة العربية التي تعتمد على الموارد البشرية وعلى الثروات المالية، وعلى النفط والغاز والمعادن، إضافة لأهمية تأثير الموقع الجغرافي؛ قادرةٌ على احداث الفرق، والحفاظ على المقدرات العربية، وفرض الحلول العادلة لأزمات المنطقة، لا سيما تسوية القضية الفلسطينية، ووقف جنوح العدوان الإسرائيلي المتفلِّت.

الأمن القومي العربي وتحفيز الدرس الفلسفي للحدث – مفهوم الأمن الفلسفي
د. خالد كموني
- عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي
- رئيس وحدة الدراسات الفلسفية والتأويلية

لما كان الإنسانُ كينونةً لا تقبلُ التهميش القصدي في الوجود العارم، بل يسعى كل الوقتِ إلى تكثير حضوره وتوثيق أفعاله الظاهرة في الكون بشدَّة وحدَّة لا تغيبان عن العين، فإن حربَه الأولى، إنسانيًّا، تكون ضد الذوات الإقصائية في العالم. والإقصاء هو الإبعاد القصدي عن التأثير الفعال في عمليَّة فهم الكون، إذ يصبح المقصيُّ في حالٍ من الاختناق والحصار بأن يحيا الحياة القاصية، ذاك الانفراد عن الجماعات الحضورية الكبرى لدرجة الهشاشة المطلقة أمام عاديات الزمن، بحيث إن أول عوامل الإفناء والتردي تصيبُ هذه الكينونة القاصية.
ورد في الحديث الشريف: “إنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية”.
لكن ما نتحدث عنه ليس قرارًا ذاتيًّا باستثناءِ الأنا من دائرة الحق في الوجود العادي، بأن يقصي الإنسان نفسه عن محيطه، بل إن محيطًا عدائيًّا أراد لمجموعة من الناس أن يحيطوها القَصَا، أي أن يتباعدوا عن إمكانات الحوار معها وبناء قيم التفاهم والتكامل، فمارسوا الإهمال والتدمير والتحطيم والإذلال والكذب لإبقائها قاصيةً مستلَبة. إنها عنجهية الإلغاء الناجمة عن ذوي القدرة على الدَّجَل والتمويه، بسببٍ من امتلاك المال والعلم والقدرة التدميرية الهائلة. وبهذا يكون إخضاع الأمم لقرارات منفردة أمرًا محسومًا لا يمكن الفرار منه إذا ما ظلَّ الواقعُ قائمًا على تدجيل الحق وتشريع الكذِب، بخطابٍ إقصائيٍّ يؤسِّسُ الكينونة القاصية في كلِّ حين، فيستثني بعضَ البشر من الانخراط الحرِّ في ورشةِ فهمٍ وفعلٍ واستيعابٍ تدمج الكلَّ في صيرورة العلم الراهن الذي يضارعُ الخيرية المطلقةَ مقابل إفشاء الشر المطلق بحجب العلم عن بعض صانعيه، حتى يخضَعَ الكونُ لمن يحتلُّ المحيط الإطلاقي للمسافة القصوى.
هنا يتولَّد عند المقصيِّ انهمامٌ كلِّيٌّ بالعودةِ إلى الإنسانية، وهو ما قد يتخذُ وضعيةً دفاعيةً مضطربة، وقد تؤسس لردات فعلٍ متطرِّفةٍ نتيجة الإحساس بالدونيَّة لمُدَدٍ ليست بالبسيطة أثناء التفكير. وفي معظم الوقت تبقى الهُوية على رأس الهواجس التي ينشغل بها البالُ ويتمحور حولها الفكرُ كما النضالُ الاجتماعي والسياسي، ذلك أن المرء لا يشتركُ في الوجود إلا حين يعرِّفُ ذاته كل مرة لآخَر، فيعدُّ نفسَه حاجةً لا بد منها في الكون ليتقوَّم بحضوره فيه كل الوجود البشري. لا أحدَ يرى وجوده عاديًّا في الحياة إذا ما وعى أنه يفكر فيها كل الوقت.
ينشغلُ المهجوسُ بالهوية في أن يتعلَّمَ ليدرك إمكاناته في أن يكون مثلَ أقرانه، فالعلمُ مجالُ الانتقال السلس من العدميَّة إلى الحيثيَّة، أو من الكينونة القاصية إلى الكينونة الدانية. وفي زماننا يقترن العلم بالمال، لذا قد يبدأ التفكير الأمني للفرد بأن يأمنَ نفسَه من العجز في الحياة، فالمال يضمن بقاءه على قيد الحياة. ومن وظيفة العلم في المجتمع نفهم مدى قدرة هذا المجتمع على النهوض والتطوير. ومن لا يؤسس للعلاقة الأخلاقية بين قِيَمه وعلمه لن يتمكنَ من استثمار العلم كما يلزم لتأمين الحياة، وتغدو عندئذٍ علاقة العلم بالمال مسألةً اقتصادية ترفيهيَّة أو تجارية ربحية لا تحكمها ذهنية الابتكار أو التجديد، فلا نشهدُ إبداعًا كبيرًا على مستوى تطوير العلوم في سياق كهذا، بل كل ما في الأمر هو السيرُ تقنيًّا بحسب العلوم الموجودة، أو العلوم التي يطلُبها الآخر المهيمن على بلاد الناس بالمال والأعمال، وذلك اشتراكًا من الأفراد والجماعات في تسيير أموره، بعمليةٍ آليَّةٍ تدركُ نوايا هذا الآخر المهيمن في بسط سيطرته على العالم، لكنها تغفِلُ الإدراكَ بمجرد التمكن من الشراء والاستهلاك وعيش اللحظة. فعلى صعيد اليومي يسكتُ المرء عن التفكير إذا ركب سيارةً حديثة وسمع أغنيةً واشترى أجهزة هواتف وأدوات تجميل وأكل بحسب “الترندات” الدارجة،…إلخ، إنه السكوت وليس الصمت أو الإنصاتُ الذي يفرضه التفكُّر بالممكن القادم، بل عبثُ الحضور استهلاكًا خوفًا من الضمور والتخلف في مواكبة آخر الدُّرجات والاختراعات والبضائع.
نجد كذلك أنه على صعيد التعليم والدراسة راجت تخصصات الإدارة المالية أو التسويقية أو غيرها من التخصصات الكبرى كالهندسة والطب ليس بسبب الانهمام في النفاذ إلى التفكُّرِ في العلوم وتطوير النظريات، بل للالتحاق بأكثرها درًّا للأموال والرخاء والرفاه. إن الطالب عندنا لا يرغبُ أو يطمح بمستوى العلاقة المصيرية للذات بالوجود، بل بمستوى تأمين مستلزمات العيش، لذا لم يعد للفكر مكانٌ في حراكه اليومي.
والسياسة في هذا السياق هي المسؤولة عن حُسْنُ التدبير لولوج المفاهيم التي لم يجرِ تعقُّلها بعد، حتى تدخُلَ في لغة الفاعلين وخطابهم اليومي، وبالتالي انهمامهم الفكري الواجب ابتداؤه كلَّ مرة. فعندما يتعدَّل خطاب الحضور الحدثي الفاعل في العالم الراهن، تتعدَّل وجهات النظر إليه نتيجة الاشتغال بعلمِ العالم وكشف ممكناته. وعندما تتخلخل موانع الانخراط في عمليَّة فَرْطِ الإقصاء الواجبةِ على كل من أحاطَه العداء والقَصا وأهلَكه الاحتلال ودمَّرته قوى الاستعلاء والعنجهية، تبدأ النفوسُ الواقعة ضحيةَ الإقصاء وتدجيل الحقِّ بمغادرة الذاتية القاصية إلى الذاتية الدانية.
إن الدُّنوَّ من الآخر يكون بالانشغال في فَهم علمه وحضوره وقدرته، وقد لا يتأتَّى الدُّنو إلا باتِّباع الآخر وتقليده بحكم الغَلَبة إلى حين. لكنَّ الغلبة أو الهزيمة، هي حال يمكن مغادرتُها بوعيِ محدوديتها الأنطولوجية، بدل تعميم حضاريَّتها العارمة وإعمالها في قواميَّة الوجود التاريخي للذات، كأن الانكسار الدائم سمة أنثروبولوجية يتَّسم بها قومٌ في تلك البقعة أو غيرها من العالم. علينا إفشالُ الهزيمةِ من خلال الاعتراف المقتدِرِ بها إقرارًا بمفاعيلها السلبية، حتى نتمكن من مجاوزتها بقوة ومتانةٍ توطِّنُ الحرية في الذهنية أثناء الفعل، إذ لا انتصارَ لعَبدٍ على سيِّد إلا إذا وعى الأول كيف يسقِطُ فكرةَ العبودية في ذهنِ من استعبدَه، وهذا ما لا يتمُّ إلا بإخضاع هذا المعتدي على إنسانية الإنسان إلى اختباريَّة الفهم والتفسير الدائم لتجربته الناجحة في الهيمنة. وإن اختبارَ تصيير الهيمنة على الذات يؤدي إلى تفكيك هذه الهيمنة، فالمنشغل بحل الإشكاليات الراهنة لا يفعل أكثر من فتح مغالق تجاوزَها إلى ما هو أفضل من جهة العيش الكريم، لذا إن المبادِرَ إلى فهم وجوده هو القادر على حفظ أمنه وتحقيق الانسجام والتسامح وقيم العيش المشترك.
إن التفكير الحرَّ هو الذي يُبدِعُ التخطيط الناجع في حفظ الحياة، أي في بناء المنظومة الأمنية الشاملة، تلك التي ستنسحب تلقائيًّا على ما يواكب العسكر والسلطة في تحقيق الأمان. لذا إن ما أسمِّيه الأمن الفلسفي اليوم يبدأ من أرضية الانشغال الضروري بالأمن الفكري والأمن السيبراني لإحداث الأمن الثقافي الشامل، أي إمكان التكيُّف والانسجام بقيم الراهن، ما يضمن الاشتراك في صناعة هذه القيم.
ولما كان الحديث عن “الأمن القومي العربي”، أمرًا لا يمكن تجاوزه في التفكير اليومي، فإن من الجدارة أن نعنى بالأمن الفلسفي. ولما كانت الثقافة والفكر هما الحقلان اللذان يتشكل فيهما الوعي الجمعي، فإن صناعةَ الأسئلة الكبرى وظيفةٌ لا بدَّ للفلسفةِ من بَثِّها لترهنَ الواقِعَ بالفهم، أو لترتقي بالعيش من الحال الغفل إلى الحال الشغل. فإذا ما استوطنتِ الفلسفةُ الحدثَ رفعت مستوى الخطاب إلى مفهَمةِ الفعل، فيغدو العبثيُّ انبعاثيًّا في مجال الوعي والتأثير، وبدل أن يبقى المرء في حال استلابٍ يتلقى سلطة المفاهيم المهيمنة على الواقع، يصبح هو مَن يصنع هذا الواقع بوعيه لإمكان المفهمة الحدثيَّة، عندئذٍ تتحدد إمكانات الانفتاح أو الانغلاق على الآخر، والمقاومة أو الاستسلام في بناء الوطن، والإبداع أو التبعية في الاشتغال العلمي بالعالم، كذلك تبرزُ في هذا الإدراك المضارِع للزمان معالمُ الطريق للعلاقة الواضحة بين الذوات عينِها، ليتحدد بموجب المضارعةِ الحيَّة معيارٌ أخلاقيٌّ قويمٌ للصداقة والعداوة. لا يمكن للإنسانية أن تنعم بالخير إذا لم يعتنِ الإنسانُ بأمنه الذاتي. فمن يفكر بالسلام هو الذي يمنع ذاته من افتعال الحروب
ويعطِّل بذكائه المضارع لأفعاله حدوث الحروب المتكرر، أي هو القادر على نفي الشر. وهنا لا بد من التأكيد أن التواكُل أو رفث المسؤولية عن النفس في حيثيتها، بأن يَأمَنَ الشخص أو الجماعة إلى أنَّ ما يجري لنا “مكتوبٌ علينا” و”مقدَّرٌ لنا” و”أن النصر آتٍ والعدو سيهزم” كما ورد في النصوص الدينية والأحاديث والروايات وغير ذلك، لهوَ الذهنية التخريبية التي لا بد من الاشتغال الفلسفي لاستبدالها بالذهنية اللايقينية، هذه التي لا تفترضُ جهوزية المفاهيم قبل الحدث. من ليس لديه جديدٌ في العيش كيف يلاقي الكونَ بالفكر! هل يعيشُ الإنسانُ ما يعرفه مسبقًا أو أن هناك ما يحتاج لكشفٍ وبيان؟ إن الذهن التجديدي هو الذهن الآمن، إذ يربط المغامرةَ بالقدرة على الانوجاد الحر في الحدث، إحرازًا للخطو الممكن نحو استقبال الزمان بفهمٍ يواكب حراكه، أي بإدراكٍ يؤكدُ جدوى الإنسانِ في كل حين.
أولًا: مفهوم الأمن الفلسفي وبناء شروط التفكير الحر
- ما الأمن الفلسفي؟
يرتبط مفهوم “الأمن” غالبًا بالنظم السياسية والسلطات الحاكمة وقدرتها على فرض الهيبة والسيادة، بالقوة والتخطيط وحسن التدبير، على المجتمع. لذا إن الأمن القومي، بما هو مفهوم تقليدي في بنية الدول، يركّز على الحدود والجيوش والتحالفات الاستراتيجية. ونرى القادة السياسيين في بلادنا غالبًا ما يقصرون ممكنات الأمن على هذا البناء الصلب لجهاز السلطة، بما يظهِرُ التفوق المادي الملموس في إظهار القدرات والممتلكات والصروح الضخمة، وغير ذلك من مظاهر الربط بين السلطة والأفراد.
إن ما يغيب في بلادنا عن ذهنية الحُكم هو أن المكوِّنَ الأساسي للبناء الأمني الاجتماعي، أو لمفهوم الأمن مطلقًا، يتأسَّسُ على قاعدةٍ متينةٍ من الفاعلين الواعين لوظيفة العلم في المجتمع. فتشكيلُ الهُويَّة الثقافية هو الذي يحددُ استشكالَ ثنائية الانفتاح والانغلاق في العلاقة بين الحاضر والتراث، وبين الذات والآخر، وبين العلم الذي هو الاختبار الحي والمعرفة التي هي ميراثُ العلم.
إن الأمن الفكري هو المفهوم الذي يبني الحيثيَّة المكينة لمواجهة الغزو الرمزي بالنقد والندِّية. ولما بتنا نشهدُ عصرًا لا حاجةَ فيه إلى التسريب الهادئ للرموز الثقافية أو السياسية أو اللغوية أو الدينية، بل صرنا في مرحلة ما بعد العولمة الإمبريالية التي فرضت نفسها بهدوء دون عنفٍ في كثير من المواضع، وصرنا كذلك في مرحلة إعلان الهيمنة لطرفٍ واحدٍ في العالم، قادرٍ على أن يفرض التغيير بالقوة. إنه يغيِّرُ الوعي والهُوية والثقافة والمجتمع والدول بقرارٍ سياسيٍّ برلماني شديد الفاعلية وسريع الحدوث. إنه الأمن الاستراتيجي للدولة المهيمنة صاحبة القرار.
يقف ترمب أمام العالم كله، ويقول فيما يتعلَّقُ بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والصراع من غزة إلى طهران: “سأفرض السلام بالقوَّة”…
وبدأ يفعل ما يقول…
تُرى هل تشكَّل هذا الرَّدْعُ المكينُ لأميركا، مثلًا، بلا فلسفةٍ تكمن في خلفية كل هذا الظهور الوثيق؟! هل يمكن لمن ليس لديه مفهومٌ للأمن الفلسفي أن يتمكن في السياسة من بسط نفوذٍ يؤثر في النظرة إلى العالم؟! إن ما يجري الآن له قبلٌ وبعد، لذا لا يمكن أن نعبُرَ بلا توريش الفهم ثم ندَّعي الاشتراكَ مع الفاهمين للحظة الراهنة.
لا يمكن إلا تنشيط الاشتغال بالمفاهيم المهملة والدخول في ورشةٍ جماعية للتخلُّص من محاولات تزييف الوعي المستمرة، بحيث نرى تشويه الإدراك نفسُه عند الشعوب المهيمن عليها بحيث يتم العمل كل الوقت لجعل الأفراد منهمِّن كل الوقت في تبني مصطلحات ثقافة القوى المهيمنة. ومن هذا التزييف، الذي تناولته الفلسفة الماركسية في طروحاتها، نفهم ثقافة القبول والرضى التي تتكوَّن عند الطبقات المهيمن عليها، بحيث تصبح في حالةٍ من اعتبار ما يجري عليها من حرمانها حقَّ السؤال والاستفسار الدائم أمرًا عاديًّ. وهنا نجد العنف الرمزي للسلطة يتكرَّسُ من خلال السيطرة على وسائل الإعلام التي تخدم توجهات السلطة وكذلك أدلجة الدين والتعليم والخطاب السياسي الشعبوي.
فالدين الحزبي مثلًا هو أيديولوجيا سياسية تخدم المصالح الخاصة لمن ينتمي إلى هذه الأيديولوجيا. ونقول عن الدين هنا أنه أداة لتسميم الوعي وتزييفه، لأننا نجد رجال الدين السياسي إذا كانوا أتباعًا للسلطة الحاكمة مثلًا، يروِّجون لهذه السلطة بأن يقولوا كل ما يجري هو بتقدير من الله. فكيف إذا كانت حركات الدين السياسي مسلَّحةً أو مدعومةً من دول خارجية قد لا تكون مصالحها متوافقةً مع مصالح الدولة التي تنشأ فيها؟ هنا الكارثة، ذلك أن مثل هذه الحركات ستمارس التخريب الفعلي للمجتمع، وتنسب أفعالها إلى العمل في سبيل الله. إن هذا الادعاء مثلًا هو تزييف للوعي الجمعي بمفهوم المواطنة والوطنية والانتماء الحقيقي للوطن والأمة. وإن خطاب مثل هذه الجماعات أو غيرها إذا كانت في سدَّة الحكم يكون شديد التأثير من جهةِ فرض الطاعة بدل التفكير النقدي، فيدرج في التعليم أسلوب التلقين بدل التدريب على فن السؤال.
كل ما تقوم به السلطة السياسية يقدَّم للناس كأنه فعلٌ حتمي ضروري ملهم، كان يجب القيام به، دون نقاشٍ أو جدل، لذلك يجري تتفيه الطموحات العامة للناس، والعمل على إعطاء الفرص للثقافة السطحية بأن تفشوَ على حساب الرصانة الفكرية والاشتغال الجدي في بناء الثقافة الواعية. إن هذا الاستلاب المعيش يجعل الفرد دون مستوى الحضور الكوني المؤثِّر، أي يحوِّل
ذاتَه إلى كيانٍ عبوري لا تتوطَّنُ فيه المفاهيم، ولا ترتحل إليه الهواجسُ الكبرى، بل هو مكتفٍ بما هو فيه، يعيش في أي ظرفٍ دون اعتراض، بل تراه مندمجًا في كلِّ ما يرِد إليه ويفِدُ عليه من الخارج دون أي شعور بالحرج يثير في حفيظته ضرورة التحرش المعرفي لتوريش الذهن وتنشيط السؤال.
هنا يحدثُ الاستلاب الحضاري، هذا الانفصال المقيت عن الأرضيَّة الفكرية الحيَّة التي يجري فيها التناغم الطبيعي في السيرورة الزمنية للفهم. إن ما يحدثه الاستلاب هو الاغتراب الثقافي والمعرفي عن الجذور، بحيث يتولَّد عندنا الإنسانُ الأبتَر، هذا الكائنُ المنقطع عن الاتصال الطبيعي بتراثِه والخاضع للاستئصال المستمر لعناصر تواصليته مع هذا التراث الذي يشكِّلُ مصدرًا لتكوين هُويَّته الحضورية. وهنا نرى أن تزييف الوعي يبدأ من بتْر العلاقة باللغة، فتغدو العلاقة سطحية بالمعنى فيها من الرثاثة ما لا يسمح بالتأقلم المعرفي والفكري مع الدلالات الممكنة للغة. ويبدأ اللسانُ بالاغتراب عن الناطقين به لدرجة يصبحُ فيها المجتمع عينه هو هذه الكينونة البتراء التي لا عقِبَ لها، أي لا يمكنها استكمال ذاتِها، بسبب هذا التقطيه الراهن الذي يحدثُ ظاهرة البترِ المزمنة مع الفهم العميق للوجود، فيفقد الكائن حريته، ويصبح خاضعًا لظروف العيش، بدل أن ينوَجِدَ بسؤاله، فيحضرُ يومَه ناقدًا آملًا متمكِّنًا من علاقاته الحية بالحدث لتبديد عناصر الخوف من البحث الدائم عن حقيقة الهناء بالكون، أي إمكان الاقتبال الدائم لأجوبة جديدة عن تفسير هذه الإقامة الدائمة للإنسان في العالم.
إن تبديد الخوف والاضطراب الوجودي لا ينجزه الكائن العبوري بل إنها وظيفةُ مَن يعرب مكانه بسؤالٍ يصله بأرضيَّة يوثِّقُ فيها زمانه بأن يسأل عن وجوده فيه. إن وعي الحضور في الزمان هو ميقاتُ الشجاعة الإنسانية، حيث يأمن الإنسانُ أن ذاته موطِنُ وعيه، بها يعترفُ ويختلفُ ويستفهم. إنَّ استعادة العلاقة المعرفية مع الكون لا تتمُّ إلا إذا تحقَّقَ الأمن الفلسفي في الوجود الراهن. هذا الأمن الذي يوجبُ الانفتاح على حركة الفكر في الواقع، وعلى إمكان التغيير والتعديل الذي قد يحدثه الفكر، وكذلك على أصالة الوجود الكياني للفرد في الحياة بما هو شخصٌ يبدُر منه موقفٌ ورأيٌ وسلوك.
الأمنُ الفلسفي هو أرقى مستوى في التفكير العملي لتبديد الخوف في ذهنية الإنسان اليوم. ذلك أن فسحَ المجال للعقل بأن يظهِرَ فهمًا للحرية في كلِّ محَلٍّ يؤدي إلى تكثيف العلاقة الخيرية بين البشر، فالشر ليس سوى وليد الخوف من الآخر، وهذا ما لا ينفكُّ تأثيره السيئ إلا بتحقيق الانفتاح القيمي. هذا الانفتاح لا تبتكرُ سُبُلَه إلا الفلسفةُ في أوطانِها التي لا تحدُّها خرائط الجغرافيا، لسِعة حضورها العارم.
- هل تحتاج الفلسفة إلى حماية؟
الأمن الفلسفي ضرورة لحماية الفكر من الإقصاء والتهميش، ولحماية الفيلسوف من البقاء في موضِع الاتهام. ونحن عندما نطرح فكرة “الأمن الفلسفي” فإننا نؤكد ضرورة حماية التفكير العقلاني الحر، باعتباره خط الدفاع الأول ضد التطرف والانغلاق. فالفكر الفلسفي في بيئتنا العربية لا عناية به من حيث التأثير في هوية المؤسسات الاجتماعية والمهنية والتعليمية وغيرها، إذ يُترك الفيلسوف أو يُهمَل دون اعتبارٍ لدوره في الانهمام الكلي بالمجتمع والإنسان حيث هو. لم يعِ المجتمع حاجتَه إلى الفلسفة بعد، كما أن الحاكم العربي المعاصر لم يولِ عنايةً بالفلسفة تضاهي عنايةَ المؤمون بها، أي إنه لا يتفكَّرُ في آلية الحكم تفكُّرًا فلسفيًّا، ولا يعنيه ابتكار وسائل للحكم بناءً على تنسج فيه الفلسفة من فهمٍ واستشكال. بل إن الفلسفةَ فنٌّ من فنون التعبير الثقافي الذي غالبًا ما يعامَل معاملة الغريب. إن الفلسفةَ غريبةٌ عن الذوق الوجداني للسياسي والذي يتساوق في الغرابة مع الذوق الإيماني لرجل الدين، وهنا تتحالف السلطان الدينية والسياسية في وسم الخطاب الفلسفي بالغرابة، ما يؤسسه لتشويه العلاقة معها ابتداءً. وهذا التشويه ينعكس على الثقافة العامة، بحيث إن العوام يصبح لها رأي في الموضوع، إذ إن العامة تستهوي الاتِّباع والتقليد، وهما من مقومات الخطابين السياسي والديني، وهما السمتان اللتان تحاربهما الفلسفة لوظيفتهما السلبية في قتل قدرة الفرد على الإبداع والابتكار والتجديد. إن الفلسفة لا طاعة فيها لأحد، لذا ترفضها كل السلطات.
ولما كان التجديد غير ممكن إلا بإبداع الموقف وتغيير الوسيلة، فإن الفلسفة واجبة الوجود في المجتمع، لأنها الوحيدة القادرة على فتح الأفق كلما استغلق الواقع. والفيلسوف لا يكلُّ من التأمُّل والنظر، مهما تهمَّشَ دوره في تشغيل الواقع. وكي لا نبقى في جوٍّ من التعميم المجرَّد، فإن المجتمع العربي اليوم، وربما كثير من المجتمعات الإنسانية، نشأ في ذهنها تفكيرٌ بضرورة التعلم لما هو عملي وربحي وسريع، وله علاقة بعلوم العصر المتطوِّرة، ظنًّا منهم أن كل هذا المظهر التقاني المعيش قد حلَّ في البشرية من دون هذا المكوث الفلسفي الراسخ في خلفية هذا الظهور الشرس للتقنية.
إن طلابنا ينبهرون بتقنية الـ ChatGPT أكثر مما يستثمرون انبهارهم في التأمُّل بالذكاء الاصطناعي بما هو لحظةٌ وجودية كبرى في تفوق الذكاء البشري الطبيعي. وجل اهتمامهم ينصب على التخصص في تقنية الذكاء الاصطناعي، من دون أن نرى عنايةً جدِّية بالاشتراك الفكري في السؤال عن جدوى خلْق شريكٍ فكريٍّ للإنسان في هذا العالم. بالأحرى، إن الإنسانَ يحاوِلُ خَلْقَ خليفته حيثُ هو، يحاولُ السيطرة أكثرَ على الكون، يتألَّه ويتفوق ويحاوِلُ أن يوصل علمَه إلى كل شيء يحيط به. إنها خطوةٌ تستدعي التفكُّر الكبير في حدوثها. لا يمكن أن نصبح أسيادًا في عصر الذكاء
الاصطناعي إذا لم ننشغل بفهم بشريَّتنا اليوم. إن إنسانيَّة الإنسان هي لحظة الاستشكال الفلسفي الراهن، فهل يُعقَل أن تكون الفلسفة بلا حماية؟ إن أمن الإنسانِ اليومَ مِن أمن الفلسفةِ في الحضور الواكد الحضوري الدائم. لا بد من بعث الفلسفةِ في كل مقامٍ حتى نضمن استمرار وجودنا في هذا العالم.
هل يُعقَلُ أن يبقى الفكر الفلسفي مكشوفًا أمام سلطات القمع والتهميش؟
إن ما يحدث في تطوير العلوم يقتضي أن تصبح الفلسفةُ مادةً إلزاميةً تدرِّسها كل فروع المعرفة في المعاهد والجامعات. فمعرفة الجدوى من دراسة علمٍ ما أفضلُ من تخزين وتكديس المعلومات فيه من دون معرفة أثرها في الواقع المعيش. إن الأمن الفلسفي يولِّدُ حرية التفكر في الثوابت التي لا طائل منها، ويتيح التساؤل في كل المسائل الوجودية الكبرى، ويوجبُ حقَّ الاختلاف بين العقول والثقافات، وهو ما يضمن تعدُّدية الفهم ورحابة الزمان في اقتبال الكيان. إن الإنسان اليوم مهدَّدٌ بكيانه نتيجة سوء استخدام أخلاقي للتقنية في التدمير والخراب، سواء في الجوائح أو الحروب أو في الأطعمة المصنعة أو غيرها من أمراض العيش العصري، لذا إن الأمن الفلسفي هو الذي يضمن إمكان التجاوز الحر للواقع اللاأخلاقي.
ويتضمن الأمن الفلسفي الأمان الشخصي للفلاسفة والمفكرين، لينسحبَ الانفتاحُ المكينُ على أمان المناخ الفكري كله. فالأمن الفكرييقوم على تحصين الفرد والمجتمع من الانحرافات الفكرية، سواء أكانت متطرفة دينيًّا أو أيديولوجيًّا أو ثقافيًّا وأخلاقيًّا، ما يضمن تماسك البنية المجتمعية واستقرارها في العيش الحر الكريم. ذلك أن المناعة الذاتية التي يكسبُها الأمن الفكري هي التي تحمي المجتمع من انتشار ظاهرات التطرف والإرهاب ونشأة الفرق الطائفية والمذهبية أو الحركات التفتيتية الانفصالية داخل المجتمعات المستقرة.
إن أهم ما يعززه الأمن الفكري هو ثقافة الحوار التي تمنع التفرد بالرأي، وبالأحرى تمنع التفكير بإمكان الطغيان وممارسة الإقصاء، فهي تقوم على الاختلاف والتعددية والإخاء الأخلاقي في التعامل اليومي، وهذا ما يقلِّلُ من تأثيرات الغزو الفكري أو قدرات قوى الشر في التضليل والتزوير للحقائق التاريخية أو المصيرية. هنا نستعيد دور القانون في ضبط حركة الواقع، والتأسيس للأخلاقية الراهنة. خاصةً في مجالات الأمن الضرورية في واقعنا، مثل الأمن السيبراني (Cybersecurity) الذي يقوم على حماية النظم الإلكترونية، والحواسيب والبيانات من الهجمات الإلكترونية أو الاختراق أو التخريب على الشبكة. فالبرمجيات الخبيثة قادرة على نشر خطاب الكراهية أو الدعاية المتطرفة لجهة ما أو سلعة ما عبر شبكة الإنترنت ما يهدد الإنسانَ في عيشه الكريم، بل في بقائه على قيد الحياة أحيانًا.
من هذه الحيثية الواقعية الراهنة يمكننا القول إن الأمن الفلسفي هو شرط الأمن المستدام، لأنه يصون العيش الإنساني القيمي المشترك وينمي الحسَّ النقدي الذي يفتحُ الثقافات على بعضها للتلاقح والتنامي وليس للإلغاء والهيمنة لواحدة على أخرى. إن الأمن الفلسفي يوفر البيئة الحاضنةَ لنقاشات عقلانية في مجتمعات متعددة الهُويات، ويحترم مصادر الأفكار والمنطلقات النظرية والفكرية لكل فرد، ما يضمن الأمان الكلي للمجتمع البشري.
ثانيًا: الأمن الفلسفي في السياق العربي الراهن
لا بد من تحفيز التفكُّر الفلسفي عند الشباب وذلك كي يجاوِزَ الشابُّ براءة الانفعال بالمشهد الحدثي إلى متانةِ التجاوز المفهومي لأثره الواقعي. لا يكفي في بلادنا أن نبكي فلسطين ومآسي غزة، فنحمل السلاح وتراودنا فكرة الموت في سبيل قضيتنا، فنندفع بالأجساد والأرواح إلى حيث نرى الصدقَ أمام أعيننا في الدفاع عن أرضنا. نلمحُ بشعورٍ مَن يحملُ سلاحًا، نتبعه، نؤيدُه، نسمع منه، نهجم في سبيل مشروعه الأيديولوجي، فنموت…
إنها دوامة الموت الأبدي التي هدفها الحياة… لا شيءَ يزيلُ وقْعها الشعوري في ذهنية الشباب المناضل سوى اعتبارُ القراءة المشهديِّة للحدث مصدرًا للفهم والتفسير قبل الإقدام والتهور. إن شعورًا بتسريع الخطو نحو الهدف مرتبط في ذهنيتنا بقيم الوفاء والإخلاص للفكرة والقضية والعقيدة التي نحملها، مهما كلف ذلك من تضحيةٍ تسببها هذه الاندفاعة. لكن ما نحتاجُه هو البطولة في تحقيق الأمن والتحرر والاستقلال والريادة والرسالة، وكل هذه السردية التي لا يكفي فيها شرف المحاولة العفوية لإنجازها، بل تحتاج إلى تخطيط لبناء القدرة وتفكُّرٍ في توظيف الإرادة، وتعلُّمٍ لبناء المفهوم المصاقِب للمشهد الراهن في واقعيته، وإلى جرأةٍ في الوقوف أمام التاريخ بوعيٍ مطلقٍ لإبقاء مسافةٍ مرئيَّةٍ بينه وبين الذات الحضورية المتفكِّرة. لا بد للتاريخ أن يتبعَ الذاتَ الحاضرةَ وليس العكس، التاريخُ مادَّة علميةٌ تأويليَّةٌ اعتبارية في لحظة الحاضر التي يضارِعُ فيها الفاعل فعلَه بجسده وروحه، لذا لا يمكن إشراكُه في تسليطه على المشهد الراهن بإيلائه القواميَّة المطلقة على الحدثية الجارية.
إن ما يحرِّكُ الوجود الراهن مسألةٌ أقوى من التاريخ، وإن كانت تبدو امتدادًا له في الشعور، ألا وهي الهُوية. فالهوية ليست شعورًا بالانتماء فحسب، بل هي القدرة على بناء الانتماء إلى الكينونة الحدثية بحضوريتها المطلقة، حيث يصبح التاريخ والدين واللغة والآخر والأنا والمكان والزمان… كلها عناصر تشكيل الهُوية وعيًا بضرورة تجديد وظيفة هذه العناصر في اليوم الذي استحضرها فيه الكائنُ الطالبُ لإثبات هويته التي يشعرُ بها. إذًا الشعور لا يكفي حتى وإن كان
ضروريًّا لابتداء الوعي، فما ينقصنا اليوم هو توفير الأمان المكاني لابتداء العقل الزماني بتأثيث الواقع بما نريد وكما يقتضي الواقع في سبيل السُّكنى المنتجة فيه.
إنَّ التزام الحضور هو الذي يعزِّزُ قيمة العزيمة في إظهار جدوى التفكير بالقيم. فالذهنية الدائمة الحضور هي التي تجعل الكينونة الانبعاثية ممكنة الإجراء في الحدث، فإذا ما انبعث الكائنُ حيثُ هو، تمكنَ من تجاوز آفات المكوث والركود إلى آفاق الحراك والبيان. نعم إن الأمن تنجزه أسئلةٌ من الـ “هنا” القريب، تمكِّنُ هذا الذي يعي إنِّيَّته بأنَّ المستقبلَ ممكنٌ أمام ظهور الهذيَّة، أي اللحظة المشهدية للأنا الحاضرة مجددًا. كي تتمكن النفسُ من العيش لما تهجس به وتخطط له، فتكون في واقعها مشهدًا حيًّا هو “هذا أنا”.
هذه الأنا لا يعيق صفاءَها الحضوري سوى كُفرها الأناني بالحاضر، أي إنكارها القصدي لأزمات الواقع، وهو السلوك الذي يحجب عنها إمكان ظهورها الضروري للعالم وفي العالم. من هنا نرى أن غياب الأمن الفلسفي، ناجم عن عدم الاكتراث بالأمن الثقافي المواكب للظهور المتكرر للأزمات: كالطائفية والنزاعات الداخلية السياسية والاقتصادية وتصاعد الخطابات الشعبوية إضافةً إلى هشاشة التعليم وعدم جدواه في تغيير الذهنية المحلية لأنه يعطى بلغةٍ أجنبية ودون ربطٍ بين ضرورة العلم في تأطير السلوك المعيش… إلخ.
“الأمن الفلسفي” ليس مصطلحًا متداولًا في الدرس الفلسفي العربي، لكنه قابل للتأسيس انطلاقًا من انهمامنا بإنجاز فلسفات التعليم المرتبطةِ بقضايا الهوية وحرية التفكير، من دون غمغمةٍ بحثيةٍ أو ما يمكن أن نسميه “كفْرٍ بالقضايا الراهنة”، ذلك أن الفلسفةَ لا تحيا باطنيًّا، بل هي فعل قوامه الصدق. إن التفكير يصدق مشهد التفكير، لذلك يكون الطموح في سبيل إحداث المفاهيم أمرًا بمتناول الفيلسوف الحر الشجاع.
إن الفلسفةَ هي مفتاح المغامرة المقرونة بالتعقُّل، لذا إن فرصَ الابتكار والتجديد تأتي من هذه المبادرة الحية لابتداء الوجود الفاعل في مشهدية العالم أمام الوعي. من هنا نسأل عن ملامح انعدام الأمن الفلسفي عربيًّ، وكيف يمكن البدء بورش التفلسف النضالي الحي.
- ملامح انعدام الأمن الفلسفي في الواقع العربي
إذا ما استعرضنا مشاهد الوعيِ الفلسفيِّ الغُفْلِ في بلادنا، فإننا سنفهم مظاهر الخوف المستحكمة في النفوس. إن العيشَ بلا تفلسفٍ لا يجاوِزُ مداراة العبثِ من إحداث الهلاك للإنسان. ولما كان التعليم عندنا بلا سياسات جديرة بمعالجة جدِّية لقضايا الانتماء والتحرر والهوية والتدين والتعلم والتفوق، بل هي مجردد خطط مرحلية لاتباع المنهج الفرنسي أو الإنكليزي أو الأميريكي
في تدريس التلاميذ حتى يتمكنوا من الدخول إلى الجامعات والمعاهد التطبيقية في ما بعد، ويؤمنوا وظائف وأشغال مربحة تدرُّ عليهم المال وتوفر الرفاه، ظنًّا منهم أن هذه هي وظيفة العلم في المجتمع، فإن تغييب الفلسفة أو تدريسها كحشو دون تفكير هو ظاهرةٌ طبيعية في هذا الجو الهزيل لمفهوم العيش الكريم اليوم.
ولا حاجة بنا إلى كبير جهدٍ لتوضيح حالات الربط العبثي بين الفلسفة والإلحاد في الأوساط الاجتماعية، أو في الثقافة العامة عندنا التي تربط هذا المجال التفكيري بشخصيةٍ متوهمة عن الفيلسوف بأنه شخص غير عملي في الحياة! مهذارٌ، لا جدوى من أقواله في عصر العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كما أنه شخص مهرطق يستخفُّ بالقيم الدينية والأخلاقية العليا… إلخ.
وقبلَ أن نطرح رأينا في إصلاح هذا التصور أو غيره من التشويهات والانطباعات السلبية عن وظيفة الفلسفة في المجتمع، نقول إن من عزَّز هذا الفساد في ذنية المتلقين للفلسفة هو السياسات المحلية التي لم تكن بمستوى مجاوزة الأيديولوجيات المتخلفة التي تحكم بها. ذلك أنها تستمد سلطتها من سلطة التقليد والاتباع. وهذا ما تقوم عليه الفرق الدينية والمنظمات الحزبية والاجتماعية في بلادنا. لذلك تجد الاهتمام السياسي ينصبُّ على تشكيل طبقة العوام التي تتكوَّن من الفئات اللامكترثة بالتغيير والتعديل على مشهدية الواقع، وكل همها هو تأمين سبيل التمتع والرفاه والأكل والشرب. فبدل أن تنشغل السلطة ببناء النخب الحية ذوات العقول النقدية والرافضة للقمع وكل عوائق التحرر والانفتاح، فإنهم يخافون من ظهور هذه الطبقة الفاعلة في المجتمع، لذا تتعزز فرص الثقافة الإسكاتية في الانتشار على حساب الثقافة النقدية الرافضة لكل أشكال القمع والكبت والكتم لصوت الإنسان.
من هذه الحيثية المعيشة نفهم لماذا تتحالف السياسة والطائفية على حساب الوعي والتغيير في مجتمعاتنا. أضف إلى ذلك أن فن الإلهاء السياسي للناس بحل المشاكل اليومية والخناقات على وسائل الحياة الضرورية كالكهرباء والماء وسلامة الطرقات وسلامة الغذاء والتأمين الصحي وإلى ما هنالك من هموم المعيشة البسيطة، والواجب تأمينها بدون مطالبات شعبية.
لذلك كان من مظاهر انعدام الأمن الفلسفي العربي هو عدم التخطيط أصلًا لقيام مؤسسات فكرية كبرى تقوم على أساسٍ من الحرية والاستقلالية، وتكون مدعومةً بالمال والعتاد وكل ما تتطلبه وسائل البحث العلمي الحديث. هذه المراكز إذا ما كانت بهذه الأهمية، ستنعكس جدوى أبحاثها في تطوير البنية الاجتماعية الثقافية، وتسهم في تجويد مستوى التعليم، وفي تحسين الاهتمام الفكري للفرد بقضايا الواقع الراهن.
ثم إن المراكز البحثية هي التي تصنع السياسات وتخطط للمستقبل، وهذا ما تسعى إليه الدول المتقدمة. كما أن وعي الحاجة الراهنة إلى اللغة سيكون الشغل الشاغل لهذه المراكز، وبالنتيجة ستصبح المدارس والجامعات مفاعل إنتاجٍ حيوي للطلاب الباحثين الساعين للالتحاق بهذا الاشتغال العلمي الدائم في أوطانهم.
- نحو مشروع للأمن الفلسفي
لو بحثنا عن صيانة الأمن الفلسفي عمليًا، فإن إعادة الاعتبار للفلسفة في المناهج الدراسية يكون بجعلها محور التكوين التربوي للطفل. إن الفلسفة هي التي تبني الشخص الحر الواثق من نفسه في عيشه. ولا يظنَّن أحد أن الإنسانَ إذا لم يفهم معنى الحرية ويتربى عليه، سيعرف يومًا كيف يدافع عن وطنه. فالحرية مسألة تربوية تقوم على بناء الشخصية الناقدة السائلة في هذه الحياة.
كذلك يجب أن تقترن عملية بناء الأمن الفلسفي بأمننة الفكر، وذلك من خلال تكثير التأسيس لفضاءات النقاش الحر والتفلسف اليومي. ذلك أن تشكيل النوادي الفلسفية والحلقات الأدبية والصالونات الفكرية وربط جمهورها بالجامعات والمعاهد هو الذي يؤسس الشخصية الاجتماعية الحرة للفرد ويعزز الخطاب الفلسفي الناقد.
ثم إن هذا الحراك الاجتماعي للاهتمام بالفلسفة هو الذي سينعكسُ على السياسات العامة في بلادنا. فإذا ما اشتد الاهتمام العام بقضايا التفلسف وضرورة التفكير الفلسفي، سنجد أن التشريعات والدساتير والقرارات السياسية الكبرى ستأخذ في اعتبارها جدوى هذا الحضور اللافت للفكر الفلسفي في المجتمع. وتعود عندئذٍ رعاية المفكرين والاهتمام بالمنتوج الإبداعي الأدبي والفكري عمومًا إلى الواجهة، بدل ما نشهده من قصدية التهميش للمفكرين، وتهشيم صورة العلوم الإنسانية في المجتمع، بحجة مواكبة العصر.
ما أصعب كلمة “مواكبة العصر” حين يطلقها سياسي فاسد لا يعرف سوى سرقة المال العام أو رجل دين لا يطمح من سامعيه سوى اتباع ملَّته ورأيه دون جدل أو نقاش!.
إذًا علينا التفكير استراتيجيًّا في بناء منظومة الأمن الفلسفي عربيًّا، وذلك بالسيطرة على الخواء الثقافي والعمل الدؤوب على ملء الشواغر بالأفكار الضرورية لبناء الشخصية الحرة، وكذلك الانخراط في النضال التربوي لإعادة الاعتبار للفلسفة في المناهج. هذا النضال الذي يقتضي منا اليوم، من الناحية العملية، بناء مراكز للتنشيط الثقافي واللغوي العربي. علينا توثيق العلاقة بين الفرد ولغته، حتى نثير في الذهن مسائل التفكر في الكون بناءً على هذه اللغة الحية وتلك الثقافة
الإشكالية. لا يمكن أن لا تنمو في ذهن الفرد إشكالات مستعصية وقضايا مربكة تجعله منشغلًا كل الوقت بإيجاد حلول لها.
ولأن الفلسفة تخلق مجتمعات قادرة على طرح الأسئلة والعناية بالذات في حضورها، فإن غياب الأمن الفلسفي يعزز إمكانات ظهور الذوات المتطرفة التي تمارس العنف تجاه الآخر المختلف. هذا الارتياح إلى الانغلاق هو الذي يؤدي إلى الجمود والانغلاق الحضاريين، وفي الوقت نفسه يحِلُّ الكينونة العبثية مكان الكينونة الانبعاثية في تلقي العلوم الراهنة، والمواكبة الحقيقية للعصر بالانخراط في فهم الحياة اليوم، بل في تأسيس قيم العيش الراهن.
خاتمة
الفلسفة ليست ترفًا أو نقاهةً فكرية، بل هي في لب المشروع النهضوي، لأنها السؤال الذي لا يرتبط بأجوبة تقمع انفتاحه الحر في الواقع. لذا لست أبالغ إذا قلت إن الوجود غير ممكن بلا فلسفة تتيحه في هذا العالم. والأمن الفلسفي اليوم بات ضرورةً وجودية كيانية لتخليص الإنسان من دوامة الخراب والعطب والدمار. لا بد من استعادة الإنسان، وهذا ما يتم في تلك العيون الناظرةِ إلى الأفق، وهي واقفة وسطَ الحدث. تدعو إلى التفكير بما يضمن استمرار التفاعل مع الكون بالتعرف والتعلم والبناء، أي بما يؤسس للعلاقة الحرة بالمحيط.
علينا النضال في سبيل الأمن الفلسفي، إذ لا يمكن استعادة نضارة الحضور البشري في العالم إلا إذا تمكن الفلاسفة من السَّير الهادئ بين الناس، يستوقفونهم وهم ذاهبون بنشاطٍ إلى أعمالهم وأشغالهم، يكسبون منهم قوتَ يومهم من السؤال، فيبدأون أعمالهم وشيءٌ من تلك الأسئلة الغريبة يشغل بالهم، يهجسون كل الوقت بربط عملهم بفكرهم، يتغزوهم دنيا الأحلام والممكنات، يولَد في حراكهم الاملُ، ويزول عنهم طاغوت العبث والاستسلام للواقع، يغادرون مساحات الرضى والقبول بأي شيء، يشغلون الوقتَ بوعيهم، يبادرون بالجديد الذي يلائم حالتهم اليوم، يخرجون علينا بأفعالٍ نحتاجها…
ولا يحتاج الإنسانُ لشيء أكثر من حاجته إلى الحرية والكرامة لننتقل من الكينونة القاصية وثقافة الخضوع العبثي إلى الكينونة الدانية وثقافة الحضور الانبعاثي، فليكن عملنا نتاج تحررنا وتفكرنا في هذا العالم. يجب أن نبقى نريد..

الفنون والتراث كحصن ثقافي: دورهما في حماية الأمن القومي العربي
د. منال تقوى
- أستاذ في جماليات الفنون وممارساتها- جامعة سوسة- تونس
- رئيسة وحدة دراسات الفنون والموسيقى والتراث الشعبي

المقدمة
في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية، وتتصاعد فيه التهديدات غير التقليدية التي تستهدف الهوية والتماسك المجتمعي، يبرز دور الفنون والتراث كخط دفاع أساسي في حماية الأمن القومي العربي. فالأمن لم يعد مقتصرًا على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل امتد ليشمل الأمن الثقافي، الذي يُعدّ حجر الزاوية في صمود الأمم أمام محاولات الاختراق والتذويب.
إذًا، كيف يمكن للفنون والتراث أن يشكلا حصنًا منيعًا يحفظ الذاكرة الجمعية ويواجه التحديات التي تهدد كيان الأمة العربية؟ هذا السؤال يقودنا إلى تحليل عميق للعلاقة الجوهرية بين الثقافة والأمن، وكيفية توظيف الإرث الفني والتراثي لتعزيز المنعة المجتمعية في مواجهة الأخطار المعاصرة.
الإشكالية
تكمن الإشكالية في الفجوة بين الإمكانات الهائلة للفنون والتراث في تعزيز الأمن القومي العربي، وبين محدودية توظيفها في السياسات الراهنة. فمن ناحية، يشكل التراث والفنون مخزونًا ثقافيًا قادرًا على توحيد الشعوب وصياغة وعي جمعي مقاوم. ومن ناحية أخرى، نجد أن كثيرًا من الدول العربية تتعامل مع هذا الإرث بوصفه ترفًا ثقافيًا، وليس استثمارًا استراتيجيًا في الأمن والهوية.
وهذا يطرح تساؤلات جوهرية: هل يمكن اعتبار إهمال التراث والفنون تهديدًا مباشرًا للأمن القومي؟ وكيف يمكن تحويلهما إلى أدوات فاعلة في مواجهة التطرف والغزو الثقافي؟ وما هي السبل الكفيلة بتحقيق التكامل بين السياسات الأمنية والسياسات الثقافية في العالم العربي؟
التحليل
1. الفنون والتراث كذاكرة مقاومة
يمثل التراث، بشقيه المادي (كالمتاحف والمواقع الأثرية) واللامادي (كالأغاني الشعبية والحكايات والأمثال)، سجلًا حيويًا للهوية العربية. فهو ليس مجرد شواهد على الماضي، بل أداة لصياغة الحاضر والمستقبل. فعندما يتم إحياء التراث الشعبي، كالحكايات البطولية أو الأغاني التقليدية، فإنه يعيد ربط الأجيال الجديدة بجذورها، ويخلق لديهم مناعة ضد محاولات طمس الهوية.
على سبيل المثال، تعمل الملاحم الشعبية، مثل “السيرة الهلالية” أو “عنترة بن شداد”، على ترسيخ قيم الشجاعة والكرامة، وتقدم نموذجًا للبطولة العربية الأصيلة في مواجهة السرديات الاستعمارية أو التغريبية. كما أن الفنون البصرية، كالسينما والمسرح، تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجمعي. ففيلم مثل “المومياء” لشادي عبد السلام لا يروي قصة أثر مصري فحسب، بل يكشف الصراع حول الهوية والذاكرة في مواجهة محاولات السطو الثقافي.
2. الفنون كأداة لمواجهة التطرف والانقسام
في ظل تصاعد الخطابات المتطرفة التي تستغل الفراغ الثقافي لتجنيد الشباب، تبرز الفنون كبديل إبداعي قادر على تقديم رؤى أكثر انفتاحًا وتعددية. فالمسرح، مثلًا، كان دائمًا وسيلة لنقد التطرف وتعزيز الحوار، كما في أعمال المسرحي السوري سعد الله ونوس التي عالجت قضايا الاستبداد والانقسام.
كذلك، تشكل الفعاليات الثقافية، مثل مهرجانات جرش في الأردن أو معرض الشارقة للكتاب، مساحات للتعايش بين الثقافات المختلفة ضمن إطار الهوية العربية الجامعة. لكن المشكلة تكمن في أن كثيرًا من الحكومات العربية لا تستثمر بما يكفي في هذه الأدوات، مما يترك الساحة مفتوحة أمام الخطابات المتشددة التي تقدم نفسها كممثل وحيد للهوية.
3. العولمة والاختراق الثقافي: الفنون كخط دفاع
في عصر العولمة، حيث تتدفق المنتجات الثقافية الغربية (من أفلام إلى مسلسلات ومنصات رقمية) بلا حدود، تواجه الهوية العربية تحديات جسيمة. فكثير من هذه المنتجات يحمل قيمًا لا تتوافق مع السياق العربي، ويساهم، عن قصد أو غير قصد، في تغريب الذائقة الجمعية.
هنا يأتي دور الفنون المحلية كحصن ثقافي. فالمسلسلات العربية الناجحة، مثل “باب الحارة” أو “الجماعة”، تقدم سرديات بديلة تعكس هموم الناس وقيمهم، وتنافس الخطابات المستوردة. كما أن المشاريع الثقافية الكبرى، مثل متحف اللوفر أبوظبي أو مكتبة الإسكندرية، تثبت أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا، بل وسيلة لتعزيز القوة الناعمة العربية في العالم.
4. التحديات الداخلية: بين الإهمال والاستغلال
رغم هذه الإمكانات، تواجه الفنون والتراث في العالم العربي إشكاليات كبرى، أبرزها:
- ضعف التمويل والمؤسساتية: فميزانيات الثقافة في معظم الدول العربية لا تتجاوز 1%، مقارنة بنسب أعلى بكثير في الدول التي تعتبر الثقافة جزءًا من أمنها القومي.
- الانقسامات السياسية: حيث يتم توظيف التراث أحيانًا لخدمة أجندات محلية ضيقة، بدلًا من توحيد الرواية العربية.
- الاستهلاك السلبي للفنون: فبعض المجتمعات أصبحت تستهلك الفنون كترفيه فقط، دون وعي بدورها في تشكيل الهوية.
الخاتمة
الفنون والتراث ليسا مجرد زينة ثقافية، بل هما حصن الأمة في معركة البقاء والهوية. وإذا كان الأمن القومي يعني حماية الحدود والاقتصاد، فإنه يعني أيضًا حماية الذاكرة والوعي الجمعي. لذلك، لا بد من اعتبار الثقافة ركنًا أساسيًا في الاستراتيجيات الأمنية العربية، عبر:
- تعزيز الصناعات الثقافية المحلية.
- دمج الفنون والتراث في التعليم والإعلام.
- إنشاء مؤسسات عربية مشتركة لحماية الإرث الثقافي.
فكما قال المفكر مالك بن نبي: “إن الحضارة تُبنى بقيمها قبل أن تُبنى باقتصادها”. والفنون والتراث هما وعاء هذه القيم، وحمايتهما هي حماية لمستقبل الأمة.

الاقتصاد باعتباره مكوِّناً رئيساً في مفهوم حديثٍ للأمن القومي العربي في بيئةٍ بالغة التعقيد
أ. د جلال حاتم
- مستشار مجلس أمناء جامعة أم القيوين
- رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية والتنمية

مقدمة:
في ظل التطوّرات الجيوسياسية المعقدة والحروب والتوترات الإقليمية والدولية، والتهديدات غير التقليدية، بل وفي ظلِّ ما شهدته وتشهده المنطقة، كلُّ ذلك يدفع إلى القول بأنه قد حان الوقت لمفهوم الأمن القومي العربي لأن ينحوَ باتجاه تحوّلٍ جذري، يضع في الصدارة ضرورة وجود نهجٍ شاملٍ واستشرافي للأمن القومي يجمع بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والاجتماعية والبيئية مع التركيز على التعاون الإقليمي والإصلاح المؤسسي.
ولا يقتصر الأمر على تعدديّة الأبعاد، بل يشمل أيضاً ضرورة ترسيخ التعاون الإقليمي الفعّال الذي يتجاوز العلاقات البروتوكولية أو الصفقات السياسية إلى بناء شبكاتٍ حقيقيةٍ من العمل المشترك، وتبادل الخبرات، وتنسيق القدرات الدفاعية والأمنية، وكذلك تحفيز التكامل الاقتصادي الذي من شأنه أن يعزّز مناعة المجتمعات العربية ضد الضعف السياسي والاقتصادي.
وهنا نشدّد على الإصلاح المؤسسي باعتباره ركيزةً لا غنىً عنها، إذ لا يمكن تحقيق أمنٍ قوميٍّ فاعلٍ ومستدام ما لم يتم تحديث البنى المؤسساتية للأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، والبنى المفاهيمية للإعلام والاتصال والقوى الناعمة، وضمان مستوىً عالٍ من الحوكمة والشفافية، وتمكين الكفايات الوطنية في إدارة الملفات الأمنية المعقدة بكفايةٍ واقتدار.
وتأتي مداخلتنا هذه في سبعة محاور:
المحور الأول:
أهمية تناول موضوع الأمن القومي الاقتصادي العربي ضمن أعمال الندوة الفكرية المكرّسة لإحياءً للذكرى السادسة لتأسيس المعهد العالمي للتجديد العربي.
إنطلاقاً من رؤية المعهد العالمي للتجديد العربي القائمة على بناء فكرٍ عربيٍّ حديثٍ يستلهمُ القيمَ الحضارية، ويستوعبُ متطلباتِ الحاضر ويواكبُ التطوّر والتقدّم العالمي في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية والإنسانية، ويرفد الثقافة العربية بمصادر وأدوات التجدد الدائم، وتستمد منه الأمة عوامل نهضتها وتقدمها المعاصرة والمستقبلية، يأتي تناولنا لقضية الأمن القومي الاقتصادي العربي في إطار ندوة فكرية إيماناً منّا بأنه يُعدُّ أمراً بالغ الأهمية، فهو يجسّد عملياً رؤية المعهد وأهدافه، ويتيح الفرصة لفهم التهديدات الاقتصادية المعاصرة التي تواجه الدول العربية في ظل التحولات الجيوسياسية.
فمن خلال الندوة التي لم تقتصر على تحليل مؤشراتٍ وظواهرَ عامة، بل شملت ربط مختلف الأبعاد المستقبلية والفلسفية والاقتصادية والتاريخية واللغوية.. وغيرها. ولذلك سعينا إلى التطرّق إلى مختلف الأبعاد الاقتصادية المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة والأمن السيبراني والبيئي أيضاً، وبما يعزّز القدرة على إدارة الأزمات ومواجهة التهديدات والتحديات الداخلية والخارجية.
ومما يجدر ذكره أن هذه الندوة وفَّرت منصةً للحوار بين نخبةٍ من المفكرين لتبادل الرؤى حول السياسات والاستراتيجيات اللازمة لتحقيق التكامل الاقتصادي، وتحديث المؤسسات الاقتصادية، وتحفيز التنمية المستدامة. ويسهم ذلك في إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي من منظور شامل يربط الاقتصاد ببقية أبعاد الأمن (العسكري، الاجتماعي، البيئي، الرقمي.. وغيرها)، فضلاً عن أنه يؤكّد على دور الإصلاح المؤسسي والتعاون الإقليمي في تحصين الدول العربية ضد التهديدات والتحديات الاقتصادية.
المحور الثاني:
ماذا نقصد بـ “الأمن القومي الاقتصادي العربي”؟
تعددت تعريفات “الأمن القومي الاقتصادي العربي” ربما بتعدّد الدراسات والبحوث والكتب التي تناولت هذا الموضوع؛ وإن كان كثيرون درجوا على تعريفه بأنه “قدرة الدول العربية مجتمعةً أو منفردةً على تحقيق ما يلي:
- حماية مصادرها الاقتصادية الحيوية؛
- تأمين استقلالية القرار الاقتصادي؛
- ضمان العدالة في توزيع الموارد؛
- مواجهة المخاطر التي تهدّد التنمية الاقتصادية”.
وفي رأيي، أن هذا التعريف لا يعدو كونه تعريفاً تقليدياً لا يأخذ بعين الاعتبار التطورات المتسارعة التي يشهدها عصرنا الراهن، الذي يتميّز بغزارة المعلومات التي يكاد حجمها أن يتضاعف كلَّ يوم تقريباً.
إن المفهوم المتداول للأمن القومي الاقتصادي العربي أخذ مداه في مطلع النصف الثاني للقرن الماضي، وترسَّخ أكثر بعد التوقيع على “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي” تحت مظلة جامعة الدول العربية.
كما ظهر على نحوٍ جليّ في الأدبيات والمنشورات الفكرية والقومية العربية منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، مع التركيز على فكرة الأمن القومي العربي الشامل، وخاصة في أعمال المفكرين القوميين وفي تقارير جامعة الدول العربية، وكذلك في تقارير مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وإن كان بعباراتٍ مشابهةٍ مثل «التكامل الاقتصادي العربي» و«الاعتماد المتبادل» أكثر من استخدام مصطلح «الأمن القومي الاقتصادي» بشكلٍ صريح. وفي ثمانينات وتسعينات القرن الماضي استخدم بعض الباحثين المصطلح مباشرةً ضمن سياق التحذير من التبعية الاقتصادية والتحديات العالمية كالعولمة مثلاً.
وقد تأسَّس هذا المفهوم على فكرة أن التنمية الاقتصادية والقدرة على حماية الموارد الحيوية يمثلان جزءاً رئيساً من منظومة الأمن القومي الشامل، فلا يمكن تحقيق الأمن السياسي أو العسكري أو الاجتماعي دون قاعدةٍ اقتصاديةٍ صلبةٍ ومستقلة.
وكانت أهم مستهدفات هذا المفهوم:
- حماية المصادر الاقتصادية الحيوية
وتتضمن المصادر الاقتصادية الحيوية جملةً من المجالات منها:
- ضمان أمن الموارد الطبيعية والأساسية مثل النفط والغاز والمعادن والمياه والزراعة والأمن الغذائي: أي كلّ ما يشكّل الأمن الغذائي وأمن الطاقة والأمن المائي، لأنها تعدّ شريان الحياة للاقتصادات العربية.
- حماية الموارد البشرية: ويقصد بها تطوير رأس المال البشري العربي، وضمان أمنه ضد التهديدات التي قد تعرقل دوره كأحد أهم عناصر القوة الاقتصادية. فالإنسان المؤهّل هو المحرّك الرئيس للإنتاج وللنمو، ويأتي ضمن ذلك: تأمين الحقوق الاقتصادية، التأهيل والتدريب المستمر، والحماية الصحية والاجتماعية.
- حماية الموارد الرأسمالية: وتعني ضمان سلامة الأصول المالية والمادية والبنية التحتية والاستثمارات التي تشكل قاعدة الإنتاج والنمو، وتأمينها ضد المخاطر الداخلية والخارجية التي قد تهدد استمراريتها أو تقلل من قدرتها التنافسية.
- حماية الموارد المؤسسية: ويقصد بها الحفاظ على سلامة وفعالية واستمرارية الهياكل والمؤسسات الاقتصادية والإدارية التي تدير الموارد الطبيعية والرأسمالية والبشرية، فضلاً عن السياسات واللوائح والقواعد المنظمة للعمل.
- حماية الموقع الجغرافي: وتعني تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للدول العربية وحمايته من المخاطر الأمنية والسياسية والبيئية التي قد تهدد القدرة على استغلاله كميزة تنافسية تدعم الاقتصاد الوطني والقومي، وذلك ضمن مفهوم الأمن الاقتصادي العربي.
- حماية الموارد الاجتماعية والثقافية: ويقصد بها صيانة رأس المال الاجتماعي والثقافي للمجتمعات العربية كموارد غير مادية تُعزز التماسك الاجتماعي، وتدعم الإنتاجية، وتزيد من القدرة التنافسية الاقتصادية في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك انطلاقاً من أن الاقتصاد لا يقوم فقط على الأصول المادية أو الطبيعية، بل يحتاج إلى بيئةٍ اجتماعيةٍ مستقرة، وثقافةِ عملٍ إيجابية، ونظامٍ قيمي يدعم الإنتاج.
- تأمين استقلالية القرار الاقتصادي
يقصد بـ “استقلالية القرار الاقتصادي” أن تكون الدول العربية قادرةً على صياغة وتطبيق سياساتها الاقتصادية (المالية، النقدية، التجارية، الاستثمارية) وفقاً لأولوياتها الوطنية ومصالحها القومية، دون أن تكون مرهونةً أو خاضعةً لإملاءاتٍ أو ضغوطٍ خارجيةٍ مباشرة أو غير مباشرة.
- ضمان العدالة في توزيع الموارد
ويقصد بها وضع سياساتٍ واستراتيجياتٍ تضمن إدارة الموارد الطبيعية والمالية والبشرية بطريقةٍ مسؤولةٍ، وبما يكفل توزيع مكاسب التنمية بشكلٍ عادلٍ بين مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية، من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتقليل التفاوتات التي تهدد التماسك والأمن القومي.
- مواجهة المخاطر التي تهدّد التنمية الاقتصادية
ونعني بها وضع سياسات واستراتيجيات تهدف إلى التعرّف على التهديدات الاقتصادية المحتملة (داخلية أو خارجية)، والحدّ من آثارها السلبية، والتعامل مع تداعياتها لضمان استمرار عملية التنمية وعدم تعطّلها أو انحرافها عن أهدافها. علماً بأن هذه المخاطر يمكن أن تكون سياسية (مثل عدم
الاستقرار السياسي، الفساد)، مالية (كالتضخم والديون وتقلبات سعر الصرف)، وبيئية (مثل التصحر، تغير المناخ)، وإجتماعية (كالفقر، التعليم، الصحة، المخدرات)، وتكنولوجية (كالتسبب في البطالة البنيوية، زيادة الاعتماد على الخارج).
يستنتج من كل ما ورد سابقاً، بأنه رغم أهمية المفهوم الحالي للأمن القومي الاقتصادي العربي إلا أنه لا يستوعب المتغيرات المتسارعة في عصرنا الراهن.
لماذا بات التفكير برؤيةٍ جديدةٍ لمفهوم الأمن القومي الاقتصادي العربي ضرورةً ملحةً؟
الإجابة على هذا السؤال نلخصها في الأسباب والمبرّرات التالية:
- الحروب المباشرة والحروب بالوكالة التي شهدتها عددٌ من البلدان العربية ولا تزال.
- الطموحات (الأطماع) الإقليمية.
- الوتيرة المتزايدة للتهديدات البيئية مثل التصحُّر وتغيُّر المناخ والتلوث بمختلف أشكاله، والفقدان المتزايد للتنوع البيولوجي كانقراض بعض أنواع الحيوانات والنباتات وتدهور النظم البيئية، واستنزاف الموارد الطبيعية.
- الحرب السيبرانية.
- ارتفاع درجة الانكشاف الاقتصادي.
- البطالة وتحديات النموّ السكاني.
- انعدام أو ضعف الأمن الغذائي والمائي.
- الفساد وغياب الشفافية والحوكمة.
- تصاعد النزاعات والتوترات بين القوى الكبرى وبسببها.
- تزايد التكتلات الاقتصادية إقليمياً وعالمياً.
- تنامي نسبة الاقتصادات غير الرسمية.
- الديون الخارجية والضغوط المالية.
وعليه، فنحن– في رأيي– بحاجةٍ إلى إعادة تعريف الأمن القومي الاقتصادي العربي، بحيث يأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
أولاً: التعامل مع الأمن الاقتصادي باعتباره يجسّد القدرة على المرونة والتكيف، وليس مجرَّد الحرص على الاكتفاء الذاتي دون توفّر أدواته ومتطلباته، فيصبح مجرد شعارٍلا أكثر.
ثانياً: إدماج الأبعاد الرقمية والتكنولوجية كعناصر أساسية وليست تكميلية، ولا التعامل معها باعتبارها مظهراً من مظاهر الترف، بل أن تصبح أركاناً رئيسةً في مفهوم الأمن القومي الاقتصادي الحديث.
ثالثاً: التهديدات البيئية لم تعد قضايا جانبية، بل تؤثّر بشكلٍ مباشرٍ في استدامة الموارد، والأمن الغذائي، واستقرار الطاقة، والبنية التحتية، والصحة العامة؛ أي أنها باتت من مكوّنات المفهوم الحديث للأمن القومي الاقتصادي العربي.
ما هي المرتكزات الرئيسة للمفهوم الحديث للأمن القومي الاقتصادي العربي؟
نحاول فيما يلي تلخيص تلك المركزات في النقاط التالية:
- الأمن الغذائي والمائي:
- ضمان المستويات الآمنة في السلع الأساسية، أي الوصول إلى حد أدنى آمن من الإنتاج المحلي للسلع الأساسية مثل: الغذاء (حبوب، قمح، أرز، خضروات) والماء (مصادر مياه صالحة للشرب والاستخدام الزراعي والصناعي)، إذا توفرت الأدوات والظروف الملائمة لذلك.
- الاستثمار في الزراعة والتقنيات المائية.
- أمن الطاقة:
تنويع مصادر الطاقة (الطاقة المتجدّدة كنشاطٍ استراتيجي). فالطاقة المتجدّدة (مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) ليست مشروعاً ثانوياً أو اختيارياً، بل يجب أن تصبح نشاطاً استراتيجياً طويل الأمد داخل إطار المفهوم الحديث للأمن القومي الاقتصادي العربي.
- أمن سلاسل الإمداد:
- الحفاظ على التدفق المنتظم للسلع والخدمات والمواد الأولية، فأي تعطّل في تدفق هذه العناصر يؤدي حتماً إلى حدوث ندرة في السلع أو المواد الأولية أو ارتفاع أسعار، وتوقف خطوط الإنتاج والصناعات، وإرباك الأسواق وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
- تطوير البنية التحتية واللوجستيات العربية أي جميع الأنشطة والخدمات المرتبطة بتسهيل حركة السلع والبضائع والأشخاص والمعلومات عبر الدول العربية.
- أمن العملة والسياسات النقدية والمالية
- حماية الاستقرار المالي وسعر الصرف.
- تقوية البنوك المركزية وتطوير الأنظمة المصرفية بما يواكب التحول الرقمي فيها.
- حماية الاحتياطيات الأجنبية.
- ضبط العجز في الموازنة.
- تجنب الديون المفرطة.
- توجيه الإنفاق نحو التنمية المستدامة.
- أمن الاستثمار ورأس المال
- حماية تدفّق واستقرار رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية.
- ضمان بيئة استثمارية آمنة وشفافة وفعّالة.
- تقليل المخاطر التي قد تؤدي إلى هروب رأس المال أو تعطيل المشاريع الإنتاجية، وبما يدعم النمو ويعزز القدرة التنافسية.
- تشجيع المدخرات الوطنية وتحفيز إعادة استثمار الأرباح محلياً.
- وضع تشريعاتٍ عادلة لحماية المستثمرين مع ضمان السيادة الوطنية.
- الإدارة العقلانية لرؤوس الأموال السيادية والاستثمارات العابرة للحدود من خلال تنويع استثماراتها، والحرص على تجنُّب المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤدي إلى تجميد الأصول أو الاستيلاء عليها في الخارج.
- الأمن الصناعي والتكنولوجي
- دعم التصنيع المحلي والابتكار وريادة الأعمال: ويقصد بــ”التصنيع” تعزيز القدرات الإنتاجية الوطنية في الدولة لصناعة المنتجات التي يحتاجها السوق المحلي أو يمكن تصديرها، لأنه يقلّل الاعتماد على الاستيراد، ويوفّر فرص عمل، ويرفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ويحمي الاقتصاد من صدمات الأسواق الخارجية، ويمكن دعمه من خلال سياسات وإجراءات كالحوافز الضريبية، وتطوير المناطق الصناعية، وتبسيط إجراءات الترخيص، وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة.
- ويقصد بالابتكار القدرة على تطوير منتجات وخدمات وأساليب عمل جديدة أو محسّنة، لأنه يعزّز التنافسية ويجعل التصنيع المحلي أكثر كفاءة وجودة. كما يدعم الانتقال إلى اقتصاد المعرفة بدلاً من الاقتصادات الريعية أو التقليدية، وذلك من خلال الاستثمار في البحث والتطوير R&D، والدفع باتجاه تشجيع الشراكات بين الجامعات وقطاع الصناعة ومراكز البحث العلمي، وتوفير التمويل للمشاريع المبتكرة، وتطوير الكفاءات البشرية. وهنا يأتي دور ريادة الأعمال وذلك بتمكين الأفراد والشركات الناشئة Startups من تأسيس مشاريعَ خاصةٍ مبتكرة تضيف قيمة للاقتصاد مما تحفّز وتدعّم النمو والتنوع الاقتصاديين.
- توطين التكنولوجيا وبناء الاقتصاد الرقمي، أي تحويل التكنولوجيا من مُنتَجٍ مستورَدٍ إلى جزءٍ أصيلٍ من القدرات الوطنية، مع توسيع استخدام التقنيات الرقمية لدفع الاقتصاد نحو المزيد من الابتكار والنمو.
- الأمن الرقمي والسيبراني
- ويعنى إقامة وحماية البنية التحتية الرقمية، والبيانات، وأنظمة المعلومات التي يعتمد عليها الاقتصاد من المخاطر السيبرانية كالقرصنة، والهجمات التخريبية، والتلاعب بالبيانات أو سرقتها.. وغير ذلك. وتتجلّى أهميته من انتشاره عالمياً، ومن توجُّه عددٍ من الاقتصادات العربية إلى رقمنة قطاعاتها كالإمارات والسعودية مثلاً.
- العمل باتجاه أن تعتمد قطاعات النفط والغاز والطاقة المتجددة بل حتى القطاعات الحيوية كالموانئ البحرية والجوية وبشكلٍ متزايدٍ على الأنظمة الرقمية.
- حماية سلاسل الإمداد والتجارة، وذلك لتأمين استمرار تدفق المواد الخام والسلع والخدمات من الموردين إلى المستهلكين بكفايةٍ وفاعليةٍ وأمان، حتى عند حدوث الأزمات أو التحديات العالمية مثل الجوائح أو النزاعات أو الكوارث الطبيعية. الهدف هو تقليل المخاطر وما يسببه التأخير والانقطاع الكلي أو الجزئي لضمان استقرار الأسواق.
- العدالة الاقتصادية والتنمية المتوازنة
- تقليص الفوارق في الدولة العربية الواحدة وفيما بين الدول العربية، بهدف تضييق الهوّة أوالفجوات الاجتماعية والاقتصادية لمكافحة مظاهر الفقر والتهميش.
- تعزيز التنمية البشرية وخلق الفرص الاقتصادية المتكافئة بهدف تحقيق نمو اقتصادي يشمل جميع المناطق الجغرافية والقطاعات الإنتاجية دون تركيز الثروة والخدمات في مدن أو مناطق أو قطاعات معينة فقط، مع مراعاة استدامة الموارد البيئية والاجتماعية.
ما هي آليات تحقيق المفهوم الحديث للأمن القومي الاقتصادي العربي
يمكن تلخيص تلك الآليات على النحو التالي:
العمل باتجاه تعزيز أيّ شكلٍ من أشكال التكامل الاقتصادي العربي حتى لو كان على هيئة “تكتلاتٍ”، لأن ذلك– في رأيي– سيزيد القوة التنافسية للدول العربية في مواجهة التكتلات الدولية الكبرى، وسيساهم في الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، مما يؤدي إلى تقليل التبعية الاقتصادية للخارج، فضلاً عن ذلك سوف يعزّز القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال:
- الإزالة التدريجية للعوائق الجمركية وغير الجمركية
- تطوير البنية التحتية المشتركة (ربط شبكات النقل والطرق والسكك الحديدية بين الدول العربية، وتطوير الموانئ البحرية والجوية لتعزيز التجارة البينية.
- توحيد المواصفات والمعايير من خلال اعتماد شهاداتٍ موحَّدةٍ للجودة والمعايير الفنية لتسهيل تبادل المنتجات.
- تيسير حركة رؤوس الأموال والأفراد، بما يحقق مزيداً من الاستثمارات العربية البينية، وذلك من خلال اتفاقيات حماية وتشجيع الاستثمار، وتسهيل منح التأشيرات لرجال الأعمال والعمالة الماهرة.
- تعزيز التعاون الصناعي والزراعي من خلال إنشاء مناطق صناعية مشتركة، والعمل باتجاه تطوير سلاسل إمداد عربية متكاملة بدلاً من الاعتماد على موردين من خارج المنطقة.
- بناء مؤسساتٍ عربيةٍ تعاونيةٍ مشتركة كتأسيس مركزٍ عربيٍّ للأمن الغذائي والمائي، وهيئةٍ عربيةٍ للتحوّل الرقمي والأمن السيبراني، ومركزٍ للطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، ومركزٍ عربيٍّ لوجستي للنقل وسلاسل الإمداد وغيرها كثير. بالإضافة إلى تفعيل المؤسسات العربية المشتركة القائمة عبر تنشيط وتفعيل دور جامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية والصناديق الإنمائية وتذليل الصعوبات التي تعترض نشاطها.
- إنشاء مراكز إنذارٍ مبكّرٍ للأزمات الاقتصادية والسياسية، على طريق إنشاء مجلس أمن قومي اقتصادي عربي تحت مظلة جامعة الدول العربية.
- بناء استراتيجيات وطنية وقومية للاستدامة.
- تطوير البنية التشريعية والرقمية– وعلى نحوٍ مشترك– لحماية الاقتصادات العربية.
- دعم البحث العلمي الاقتصادي والتخطيط الاستراتيجي.
ما هي التحديات التي تقف أمام الأمن القومي الاقتصادي العربي؟
لا شكّ، بأنهناك العديد من التحديات والصعوبات التي تقف أمام الأخذ بالأمن القومي الاقتصادي العربي، نشير فيما يلي إلى أهمّها:
- عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة: حيث تشهد بعض الدول العربية حروباً أهلية، وحالات عدم استقرار متواصلة إلى جانب تدخلات أجنبية واضطرابات داخلية تؤدي إلى زعزعة الاقتصاد وضعف الاستثمار، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل البنى التحتية والقدرة الانتاجية والنشاط التجاري.
- ضعف التكامل الاقتصادي العربي: فالتجارة البينية العربية لا تمثل سوى نحو 10% إلى 14% من إجمالي التجارة العربية كما تفتقر السياسات المالية والنقدية إلى التنسيق، مما يسبّب ضياع مزيدٍ من الفرص في ميدان التكامل الاقتصادي.
- الاعتماد المفرط على النفط والغاز (الموارد الطبيعية)، مما يجعلها عرضةً لتقلُّبات الأسعار العالمية.
- البطالة بين الشباب والضغوط الديموغرافية، حيث تُسجّل منطقتنا العربية واحدةً من أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم (تزيد عن 25%). وينجم عن ذلك كثير من التداعيات السلبية مثل الاضطرابات الاجتماعية من جهة، وسوء استغلال الموارد البشرية من جهةٍ أخرى.
- انعدام/ ضعف الأمن الغذائي والمائي: إذ تستورد العديد من الدول العربية أكثر من 65% من احتياجاتها الغذائية من جهة، وتفاقم تغيرات المناخ وشح المياه هذه الهشاشة من جهة أخرى تزيد من درجة الانكشاف الاقتصادي. علماً بأن قرابة 88 % من واردات الدول العربية تأتي من خارج دولها وذلك وفقاً لتقرير من ESCWA “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا” و” التقرير الإحصائي لمراجعة التجارة العالمية لعام 2023″.
- التقلبات الاقتصادية العالمية: حيث تعتمد الاقتصادات العربية وخصوصاً الدول المصدرة للنفط والغاز بشكلٍ كبيرٍ على النمو العالمي وهي بالتالي عرضة للركود والأزمات المالية وتقلبات أسعار المنتجات، مما يترتب عليه عجزٌ ماليٌّ وتراجعٌ في الاحتياطيات الأجنبية.
- أعباء الديون وبرامج التكيّف الهيكلي: حيث تعاني دول عربية منها مصر ولبنان والسودان على سبيل المثال لا الحصر من مستويات مُقلقة من الدين العام، ومن أعباء الديون وهذا يؤدي بالضرورة إلى خفض الاستثمارات العامة وتقليص شبكات الأمان الاجتماعي.
- ففي مصر مثلاً وبناء على بيانات أحدث نشرة إحصائية صادرة عن البنك المركزي المصري فقد وصل الدين الخارجي إلى 155.09 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2024، مقابل 155.20 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2024. ووفقاً لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي 2025 الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل من العام الحالي، بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في مصر 90.93% في العام الماضي2024، وأنها من المرجح أن تنخفض إلى 86.59% في العام الجاري.
- الفجوة الرقمية والتخلف التكنولوجي: لم يعد سرّاً أن كثيراً من الدول العربية تواجه ضعفاً في البنية التحتية الرقمية وانخفاضاً في الاستثمارات الموجَّهة إلى البحث العلمي والابتكار، وهذا قطعاً سيكون له آثار سلبية على مستوى تنافسيتها في الاقتصاد الرقمي العالمي.
- الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل: لا تزال الهوّةُ شاسعةً بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويتجسَّد ذلك في أن مخرجات التعليم في العديد من الدول
العربية لا تتوافق مع متطلبات السوق. وبناءً عليه، نجد بطالةً بين أوساط الخريجين من جهة، وانخفاضاً في الإنتاجية من جهةٍ أخرى.
المحور السابع:
ما هي سبل مواجهة تلك التحديات ؟
سبل مواجهة تلك التحديات كثيرة، لكننا هنا نذكر أبرزها، وهي:
- تعزيز الاستقرار السياسي عبر بناء أنظمةٍ سياسيةٍ قادرةٍ على إدارة الخلافات الداخلية بطرقٍ سلمية، وتحقيق مشاركةٍ حقيقيةٍ للمجتمع، وضمان الأمن الداخلي وعدم الانزلاق إلى نزاعات أو صراعات تقوّض التنمية، واعتماد الحكم الرشيد أي الأخذ بالمبادئ التي تدير وتحكم بكفاءةٍ واقتدارٍ ونزاهة كالشفافية، والامتثال، والمساءلة، وسيادة القانون، والمشاركة المجتمعية. ومكافحة الفساد من خلال وضع سياساتٍ وآلياتٍ للحدِّ من إساءة استخدام الموارد العامة أو استغلال المناصب لتحقيق مصالح خاصة، بما يضمن توجيه الأموال والموارد نحو الأهداف التنموية الفعلية.
- العمل على تفعيل خطط التكامل الاقتصادي الإقليمي كإعادة تفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى أو إنشاء كتلةٍ أو كتلٍ اقتصادية عربية.
- تسريع التنويع الاقتصادي أي تقليل الاعتماد المفرط على قطاعٍ واحدٍ أو مصدر دخل أساسي كالنفط والغاز في بعض الدول العربية، والاستثمار في رأس المال البشري عبر تطوير التعليم بجودة عالية من التعليم الأساسي حتى التعليم العالي والتقني، والتدريب المهني المستمر وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتحسين الرعاية الصحية لحماية القوى العاملة، وتشجيع الإبداع وريادة الأعمال لدى الشباب، وتمكين المرأة وزيادة مشاركتها الاقتصادية.
- تعزيز القدرة على التكيُّف مع تغير المناخ والصدمات العالمية من خلال تخطيط استراتيجي مستدام، وذلك من خلال امتلاك القدرة على امتصاص آثار الأزمات والتغيرات المفاجئة كالكوارث الطبيعية، تقلبات أسعار الطاقة، الجوائح، النزاعات، الأزمات المالية، والمحافظة – رغم ذلك – على استمرار النمو الاقتصادي والخدمات الأساسية، من اعتماد أسلوب تخطيط طويل المدى يوازن بين تلبية احتياجات التنمية الحالية، والحفاظ على الموارد للأجيال القادمة، وتقليل المخاطر المناخية والبيئية، وبناء سياساتٍ مرنةٍ قابلة للتكيُّف عند حدوث أزمات.
ويمكن هنا أن نذكر أمثلةً تعزز ما ورد أعلاه:
- التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة لتقليل انبعاثات الكربون.
- تطوير الزراعة الذكية المقاومة للجفاف والحرارة.
- بناء احتياطاتٍ غذائيةٍ واستراتيجيةٍ للأمن الغذائي.
- تعزيز الشراكات الإقليمية لتبادل الخبرات وإدارة الأزمات المشتركة.
- اعتماد سياسات تأمين اجتماعي تحمي الفئات الضعيفة أثناء الأزمات.
الخاتمة:
إن إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي الاقتصادي العربي برؤيةٍ جديدةٍ يقتضي إعادة التفكيرفي ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأسس الفكرية الحديثة والواقع الذي نعيشه، لكي نتمكن من تأمين مرونة الاقتصادات، واستدامة التنمية، وتحقيق الاستقلال النسبي للقرار الاقتصادي.
أسسٌ فكرية تتجنّب التصورات والقوالب التقليدية التي اختزلت الأمن القومي الاقتصادي في حماية الحدود أو الموارد الطبيعية فقط، لتقدّم رؤيةً شاملةً متكاملةً تنظر إلى الإنسان، والمؤسسات، والتكنولوجيا، والمعرفة، باعتبارها موارد أمنٍ قوميّ لا تقلُّ أهميةً عن النفط أو الغاز.
رؤيةٌ تستوعب معطيات التطورات المتسارعة في عصرنا الراهن، وتستشرف المستقبل بمختلف أبعاده استشرافاً يدفع نحو إعداد ما يلائم الحاضر ويتهيأ للغد.
رؤيةٌ تنطلق من أنَّ الأمن القومي الاقتصادي العربي لا يمكن ضمانه على مستوى البلد الواحد فقط، بل أيضاً عبر تكامل عربي ذكي وتنسيق شبكي يشمل سلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، والطاقة المتجددة.
رؤية تنظر إلى الموارد البشرية باعتبارها أصولاً حيّةً متجدّدةً، وتتبنّى فكرة أن المفهوم الحديث للأمن القومي الاقتصادي العربي يقوم على أساس أن الاستثمار في الإنسان وحمايته وتنمية مهاراته هو خط الدفاع الأول أمام الأزمات والتغيرات التكنولوجية.
المراجع:
- مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، (تقارير دورية لسنوات مختلفة).
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، تقارير التنمية البشرية العربية، نيويورك، الأمم المتحدة.
- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، واشنطن، 2024
- صندوق النقد الدولي. (2024) بيانات الدين الخارجي وخدمة الدين – مصر ولبنان. Washington, DC: IMF Data.
- البنك الدولي، World Development Indicatorsواشنطن، 2024
- البنك المركزي المصري، نشرات إحصائية، 2025.
- تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، ESCWA، 2023
- التقرير الإحصائي لمراجعة التجارة العالمية – (World Trade Statistical Review 2023)

الآمن القومي واستشراف مشاهد المستقبل العربي حتى عام 2050
أ. د مازن الرمضاني
- أستاذ العلوم السياسية/ السياسة الدولية ودراسات المستقبلات- لندن
- رئيس وحدة استشراف المستقبلات

مقدمة
- أهمية موضوع الدراسة
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتناول بالبحث في العلاقة المركبة بين موضوعين مهمين، هما الامن القومي العربي من ناحية واستشراف مشاهد مستقبل الوطن العربي حتى عام 2050 من ناحية أخرى.
فأما عن أهمية الآمن القومي العربي، فهي تقترن بحصيلة تأثير مدخلين أساسيين ينسحبان على كافة الدول المعاصرة.
فأما عن المدخل الاول، فهو يقترن بأهمية دالة مفهومه وحيوية مضمونه.
منذ نشوء الدولة القومية في أوربا جراء معاهدة وستفاليا عام 1648م، ومفهوم الآمن القومي (National Security) يستخدم للتعبير عن أمن جماعة قومية متميزة تعيش على ارض واحدة وتشترك بوحدة المواطنة، الانتماء للأرض وللقوم/ أي الجماعة/ في أن. بيد أن التجربة الدولية تفيد أن هذه الجماعة القومية عندما تتجزأ إلى دول مستقلة فأنها تعمد إلى جعل ضمان أمنها الذاتي/ أي الوطني/ أهم أولوياتها الوطنية، علما إن هذا الامن قد يتماهى مع الامن القومي للجماعة القومية أو يتقاطع معه. وينسحب ما تقدم على العلاقة بين الآمن القومي العربي، بمعنى أمن الآمة العربية، وبين الآمن الوطني/القطري/ بمعنى أمن كل من الدول العربية على انفراد.
وعلى الرغم من تباين دالة مفهوم الامن القومي لإحدى الامم عن دالة مفهوم الآمن الوطني لإحدى الدول، إلا أنهما يستخدمان، في أحيان، على نحوٍ متداخل. ويرد هذا الاستخدام إلى التباين في ترجمة كلمة National)) الإنكليزية، أما إلى قومي أو إلى وطني .
ومع هذا التباين في استخداماته، الا أن اغلب الروى ذات العلاقة بجوهره تلتقي عند قاسم مشترك مفاده أن الأمن يعني بالحصيلة الشعور بغياب التهديد أو الخطر. وقد تماهى المؤتمر الاول لوزراء الداخلية العرب مع هذه الرؤية إذ أكد أن الامن يستوي” وعدم الخوف، أي الطمأنينة والثقة والهدوء.”.
ولقد تطور مفهوم الآمن القومي، أو الوطني، خلال زمان الحرب الباردة وما بعدها، في كنف رؤيتين مختلفتين: رؤية عسكرية، واخرى مجتمعية.
فأما عن الاولى، فقد أدركت أن التحديات التي تجابه الدولة هي عسكرية خارجية أساسا. لذا ذهبت إلى ربط الآمن بالاستراتيجية العسكرية للدولة وسياستها العسكرية. فالآمن القومي أو الوطني كان يدرك بدالة قدرة الدولة على ضمان حدودها السياسية بالقوة العسكرية، أي بمعنى الآمن العسكري ولا غير.
وأما عن الثانية، فلقد افادت أن التحديات التي تجابه الدولة لا تقتصر على التحديات العسكرية الخارجية، وإنما تمتد لتشمل، أيضا تحديات أخرى متعددة ومتنوعة المضامين، لا تقل خطورة عن تلك العسكرية، سيما وأن تفاقمها قد يؤدي الى السقوط من الداخل قبل السقوط من الخارج. لذا عمدت هذه الرؤية المجتمعية إلى ربط مفهوم الآمن بمفهوم أخر اشمل هو التنمية بأبعادها المتعددة، واكدت أن الآمن إنما يعبر اساسا عن قضية دفاعية وتنموية في أن. وقد أضحت هذه الرؤية تتمتع حاليا بانتشار واسع.
وقد ساعد على ذلك خصائص عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة. فمخرجات هذه الخصائص أدت إلى ربط تأمين الآمن القومي بتأمين مدخلاته/ مستلزماته/ الأساسية، ومثال بعضها يكمن في الدفاع عن الكيان المادي للامة أو الدولة الذاتي ( الآمن العسكري), وضمان الموارد والبناء الاقتصادي و ديمومة النهوض التنموي ،(الآمن الاقتصادي) فضلا عن تأمين البناء الحضاري ( الآمن الثقافي), والارتقاء العلمي ( الآمن العلمي), ناهيك عن تكريس الوحدة الوطنية والنظام السياسي ( الآمن السياسي)… الخ.
ومن أجل ضمان الأنماط المتعددة للآمن ، تفيد التجربة أن الدول لم تعد تتوان، وتبعا لنوعية قدراتها الموضوعية ومن ثم نوعية تأثيرها الدولي، عن توظيف هذه القدرات سبيلا للارتقاء باستجاباتها الحضارية إلى مستوى التحديات، التي تجابهها في الحاضر، وتلك التي يمكن أيضأ أن تجابهها في المستقبل. ومن هنا ينطوي على مفهوم إيجابي قوامه السعي الدؤوب نحو احتواء التحديات الأمنية الداخلية والخارجية في جميع الأوقات.
ويكمن هذا السعي في أن غياب أو تآكل تحديات الآمن القومي في زمان لا يعني غيابها أو تآكلها في زمان أخر، خصوصا عند بروز معطيات موضوعية، داخليا أو إقليميا أو عالميا، تفضي إلى دعم بروز هذه التحديات. ومن هنا تنبع حيوية موضوع ضمان الآمن القومي، كمستلزم وجودي لكافة الدول، من ديمومة نزوعها، الى ضمان حاضرها، والتطلع إلى تأمين مستقبلها في آن. ولهذا يتسم
بالدينامية، فضلا عن ارتباطه بحركة تتميز بخصوصيتها وعقلانيتها، وشمولية ابعادها في آن.
ولان الأمن، سواء القومي أو الوطني، ينصرف أساسا إلى حماية كيان الأمة أو الدولة وقيمها ومصالحها الأساس، نرى أنه يعبر عن قدرة الآمة (أو الدولة), والأدوات التي تعبر عنها، على ضمان قيمها ومصالحها الأساس من مختلف اشكال التهديد تحريرا لحركتها الداخلية والخارجية. ولهذا يعد بمثابة حلقة الوصل الوطيدة بين الآمن الداخلي والآمن الدولي, ومن ثم بين السياستين الداخلية والدولية.
والشيء ذاته ينسحب، وبالضرورة، على الآمن القومي العربي سيما وأنه يستوي ووسيلة العرب الأساس نحو بناء القدرة الشاملة والفاعلة داخليا، والدور السياسي الدولي الفاعل خارجيا سبيلا لضمان الوجود العربي في الحاضر والمستقبل. لذا يُعد ضمان هذا الآمن شرطا أساسيا لتحقيق هذه الأهداف الأساسية. لذا من نافلة القول إن مخرجات تردي معطيات الواقع العربي الراهن لا ينبغي أن تحول دون استمرار تمتع الآمن القومي العربي بالأولوية في سلم الاهتمامات العربية، رسميا واجتماعيا.
وأما عن المدخل الثاني الذي يفيد بأهمية موضوع الامن القومي، فله علاقة بدور المعرفة المتجددة في عالم أضحى يتميز بالتداخل والتعقيد والتغيير السريع. فهذا الدور لا يكمن فقط في الحصول على المعرفة، وانما توظيفها إيجابا لأغراض التخطيط الإستراتيجي واتخاذ القرار وتنفيذ السياسات سبيلا لفض إشكاليات الحاضر والاستعداد للاحتمالات المتعددة للمستقبل. ويكاد الرأي يتفق على أن الإشكاليات الامنية الداخلية والخارجية، التي تتساوى كافة الدول في المعاناة منها وإن بنسب ودرجات متباينة، استمرت تشكل حافزا مهما وراء توظيف المعرفة من أجل تبني تلك السياسات الرامية إلى التعامل الإيجابي مع هذه الإشكاليات سبيلا أما لفضها، أو لاحتوائها في الاقل.
فأما عن أهمية استشراف مشاهد المستقبل العربي فهي تنبع من جدوى التطبيق العملي للتفكير العلمي في المستقبل سبيلا لاستشراف المشاهد الممكنة وأو المحتملة و/أو المرغوب فيه لمستقبل أحد مواضيع الاهتمام ذات البعد أما الكلاني/ الشامل/ أو الجزئي. وبهذا الصدد، لنتذكر أن التفكير الإنساني في المستقبل، القديم أصلا، اتخذ منذ نحو منتصف القرن الماضي من المقاربة المنهجية العلمية سبيلا لاستشراف مشاهد المستقبل استباقا واستعدادا للزمان القادم بعد الحاضر. ويسمى هذا النمط من التفكير بالتفكير العلمي في المستقبل. أما تطبيقاته العملية فتطلق عليها أكثرية المستقبليين في العالم تسمية دراسات المستقبلات (Futures Studies).
وقد صار هذا النمط من التفكير وتطبيقاته العملية يحظى الان بانتشار سريع في عالمي الشمال والجنوب على السواء وإن بتباينات مهمة، هذا جراء الادراك الإنساني بجدواه العلمية والعملية: فعلميا هو يسهل نشر ثقافة الانحياز إلى المستقبل داخل هذا المجتمع أو ذاك، ومن ثم يؤجج استعداده المسبق انطلاقا من الحاضر، لتطويع ما يُعد مجهولا في زمان الحاضر عن المستقبل. أما عمليا فهو يفضي إلى صناعة المستقبل من خلال استشراف مشاهده البديلة أولا ومن ثم ترجمة المشهد الأفضل من بينها إلى واقع ملموس.
وانطلاقا من جدواه العلمية والعملية، غني عن القول إن الاهتمام الإنساني في المستقبل لا يقف عند حد القناعة بقدرته على استشراف مشاهده، وإنما يمتد أيضا إلى الاعتقاد بقدرته على صناعته وعلى النحو الذي يتماهى مع رؤيته وارادته، حتى وان بدت هذه القدرة، في وقته، وكأنها تستوي والخيال. وتجربة التاريخ تنطوي على امثلة تؤكد أن ثمة أشياء عدت في وقته مستحيلة الانجاز، ولكنها تحققت لاحقا. ومنها مثلا رحلة وصول الانسان، ولأول مرة، في عام 1969 إلى القمر. فهذه الرحلة التي تمت بطريقة تماهت تقريبا وتلك التي وصفها أحد رواة الخيال العلمي المشهورين في العالم هو الفرنسي جول فيرن Jules Verne,1828-1905)) في روايته واسعة الانتشار عالميا المسماة من الأرض إلى القمر.
- إشكالية الدراسة
على خلاف زمان بداية انطلاقتها نحو منتصف العقد الرابع من القرن الماضي، لم تعد جل التطبيقات العملية للتفكير العلمي في المستقبل ترى في المستقبل امتدادا اتجاهيا وحتميا لتأثير حقائق الماضي، وإنما أضحت تدركه مفتوحا على العديد من المشاهد البديلة: الممكنة، المحتملة، المرغوب فيها. والشيء ذاته ينسحب على الوطن العربي. فمستقبله، أي الزمان العربي القادم بعد الحاضر، بمعناه اللغوي، لا ينغلق على مشهد واحد وحتمي فقط، وإنما ينفتح على العديد من المشاهد في أن.
بيد أن عدم اليقين الناجم عن كيفية تطور معطيات الواقع العربي، وبضمنها تلك ذات العلاقة بالآمن القومي، خلال الزمان الممتد إلى عام 2050, ومن ثم غموض العلاقة الطردية الموجبة أو العلاقة العكسية السالبة بين معطيات الآمن القومي العربي كمدخل، والمشاهد التي يمكن، أو يحتمل، أن يقترن بها المستقبل العربي في العام ذاته كمخرج، هو الذي يؤسس لإشكالية دراستنا هذه.
- فرضيات الدراسة
لا يعمد الاستشراف لمشاهد المستقبل إلى تجاوز علاقة التفاعل الوطيد بين متغيرات الزمان وحركته نحو المستقبل . فبدون الزمان ومتغيراته ينتفي الوعاء الذي يحتضن هذه الحركة. وبدون هذه الحركة تتجمد ابعاد دورة الزمان في الحاضر. وغني عن القول إن دورة الزمان تتميز بالامتداد التلقائي لأبعادها، أي من الماضي إلى الحاضر ومن ثم إلى المستقبل .
ولان التاريخ، كحصيلة لحركة الزمان، يُعد مخرجا لتفاعل ثمة قوانين تتحكم، سلبا أو أيجابا، في مخرجات ابعاده، ولاسيما قانون الاستمرارية وكذلك قانون التغيير، تؤكد هذه المخرجات أن مسيرة التاريخ قد شهدت تحولات مهمة افضت إلى ابدال حال بأخر مختلف. فكما أن مخرجات الحربين العالميتين الأولى والثانية مثلا قد افضت الى إعادة هيكلة النظام السياسي الدولي على نحو مختلف عما كان عليه الحال قبل اندلاعهما، كذلك دفع انتهاء الحرب الباردة إلى الشيء ذاته.
بيد أن التغيير الذي افضت اليه الحروب العالمية والتحولات السياسية الدولية تزامن، في الوقت ذاته، مع استمرار معطيات محددة ذات تأثير فاعل وممتد. فالتضاد، بل وحتى الصراع على الصعيد الدولي مثلا، بين الذين يملكون والذين لا يملكون، أوبين الأقوياء وغير الاقوياء، استمر مؤثرا في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة مثلما كان دوما عبر الزمان. فالصراع الدولي، كظاهرة دولية ممتدة عبر الزمان، لم تحل دونها حتى التحولات الداخلية والخارجية الإيجابية هنا أو هناك التي تتقاطع واياها مضامينها.
في أدناه سنعمد انطلاقا من معيار محدد، هو الواقع العربي الممتد إلى عام 2050 من حيث استمرار أو تغير معطياته ومتغيراته الداخلية والخارجية الأكثر يقينية وتأثيرا في انماط، سلوك الدول العربية كافة ، وكذاك من أن المستقبل قد يقترن بمشهد لم يصر إلى التفكير به في الحاضر، سنعمد، وعلى وفق اليات مقاربة بناء المشاهد المذكورة في ادناه، إلى البرهنة على مدى مصداقية ثلاث فرضيات سبيلا لاستشراف ثلاثة مشاهد بديلة للعلاقة بين الامن القومي والمستقبل العربي في عام 2050. وهذه الفرضيات هي الاتي:
الفرضية الأولى، إن امتداد مخرجات عموم المعطيات السلبية، الداخلية والخارجية، التي يقترن الواقع
الراهن للأمن القومي العربي بها إلى عام 2050 قد يؤدي، بالتفاعل مع معطيات عربية سلبية أخرى، إلى مشهد مستقبلي عربي قوامه استمرارية واقع التردي والانكشاف.
الفرضية الثانية، إن احتمال اقتران الامن القومي العربي خلال الزمان الممتد إلى عام 2050 بواقع مختلف عن الراهن، جراء تأثير ثمة تحولات ايجابية، كمية وكيفية، على صعيد الوطن العربي وبمخرجات تجعله يتميز بالفاعلية الداخلية والخارجية، قد يدفع إلى تبلور مشهد مستقبلي عربي أخر يعبر عن بداية التغيير والارتقاء.
الفرضية الثالثة، إن تزامن استمرار المعطيات العربية السلبية متفاعلة مع تحولات عربية إيجابية ذات علاقة بالأمن القومي خلال الزمان الممتد إلى عام 2050, قد يفضي إلى مشهد مستقبلي عربي يجمع في أن بين مضامين المشهدين السابقين، أي بين مشهد استمرارية التردي والانكشاف ومشهد بداية التغيير والارتقاء .
- المقاربة المنهجية المستخدمة
للبرهنة على مصداقية الفرضيات أعلاه تم توظيف الإجراءات/الآليات/ المنهجية لمقاربة منهجية شائعة الاستخدام عالميا بين المستقبلين، هي مقاربة بناء المشاهد (Scenario Building Approach). وعندنا تتأسس هذه المقاربة على خمس خطوات إجرائية وكالاتي:
أولا، اجراء مسح شامل لبيئة موضوع الاستشراف في أزمنة الماضي والحاضر سبيلا لتحديد عموم تلك المعطيات والمتغيرات المرئية والمؤثرة، سلبا وايجابا، في مستقبل موضوع الاستشراف وبضمنه اتجاهاتها العامة، فضلا عن تحديد تلك المتغيرات الجنينية، بمعنى غير المرئية، في الحاضر، والتي يُطلق عليها تسمية Wild Card)) أو Black Swan) ), والتي ينطوي تبلورها اللاحق على تأثير مهم، سلبا أو إيجابا، في معطيات الحاضر. وتتطلب هذه الخطوة أيضا تحديد مدى يقينية وأهمية هذه المتغيرات بنوعيها.
ثانيا، وفي ضوء مخرجات الخطوة الأولى يصار إلى بلورة عدد من الافتراضات انطلاقا من السؤال الاتي: كيف ستكون مستقبلات موضوع الاهتمام في الزمان (س) لو ان معطيات ومتغيرات الحاضر استمرت ممتدة إلى زمان المستقبل (ص)، أو أنها تغيرت؟
ثالثا، على وفق نوعية الإجابة على السؤال الذي تتضمنه الخطوة الثانية أعلاه، يتم اعداد صياغات أولية لعدد من المشاهد البديلة لمستقبل موضوع الاهتمام.
رابعا، تقليص عدد المشاهد الأولية الناجمة عن الخطوة الثالثة من خلال المقارنة فيما بينها، ومن ثم اختيار تلك التي تتميز بالمصداقية والأبداع والابتكار. وتتجه التطبيقات العملية لهذه المقاربة إلى حصر هذه المشاهد المختارة بثلاثة منها في العموم.
خامسا، انجاز الصياغة اللغوية للمشاهد المختارة، وثم طرحها على صناع القرار او الراي العام لغرض الاستفادة العملية منها.
- هيكلية الدراسة
بالإضافة إلى مقدمتها وخاتمتها، تتوزع دراستنا هذه على فصلين اساسين: الأول يتناول تأثير معطيات حاضر الواقع العربي قدر تعلقها بالآمن القومي العربي. أما الثاني فهو يعمد إلى استشراف مستقبلاتالوطن العربي حتى عام 2050 في ضوء حصيلة هذا التأثير.
الفصل الاول: معطيات حاضر الامن القومي العربي
- توطئة
غني عن القول، أن الوطن العربي أستمر يتعرض، وعبر الزمان، لتحديات متعددة المصادر ومتنوعة المضامين. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن جانب من هذه التحديات، ولاسيما تلك الإقليمية والدولية، لم تكن تستطيع أن تكون مؤثرة لو إنها لم تتفاعل إيجابا مع معطيات داخلية سلبية تميز بها الواقع العربي عبر الزمان. لذا قيل إن الدول لا تسقط من الخارج إلا بعد أن تكون قد سقطت أولا من الداخل. إن محدودية التعاون الإستراتيجي العربي، في الآقل، على صعيد الآمن القومي هي التي جعلت مجمل هذه التحديات تأخذ أبعادا مختلفة العناوين والمضامين عالية الخطورة، وبمخرجات جعلت الوطن العربي يعيش حالة مستمرة من الشعور بعدم الآمن.
وانطلاقا من أن الوطن العربي، كسواه من الأقاليم الجغرافية الاخرى في العالم، لا يستطيع أن يكون بمعزل عن مخرجات معطيات عالم يتغير بسرعة ويتكون على نحوٍ جديد. وكذلك ايضا لا نستطيع، نحن العرب، التغاضي عن احتمالية مفادها أن مستقبلنا قد يكون امتدادا اتجاهيا لمعطيات حاضرنا أو قد لا يكون، نتساءل: ما الواقع الراهن للأمن القومي العربي وتحدياته خلال زمان المستقبل المتوسط الممتد من الان إلى خمسينيات القرن الحالي؟ وكيف يمكن ان تؤثر حصيلة مخرجات هذه التحديات بالتفاعل مع سواها من الإشكاليات العربية في بلورة مشاهد المستقبل العربي؟
1.1 الأمن القومي العربي: الواقع الراهن
قبل تناول هذا الواقع، ولو باختصار، تجدر الإشارة إلى أن ميثاق جامعة الدول العربية لم يتضمن نصا صريحا يتحدث عن الآمن القومي العربي وكيفية صيانته، هذا على الرغم من تأكيده، في مادته السادسة، على مبدأ الدفاع المشترك، أي تبادل المساعدة بين الدول العربية دفاعا عن المصالح الوطنية و/أو القومية. بيد أن خسارة العرب لحرب عام 1948 ادت إلى معالجة هذا الخلل عبر عقد
اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي في عام 1950, والتي دخلت حيز التطبيق عام 1952. وقد افادت مبادئ العمل التي انطلقت منها هذه الاتفاقية، والاجهزة العسكرية التي شكلتها، أن رؤية صناع القرار العرب للآمن القومي كانت ابتداء” عسكرية المضمون.
أن هذه الرؤية بدأت بالتحول، بعد عقد مؤتمر القمة العربية في عمان عام 1980 باتجاه الآخذ بالرؤية المجتمعية لمفهوم الآمن القومي. وقد جسد مؤتمر قمة بغداد عام 1990 هذا الاتجاه على نحو واضح. اذ جعل من ” الآمن القومي العربي والتهديدات التي يتعرض لها وكيفية مواجهتها” بمثابة عنوانه الرسمي، فضلا عن محور اهتمامه الأساس.
يفيد الواقع العربي عبر الزمان أن الوطن العربي أستمر يتعرض لتحديات متعددة المصادر ومتنوعة المضامين سنتناول امثلة منها في ادناه. وتجدر الإشارة إلى أن جانب من هذه التحديات، ولاسيما تلك التي مصدرها دول كبرى و/أو إقليمية ، لم تكن تستطيع أن تكون مؤثرة لو إنها لم تتفاعل إيجابا مع معطيات سلبية تميز بها الواقع العربي وعطلت من قدرة الارتقاء العربي إلى مستواها.
فهذا الواقع الذي، جسد ويجسد، نمط من السلوك العربي عمد إل تغليب المصالح القطرية أو الإقليمية الضيقة على حساب المصالح القومية الواسعة، فضلا عن انتفاء الفعل الاستراتيجي الموحد حتى في حده الأدنى، ناهيك عن دور هذا السلوك في تكريس التبعية لإرادة ومصالح ثمة دول عالمية التأثير، وكذلك في دعم وظيفة دول إقليمية، تحضي بالتشجيع الدولي، في سعيها الرامي إلى تطويق الجسد القومي العربي وانهاكه تمهيدا لاختراقه اللاحق استراتيجيا.
إن محدودية التعاون على صعيد الامن القومي العربي هي التي جعلت من مجمل تحدياته الداخلية والخارجية تأخذ أبعادا مختلفة العناوين والمضامين ذات الخطورة العالية.ومن هنا ليس موضوعيا القول إن الواقع العربي الراهن يكمن في إثر المتغيرات الخارجية فقط، ولاسيما التوافق الدولي والإقليمي على الحيلولة دون بروز الوطن العربي قود دولية قادرة على الفعل المؤثر، وإنما يكمن أيضا في عجز العامل الذاتي العربي. فهذا رتب ثمة مخرجات قوام أبرزها مثلا تكريس الثغرات الأمنية القائمة، فضلا عن تعطيل فاعلية مؤسسات العمل العربي المشترك وبمخرجات افضت بالوطن العربي إلى حالة مستمرة من الشعور بعدم الآمن.
وقد سبق لمحمود رياض، الآمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أن قال:”… إننا في العالم العربي مازلنا نعيش ذات الحالة التي كنا نعيشها منذ الأربعينيات… مازالت مشاكلنا الكبرى هي ذات المشاكل التي كنا نبحث لها عن حلول في ذلك الوقت. وبعد كل هذه السنوات مازال أمننا العربي مهددا أكثر من ذي قبل. وما زلنا عاجزين عن حمايته.” ولا نرى أن محمود رياض كان ذاتيا في تقيمه. فمعطيات ديمومة واقع التردي العربي الراهن تؤكد موضوعية تشخصية.
وانطلاقا من أن معطيات الحاضر تمهد بالضرورة للمستقبل بمشاهده المتعددة، لا مبالغة في القول إن هذا العجز العربي يؤسس لديمومة ثمة تحديات في الحاضر واحتمال استمرارها إلى المستقبل.
2.1 الامن القومي العربي وتحديات الحاضر والمستقبل
وانطلاقا من حقيقة موضوعية، تؤكدها تجارب الدول البازغة دوليا، مفادها أن الحاضر هو الزمان الذي تبدأ منه صناعة المستقبل المرغوب فيه، هذا بعد استشراف مشاهده البديلة، نرى أن العجز العربي على صعيد ضمان الآمن القومي في الحاضر دعم ويدعم تبلور ثمة تحديات ذات مخرجات مؤثرة في المستقبل العربي .ومنها مثلا الآتي:
1.2.1 تحدي إلغاء الهوية الثقافية العربية المشتركة
منذ نجاح مشروع تجزئة الوطن العربي، جراء اتفاقية سايكس بيكو عام 1016, وكيفية تكريس هذه التجزئة يُعد هدفا حرصت ثمة دول كبرى وأخرى إقليمية، رافضة لتحقيق مشروع التضامن والتكامل العربي، على تبني مشاريع تعددت وتنوعت مسمياتها عبر الزمان، ومنها مثلا مشروع الشرق الأوسط الكبير و/أو الجديد. وبهذه المشاريع أريد ويراد إحلال هوية جغرافية-سياسية تلغي الهوية الثقافية العربية المشتركة، وتجعل من الدول العربية مجرد أطراف في منطقة جغرافية متعددة الهويات الثقافية مركزها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي والامني إحدى الدول الإقليمية المؤثرة، والمدعومة دوليا ضمنا أو صراحة، كإسرائيل، أو إيران، أو تركيا. لذا نرى أن أخطار هذا المشروع، في حالة إنجازه، لا تقتصر على دول عربية محددة فحسب، وإنما تشمل كذلك الآمة بكاملها. إذ يحمل الآمة خسائر استراتيجية باهضه دون مبرر، ويضمن للدولة الإقليمية الراعية، وخصوصا إسرائيل، الامن والشرعية الإقليمية بثمن بخس.
وعلى الرغم من أن هذه المشاريع المقترحة لم يصار إلى ترجمتها عمليا بعد ، بيد أن تفاعل مخرجات المد القطري العربي مع تعاظم التأثير الإقليمي و/ أو الدولي في سياسات دول عربية يجعل التفتيت العربي بوسائل جديدة أمرأ قد يكون ممكننا. ومن هنا تستوي الأقوال التي يراد بها تسويق هذه المشاريع عربيا، ومنها إنها ستحقق الآمن والتنمية والرفاهية للعرب، تستوي والأقوال الخادعة والأوهام الكاذبة، فالآمن العربي والتنمية والرفاهية العربية أهداف تتقاطع أصلا مع مشاريع القوى الإقليمية والدولية المعادية لكل العرب.
2.2.1 تحدي وحدة المصير
لقد أفضت مخرجات الواقع العربي إلى أن تضحى الدولة القطرية العربية غير قادرة على حل إشكالياتها الذاتية و/أو المشاركة في حل تلك لسواها، فضلا عن التعامل الهادف مع معطيات عالم يتغير ويتكون تدريجيا بهرمية جديدة. صحيح أن أسوار القطرية ارتفعت عاليا، خلال العقود السابقة، وبمخرجات جعلت أمة العرب تفتقر للمشروع القومي وتأكل السعي لتحقيق أهدافه، هذا بالمقارنة مع أمم دول الجوار وإصرارها على تحقيق مشاريعها القومية على حساب العرب خصوصا. إن القول، الذي أضحت الدول العربية تأخذ به، أي نحن أولا، بمعنى ان ضمان مصالح القطرية هي الغاية النهائية لأنماط حركتها الداخلية والخارجية، يؤكد ما تقدم.
وعلى الرغم من أن السعي إلى تحقيق المصالح الوطنية يُعد أمرا مشروعا وضروريا، إلا إنه ليس بديلا في الأوقات كافة لسياسات عربية مشتركة تجمع، في أن، بين تحقيق المصالح الوطنية لكل دولة عربية والمصالح القومية لكل العرب. أن المعادلة، التي تفضي إلى تأمين ما تقدم، قد تتميز بصعوبتها في أحيان، بيد أن هذه الصعوبة تتراجع، إذ عمدنا، كعرب، إلى تبني ذلك النمط من التفكير، ومن ثم الإستراتيجية الناجمة عنه، الذي يجعل من الجهد العربي المشترك سبيلا للتعامل مع مختلف إشكاليات الواقع العربي، داخليا وخارجيا.
وكمثال على جدوى مثل هذا الجهد العربي المشترك، لنتذكر الخطأ الإستراتيجي الناجم عن الاعتماد على الأجنبي. ومهما كانت مسمياته، لضمان الآمن الوطني لهذه الدولة العربية أو تلك. فهذا الأجنبي لا يقدم دعمه إلا بالمقابل المجزي . ويقول، محمد حسنين هيكل، إن الولايات المتحدة الأمريكية، بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت في أب عام 1990,” … لم تحرك قواتها باتجاه الخليج العربي إلا بعد الاتفاق على دفع التكاليف، ولا يعرف التاريخ من قبل نظاما عالميا يمارس مهامه على طريقة مقاول توريد الأنفار ويغالط في عددهم أيضأ. ويتبع ما تقدم أن تسول الآمن من قوى دولية، لا هم لها سوى ضمان مصالحها، ينطوي على خسارة فادحة. ومن هنا يضحى السعي نحو ضمان الآمن القطري بمعزل عن الآمن القومي وهمأ كبيرا.
والشيء ذاته ينسحب على بقية الإشكاليات الهيكلية الخطيرة، التي تعاني منها الدول العربية. فعجزها، منفردة، عن إيجاد الحلول لها، هو الذي يجعل من العمل العربي المشترك والفاعل بمثابة الخيار المبدئي والموضوعي. لذا ينطوي الإصرار العربي على التنكر لحقيقة، أكدت تجارب التضامن العربية السابقة، على الرغم من محدوديتها، جدواها وهي أن فاعلية التأثير العربي يكمن في تضامن الدول العربية وتكاملهما، وليس في تشرذمها وتقوقعها على ذاتها. فتحديات الحاضر،
وهي عديدة، تتطلب الارتقاء بالاستجابة الحضارية العربية إلى مستواها. فغير ذلك نعرض، بإرادتنا، مصيرنا الوجودي لخطر لا يمكن القبول به تحت أي من التبريرات القطرية
3.2.1 تحدي التخلف الحضاري
لا تتماثل الدول العربية في درجة تطورها الحضاري، فالتباين بينها واسع . ولم يعد المرء يختلف حول المخرجات السلبية للتخلف الحضاري. فهو يحول، بالحصيلة، دون ارتقاء الدولة، أي دولة، إلى مستوى الدولة الفاعلة داخليا وخارجيا.
وكذلك، لا يستطيع المرء القول أن عموم الدول العربية استطاعت الارتقاء بواقعها إلى المستوى، الذي يتجاوز واقع الدول المتأخرة باتجاه واقع الدول السائرة حاليا في طريق النمو، والعديد من هذه الدول تنتمي جغرافيا إلى عالم الجنوب. فإضافة إلى أن معظم العرب لازالوا بعيدين عن التماهي مع تلك المجتمعات المعاصرة، التي تسميها دراسات المستقبلات، بمجتمعات المستقبل، التي تجعل من التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى سبيلا لصناعة مستقبلها المنشود، يعد أيضأ الموقف السلبي العربي من الزمان أحد المتغيرات المهمة الدافعة نحو ديمومة التخلف الحضاري. فعلى العكس من الإدراك المعاصر للزمان، والذي يتأسس على تلك العلاقة الطردية الموجبة بين حركة التاريخ والتغيير، لازالت جل مجتمعاتنا العربية تدرك الزمان إدراكا دهريا تقليديا مقاسا بعدد الساعات وليس بالحركة الدافعة للتغيير.
إن الماضوية، بمعنى إسقاط الماضي على الحاضر والمستقبل إسقاطا شاملا، والتي تنتشر على نطاق واسع داخل مجتمعاتنا العربية، تعبر عن رؤية خاطئة. فإسقاط ما كان على ما هو كائن وكذلك على ما سيكون يفضي بالضرورة إلى رؤية مجمل أبعاد الزمان وكأنها تستوي، مجازا، والبساط الممتد الذي لا يتحرك ولا يتموج، ومن ثم إدراك الزمان وكأنه زمان راكد. إن مثل هذه الرؤية تلغي تلك العلاقة الطردية الموجبة بين التغيير وحركة التاريخ، التي تفضي مخرجاتها بدورة الزمان إلى أن تتميز بخاصية التجدد، ومن ثم تتناقض هذه العلاقة وحالة الركود الداعمة لإدامة واقع التراجع والتخلف الحضاري .
وغني عن القول إن هذه العلاقة بين التغيير وحركة التاريخ لا تعني نسيان الماضي، بإيجابياته وسلبياته، لإنه لا يقبل النسيان، خصوصا وإنه يشكل جزءا مهما من تأريخ كل إنسان، وكل مجتمع وأمة. إن مخرجات عدم انحيازنا للمستقبل هي التي تعطل خروجنا من دائرة التخلف، ومن ثم ديمومة دورانا في أفلاك التبعية بالتحديات المتعددة الناجم عنها.
4.2.1 تحدي الجوع والعطش
منذ الثمانينيات من القرن الماضي والنمو السكاني العربي يسير في خط بياني متصاعد. فبينما كان عدد السكان العرب في عام 1988 نحو مئتا مليون نسمة، بلغ في عام 2015 نحو 390 مليون نسمة. وترجح أراء أن يصل هذا العدد إلى نحو468 مليون نسمة عام 2025. ويتقابل هذا الوضع الديمغرافي، الذي يتضاعف كل ربع قرن تقريبا وبمعدل نمو يبلغ متوسطه نحو 3% كل عام بالمقارنة مع معدل نمو عالمي يبلغ نحو 17و1%, مع غياب زيادة مماثلة في إنتاج الغذاء. إن هذا الواقع، الذي يتماهى ومضمون النظرية المتشائمة للباحث السكاني والاقتصادي الإنكليزي، روبرت مالتوس، حول العلاقة السلبية بين نمو السكان وتراجع إنتاج الغذاء، إن هذا الواقع العربي ساعد علية خصوصا عدم استغلال الارض العربية الصالحة للزراعة وبنسبة تساوي نحو 12,3% من إجمالي مساحة هذه الارض، فضلا عن مشكلة التصحر وارتفاع درجة الحرارة واتجاه المياه العربية إلى التناقص.
ولمعالجة الخلل، الذي يقترن بمعادلة السكان- الغذاء في الوطن العربي، لجأت الدول العربية إلى الاستيراد وإنفاق ملايين متزايدة من الدولارات سنويا. ومن غير المحتمل أن يفضي هذا الحل إلى الحد من تفاقم إشكالية الغذاء في الوطن العربي جراء الزيادة المتوقعة في عدد السكان العرب . لذا من المحتمل أن تفضي هذه الإشكالية إلى تكريس وقوع العرب في تبعية مضافة لتلك الدول المصدرة للغذاء عالميا، وبعضها من الدول المؤثرة دوليا, وعلى النحو الذي سيجعل الحاجة العربية للغذاء مدخلا داعما مضافا لنزوع هذه الدول إلى توظيفها لصالحها. وكذلك إذا تذكرنا أن الجوع يُعد مدخلا اجتماعيا مهما يدفع إلى حالة من التأزم الداخلي، فإنه يفتح نافذة مستمرة تتسرب من خلالها محاولات الخارج لزعزعة المقاومة الداخلية لهذه المحاولات، ومن ثم توظيف مخرجات هذه الزعزعة للتأثير في سياسات الدولة العربية المعنية.
ويتفاعل تحدي الجوع مع أخر قوامه تحدي العطش. فاستمرار انخفاض نصيب الفرد العربي من المياه عبر السنوات الماضية أدى إلى أن تبلغ حصته الآن نحو650 م3 , أي أقل من خط الفقر المائي البالغ 1000 م3 , وتُعد الأردن أقل الدول العربية توافرا للمياه. وجراء المخرجات السلبية، زراعيا واقتصاديا ومجتمعيا، لنقص المياه عربيا، أضحى هذا التحدي يشكل تحديا عربيا خطيرا .
وقد ساعد على تبلور هذا التحدي تأثير مدخلات متعددة. فإضافة إلى المدخلات الطبيعية كالارتفاع التدريجي في متوسط درجات الحرارة السنوية والتبخر المصاحب لع والجفاف والفيضانات متفاعلا مع عدم التوظيف العربي الامثل للمياه المتوفرة، صارت دول إقليمية، ولاسيما إيران وتركيا واسرائيل وأثيوبيا، مجاورة لثمة دول عربية تعمد إلى التحكم في كميات المياه التي تصل منها إلى
الدول العربية المعنية، وخصوصا العراق وسوريا ولبنان ومصر، علما أن 60% من إجمالي الاستهلاك العربي للمياه يقع خارج الحدود العربية. وغني عن القول إن نقص المياه لا يفضي إلى تكريس مشاكل داخلية قائمة و/أو بلورة أخرى جديدة حسب، وإنما من المحتمل أن يكون أيضا مدخلا لصراع عسكري بين دول المنبع الاقليمية ودول المصب العربية. وقد قيل:” من المرجح أن تندلع الحروب المستقبلية في الشرق الأوسط على المياه أكثر منها على النفط.”وعلية ينطوي نقص الغذاء والماء واحتمالات التوظيف الخارجي لهذا النقص المركب على تحد مستقبلي لا يقل هو الآخر خطورة عن سواه، سيما وإنه يتعلق بتأمين الحياة ذاتها.
.وغني عن القول إن نوعية التحديات، التي أستمر الآمن القومي العربي يجابه بها، تستدعي المشاركة المستمرة والواعية والمسؤولة سبيلا لبلورة إدراك موضوعي بمخاطر هذه التحديات، التي لا تقتصر على ثمة دول عربية دون سواها وإنما تشملها جميعا، فضلا عن كيفية التعامل معها تعاملا كفؤا وبما يؤمن تعزيز فاعلية تأثير القدرة العربية الشاملة وبناء متطلبات المستقبل المنشود . وتؤكد التجربة التاريخية أن الدولة، التي لا تعمد إلى الاستعداد للمستقبل ابتداء من الحاضر ، وبضمنه تهيئة المستلزمات الضرورية لإدارة آزماتها و/أو صراعاتها، قد لا تجد، على الأرجح، من يدافع عنها عند الحاجة. لذا يصير الاعتماد على الغير، ومهما كانت العلاقة وطيدة به، سرابا خادعا ووهما كبيرا.
في ضوء هذه التحيات متفاعلة مع إشكاليات الواقع العربي الاخرى، داخليا وخارجيا، المؤثرة سلبا في عموم الأداء القومي العربي، نتساءل: ما مشاهد المستقبل العربي التي يمكن، أو يحتمل، أن تفضي اليها حصيلة هذه التحديات والإشكاليات في زمان المستقبل المتوسط الممتد إلى نحو عقدين من الزمان ابتداء من زمان الحاضر؟
الفصل الثاني، الامن القومي ومشاهد المستقبل العربي
2- توطئة
تفيد مخرجات معطيات الواقع العربي الراهن ومتغيراته، المرئية وغير المرئية، بمستقبل عربي يقترن بثلاثة مشاهد بديلة ممكنة أو محتملة، هي: مشهد ديمومة التردي والانكشاف ، ومشهد بداية التغيير والارتقاء ال، ومشهد ديمومة التردي وبداية التغيير. وفي كل من هذه المشاهد يحظى متغير الآمن القومي العربي بتأثير مهم جراء مخرجات معطياته.
1.2 مشهد استمرارية التردي والانكشاف
ابتداءً، ينطلق هذا المشهد من رؤية اتجاهية تفيد بامتداد المعطيات/ الاشكاليات السلبية، التياقترن الواقع العربي بها خلال عموم زمان ماضي المستقبل العربي، إلى مستقبل حاضره، بمعنى أن المستقبل العربي في عام 2050 قد يكون، امتدادا اتجاهيا لهذه المعطيات خلال عموم الزمان السابق على هذا العام.
ومما يدعم الامتداد الاتجاهي لهذه المعطيات هو انها لم تكن بمعزل عن استمرار تأثير مخرجات ثلاث مدخلات عربية اساسية ومتفاعلة هي: أولا، التقسيم الجيوسياسي للوطن العربي، وثانيا، ثنائيات العلاقات العربية-العربية، وثالثا، العجز شبه الدائم للنظام الرسمي العربي، وكالاتي:
1.1.2 مخرجات التقسيم الجيوسياسي للوطن العربي
غني عن القول إن التقسيم الجيوسياسي للوطن العربي، جراء اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916, افضى إلى أن يستمر الوطن العربي مجزأ إلى اعداد من الدول العربية تزايدت عبر الزمان. فبعد أن كانت هذه سبع دول في منتصف القرن الماضي صارت اليوم اثنان وعشرين دولة يتجذر فيها التفكير والسلوك القطري، داخليا وخارجيا. ومن المحتمل أن يضحى هذا العدد أكثر خلال الزمان الممتد إلى عام 2050. جراء تطلعات مكونات قومية قي بعض الدول العربية إلى الانفصال عن الدولة الام وتشكيل دولتها الخاصة. ولنتذكر مثلا الاستفتاء الذي جرى في شمال العراق عام 2017 من قبل الاكراد للانفصال عن العراق، وكذلك الإعلان الرسمي لانفصال جنوب السودان في شباط من عام 2011 عن الدولة السودانية.
تاريخيا، ولاسيما بعد الاحتلال المغولي لبغداد عام 1258 صعودا ، عرف العرب، وكما يؤكد منير شفيق في كتابة عن الوحدة العربية والتجزئة، الوانا من التجزئة واشكالا من الانفصال. بيد ان هذه الألوان والاشكال لم تؤد مثلما أدت مخرجات التجزئة الناجمة عن اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916. فهذه اريد بها دفع الدول العربية القطرية إلى شل بعضها بعضا سبيلا لبعثرة قدراتها، وأنهاك قواها، وتكريس ضعفها، تأمينا لتبعيتها، ولنتذكر هنا التقرير الذي قدمه كامبل بنارمان((Campbell Bannerman بشأن كيفية تعامل الحكومة الإنكليزية وحكومات دول غربية أخرى(فرنسا، هولندا، بلجيكا، اسبانيا، إيطاليا) آنذاك مع العرب، هو التقرير الذي شكل لاحقا الأساس الذي استندت عليه اتفاقية سايكس -بيكو.
إن تراكمات مخرجات هذا الواقع العربي، الممتد منذ نحو ثمانية عقود، لم تؤد إلى استمرار ارتفاع أسوار العزلة بين الدول العربية وتراكم انكشافها متعدد الابعاد، فضلا عن تعطيل محاولات تكاملها
فحسب. وإنما ايضا إلى أن يتكرس، وبمرور الزمان، تأثير قوى عربية ذات مصلحة عميقة في ديمومة دولة التجزئة العربية، ومن ثم إلى ان تصبح العروبة، كهوية وانتماء ووجدان، محاصرة ومهددة داخليا، مثلما هي خارجيا، وكذلك إلى أن تصبح الدولة العربية المستقلة وذات السيادة هي ذاتها دولة التجزئة العربية.
وقد جاءت مخرجات احداث ما بعد عقد التسعينيات من القرن الماضي صعودا حاملة معها ثمة تحولات اقترنت بتحديات لفكرة العروبة ومن ثم لحاضر الوطن العربي ومستقبلاته في أن. فالأحوال العربية تبدلت، وورقة التوت الرسمية العربية تمزقت، والحقائق الموضوعية كشفت عن تناقض واضح في المصالح، وتباين في الادراك، وتنافر في أنماط السلوك بين جل الدول العربية.
لذا يضحى الحديث عن جدول اعمال عربي قومي، حتى في حده الادنى، كالأمنية لا تدعمها حقائق الواقع الراهن. فالمعادلة البرغماتية- التوفيقية التي انطلق منها جل صناع القرار العرب في تعاملهم مع بعض في أزمنة سابقة، تم استبدالها، مع بداية القرن الراهن، بمعادلة أخرى تستوي ومضمون اللعبة الصفرية (Zero-Sum-Game)، أي أما الربح أو الخسارة. ولنتذكر، مثلا، مخرجات مشاركة ثمة دول عربية في تأمين الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.
لذا لا مغالاة في القول إن الدعوة إلى تحقيق الوحدة العربية، أو حتى إلى التكامل متعدد المستويات، صارت تستوي موضوعيا والدعوة الحالمة. فالقطرية. كتفكير وسلوك، هي الغالبة جراء معطيات الواقع العربي الممتد زمانا.
2.1.2 ثنائيات العلاقات العربية- العربية
وقبل الإشارة إلى هذه الثنائيات، التي لا يتسع مجال هذه الدراسة لتناول تفاصيلها، نكرر تأكيد المفكر العربي محمد عابد الجابري ان الفكر العربي المعاصر يتميز بالعديد الإشكاليات الفكرية التي افضت مخرجاتها على قضايا الواقع العربي”…طابع الوضع المتأزم”. ومن بين هذه الاشكاليات تلك التي تدرك الأشياء على وفق رؤية قوامها ثنائية الشيء ونقيضه ولا غير. وغني عن القول إن مثل هذه الرؤية تتناسى أن الحياة تنفتح على شتى الألوان مثلما ينفتح المستقبل على شتى المشاهد. ونرى أن أنماط سلوك صناع القرار العرب حيال بعض لم تكن بمعزل عن التأثر الثقافي بمثل هذه الرؤية الثنائية.
وعندنا تتجسد هذه الثنائيات في أربع منها، هي: ثنائية القطرية-القومية، وثنائية الثقة- الخشية، وثنائية الاستقلالية- التبعية، وثنائية القطب- والقطب المضاد.
إن مجمل هذه الثنائيات، التي استمرت لصيقة بالجسد القومي العربي منذ تأسيس النظام العربي الرسمي عام 1945صعودا، أدت إلى العديد من المخرجات السلبية. ومنها الاتي مثلا:
أولا, تراكم تأثير اشكاليات هيكلية عربية ممتدة عبر الزمان، ولاسيما تلك الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والعلمية، والأمنية، والسياسية، فضلا عن تكرار اشتداد حدة الصراع العربي-العربي وبأزمنة أطول من أزمنة التعاون العربي-العربي.
ثانيا، تميز أنماط توازن القوى بين القوى العربية الكبرى بالهشاشة وسرعة التغيير، وهو الامر الذي حال خلال عمر النظام الرسمي العربي الممتد منذ عام 1945 حتى الان دون تبلور ثمة قواعد سلوكية شبه ثابتة في الاقل لتنظيم التفاعلات العربية وبمخرجات سلبية كان على النظام العربي تحمل تبعاتها
ثالثا، أداء سياسي خارجي عربي فقير التأثير في العموم.
وعليه لا مبالغة في القول إن حصيلة مخرجات الامتداد الزماني لمجمل هذه الثنائيات وسواها إلى عام 2050 قد تؤدي بالوطن العربي إلى أن يكون أعمق تشرذما وعجزا، وأكثر تهميشا، وبمشهد عربي قوامه اسوأ الاسوأ يتمثل في ديمومة التردي والانكشاف الحضاري، ومن ثم استمرارية الخروج العربي من التاريخ. وتدعم هذه الاحتمالية عدة متغيرات ومؤشرات عربية ، ومنها الاتي مثلا:
أولا، استمرارية جامعه الدول العربية كمنظمة إقليمية راعية لديمومة الواقع القطري العربي، هذا جراء تكرار معارضة ثمة دول عربية لمقترحات تعديل ميثاقها لأغراض تحويلها إلى منظمة راعية للتكامل العربي متعدد المستويات في الأقل.
ثانيا، الانكفاء العربي أما على الخصوصيات القطرية متمثلة في القول: نحن أولا، و/أو على العلاقات الاقليمية المباشرة وبمخرجات دعمت تراجع عموم العمل العربي المشترك، وبضمنه انحسار تطبيقات التكامل النظامي الجماعي العربي على شتى الصعد، لصالح تطبيقات التعاون الثنائي، او المحدود بين بعض الدول العربية فقط.
ثالثا، ديمومة عجز ثمة دول عربية عن ايجاد الحلول لإشكاليتها الداخلية، وبضمنها تفاقم التنافر الداخلي بين مكونات مجتمعاتها جراء مدخلات متعددة: طائفية وعرقية واقتصادية وثقافية واجتماعية …الخ، وبما قد يفضي إلى ترتيب تلك الظروف المواتية لتفكيك الوحدة الكيانية لهذه الدول إلى دويلات متصارعة على الارض والموارد الأولية وتابعة لدول اقليمية مجاورة.
3.1.2 العجز النسبي للنظام الرسمي العرب
يتوافر الوطن العربي على مقومات القدرة الذاتية والموضوعية على الفعل الهادف والمؤثر، ومن بينها المقومات الجيو-استراتيجية والاقتصادية والثقافية والسكانية …الخ. بيد أن التجربة العربية تفيد أن التوظيف العربي لهذه المقومات المهمة كان عاجزا وفاشلا. ولا يلغي هذا العجز والفشل تلك الاستثناءات النادرة التي عبرت في وقتها عن العكس. ولنتذكر مثلا أن المخرجات الإيجابية لسياسة حظر النفط العربي خلال الحرب العربية-الإسرائيلية الرابعة عام 1973 كانت قد دفعت في وقته بإحدى الصحف الألمانية، التي هي (Suddeutsche Zeitung) إلى القول: “… إن العرب صاروا قوة كبرى…”
وبالإضافة إلى ما تقدم، يكمن هذا العجز ايضا في أن جل انماط السلوك الرسمي العربي حيال سياسات الدول الإقليمية والعالمية ذات المشاريع والمصالح في الوطن العربي تفيد أنه كانت في واد وهذه السياسات في واد اخر. وقد أفرز هذا الادراك الناقص أنماط من السلوك. ومثالها الاتي:
أولا، أن هذه الانماط لم تتماه عموما مع نوعية مدخلاتها ولم تذهب في الاتجاه المعاكس لها. فالعدوان الخارجي مثلا على بعض العرب لم يؤد إلى فعل عربي جماعي مضاد، هذا على الرغم وجود معاهدة عربية نافذه المفعول هي معاهدة الدفاع العربي المشترك، وإنما أدى أما إلى اللامبالاة او السكوت في أحيان ولنتكر مثلا أنماط السلوك العربي حيال العدوان الإسرائيلي على غزة وجنوب لبنان، أو إلى المشاركة في دعم هذا العدوان في أحيان أخرى. ولنتذكر مثلا مشاركة عدد من الدول العربية في الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. وبهذا خسر العرب أنفسهم بإرادتهم.
ثانيا، أن العرب لم يعمدوا إلى مقابلة الحركة الاستراتيجية لثمة دول أخرى حيالهم بمثلها. فأنماط سلوك دول عربية تفيد أنها صارت تتبنى سياسة التكيف تحت لافتة الواقعية السياسية. فمخرجات هذه السياسة هي التي جعلت ثمة دول عربية تتوافق مع سياسات تلك الدول ذات التأثير العالمي أو الإقليمي التي اكدت التجربة انها استمرت تسعى إلى تحقيق مصالح تتناقض حتى مع المصالح القطرية لهذه الدول العربية
ثالثا، القبول بواقع التبعية الخارجية العربية، وخصوصا السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية ، لدول عالمية أو إقليمية التأثير، فضلا عن اتجاه ثمة دول عربية إلى الحركة بالإنابة عن هذه الدول خدمة لأهدافها حيال دول عربية أخرى . أن هذه التبعية لم تسهل الاختراق الخارجي للنظام القومي العربي فحسب، وإنما دفعت أيضا بجل دول البيئة الخارجية ، إلى أن تتعامل مع العرب، جراء غياب استراتيجية عربية موحدة، ليس كمجموعة موحدة الهدف والفعل وإنما كدول
ذات مصالح مختلفة واوليات متقاطعة وأنماط متنافرة من السلوك. أن هذا الواقع ساهم، هو الآخر، في جعل القوة العربية معطلة عمليا.
وتدعو الاحتمالية المرجحة لمعطيات مشهد استمرارية التردي والانكشاف إلى التساؤل: كيف يحتمل ان تتعامل ثمة قوى دولية كبرى وكذلك دول إقليمية عبر سياساتها الخارجية مع العرب في ضوء هذه المعطيات ؟ باختصار، نرى أن معطيات هذا المشهد تسهل بالضرورة على القوى العالمية والإقليمية ذات المصالح الحيوية في الوطن العربي الاستمرار في سياساتها الرامية إلى أن تكون أكثر تأثيرا في مضامين وتوجهات السياسات العربية، الداخلية والخارجية، فضلا عن سعيها الحيلولة دون الارتقاء العربي سبيلا لحماية مصالحها وخدمة لمشاريعها. ولنتذكر ان تجربة سياسات هذه الدول حيال عموم العرب تفيد أنها لم تتردد عن افشال مشاريع الارتقاء العربي حتى على الصعيد القطري. وتعد سياسات هذه الدول حيال تجربة نهوض العراق قبل احتلاله عام 2003 أبرز الامثلة.ومن هنا يعد مشهد ديمومة التردي والانكشاف العربي بالنسبة لهذه القوى بمثابة أحسن الأحسن من بين العديد من المشاهد البديلة، خصوصا وأنه يحقق لها مصالح مهمة منشودة وبكلف قليلة.
2.2 مشهد بداية التغيير والارتقاء الحضاري
اتساقا مع الفرضية الثانية لمشاهد المستقبل العربي، يتأسس هذا المشهد المتفائل على رؤية مركزية، تتناقض تماما مع تلك التي يعبر عنها مشهد استمرارية التردي والانكشاف ، قوامها أن الدول العربية أخذت خلال سنوات ما قبل عام 2050 بسياسات، متنوعة المضامين، لم تؤد مخرجاتها إلى الارتقاء بالعمل العربي المشترك إلى مستويات متقدمة من التكامل النظامي فيما بينها فحسب, وإنما ايضا إلى بدء تبلور مقومات نهضة عربية تفضي تراكمات مخرجاتها بالنظام العربي إلى أن يتميز في عام 2050 بخصائص الفاعلية على الصعد الداخلية وكذلك الإقليمية والدولية.
وبهذا الصدد، لنتذكر أن الأفعال التاريخية الكبرى، على تنوعها، لا تتحقق إلا بعد أن تكون ثمة شروط أساسية سابقة عليها قد تجذرت رسميا واجتماعيا أولا. ومنها انتشار الوعي بجدوى تغيير الواقع نحو الأفضل، فضلا عن توظيف الأدوات المتاحة لترجمة هذا الوعي إلى واقع ملموس. وتجارب الارتقاء الحضاري لثمة دول عبر الزمان تؤكد ذلك.
واتساقا مع هذه التجارب نرى أن أربع مجاميع من المعطيات العربية هي التي أدت إلى بدء تبلور هذه المقومات الدافعة إلى التغيير العربي، وكالاتي:
فأما عن المجموعة الأولى، فقوامها تبلور إدراك شبه شامل بين صناع القرار العرب مفاده أن استمرار مقومات التردي والانكشاف في الوطن العربي ستفضي إلى تفاقم تحدياته الداخلية والخارجية، وإن العرب، بتكاملهم وتكافلهم، يستطيعون الارتقاء إلى مستوى هذه التحديات تامينا للنهوض الحضاري في الداخل، ودعما للفاعلية الإقليمية والعالمية في الخارج. أن هذا الإدراك افضى إلى اتفاق صناع القرار العرب على الآخذ برؤية حضارية تكوينية مستقبلية، تجعل من الارتقاء بمستويات العمل العربي المشترك إلى مستويات متقدمة من التكامل العربي، بمثابة الغاية المنشودة، التي تجد أصلا تأييدا شعبيا واسعا.
ويعد هذا الأدراك محصلة لمخرجات عدد من المعطيات المؤثرة، ومنها الاتي مثلا:
أولا، الانتشار السريع والواسع لثقافة الانحياز إلى المستقبل بين العرب، هذا جراء استمرارية الحوار الجاد بشأن المستقبل العربي، رسميا واجتماعيا، فضلا عن حرص الجامعات العربية على نشر هذه الثقافة بين طلبتها، وتشجيعها للبحث العلمي في المستقبل العربي ونشر مخرجاته، ناهيك عن سعي منظمات المجتمع المدني، وادوات الاتصال إلى تعميم هذه الثقافة جماهيريا.
ثانيا، تسارع عملية التحول الديمقراطي في كثير من الدول العربية جراء تزايد عدد سكان المناطق الحضرية ولاسيما العواصم العربية، وبضمنه تزايد عدد المتعلمين والعاملين في مختلف قطاعات الانتاج، فضلا عن نمو الدور الفاعل لهذه الكتلة البشرية، الحضرية-المتعلمة-العاملة في بلورة رأي عام أعمق وعيا وأكثر استعدادا للتأثير الجاد في أنماط حركة صناع القرار العرب من اجل إعادة هيكلة الواقع العربي على نحو جديد، وتحقيق التغيير، وكذلك دورها في تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني.
ثالثا، اقتران نمط حياة شرائح عربية بتراكمات تحولات كمية وكيفية عميقة. فإضافة إلى أن هذه التحولات لا تجعل الارتداد اللاحق عنها ممكنا فحسب، هي تدفع أيضأ بهذه الشرائح إلى أن تتعامل مع معطيات الزمان على وفق رؤية حضارية تجمع بين الأصالة والحداثة، فضلا عن تحمل المسؤوليات الناجمة عن أخذها بالديمقراطية والشفافية.
وأمأ عن المجموعة الثانية من المتغيرات المؤسسة للواقع العربي الجديد، فمفادها أن إدراك صناع القرار العرب لمحدودية الفاعلية الداخلية والخارجية للنظام العربي الرسمي افضى إلى اتفاقهم على تطوير وتفعيل دور جامعة الدول العربية عبر تحوليها من منظمة راعية لديمومة القطرية، ومن ثم الواقع العربي الممتد منذ عام 1945, إلى أخرى تتحمل مسؤولية الارتقاء بهذا الواقع إلى حالة متقدمة من التكامل النظامي العربي عبر تعديل ميثاقها وتخوليها صلاحيات مهمة تتيح لها اتخاذ القرار وتنفيذه.
ونفترض أن وراء إناطة مثل هذه الوظيفة التكاملية بجامعة الدول العربية يكمن خصوصا تأثير توافرها على خبرة طويلة في إدارة العمل العربي المشترك بمستوياته المتعددة. هذا فضلا عن اقتران الواقع الدولي بتجارب ناجحة لمنظمات إقليمية استطاعت الارتقاء بتكامل دولها الاعضاء إلى افاق أرحب على الرغم من تناقضاتها متعددة المستويات. ولنتذكر بهذا الصدد الاتحاد الأوربي مثلا.
وأما عن المجموعة الثالثة، فهي تكمن في إن إدراك العرب لأهمية قدراتهم التأثيرية وامكانية توظيفها بفاعلية لصالح تحقيق اهداف وطنية وقومية، دفع إلى الاخذ بسياسة خارجية موحدة، ومن ثم بأداء هادف وفاعل على الصعيد الخارجي، افادت مخرجاته أن رحلة العرب نحو الارتقاء إلى مستوى القوة الإقليمية الكبرى، قد بدأت.
لذا يعد اتجاه العرب إلى البدء بتحقيق التغيير والارتقاء الحضاري بمثابة أسوأ المشاهد من بين الاسوأ منها، بالنسبة للقوى الاقليمية والعالمية ذات المصالح والمشاريع في الوطن العربي، هذا لآن التغيير والارتقاء العربي يفرض على هذه القوى أن تتعامل مع العرب على اسس الندية والمساواة والاستقلالية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وليس على أسس التبعية لسياساتها الخارجية كما يفيد بهذا واقع علاقات دول عربية مع هذه القوى .
ونفترض أن هذه المجاميع من المتغيرات المؤثرة في مدركات من ثم أنماط سلوك صناع القرار العرب قد ادت إلى مخرجات ايجابية مهمة على شتى الصعد الداخلية، ومثالها العلمية، والاقتصادية، والثقافية-الاجتماعية، والأمن القومي، والسياسية ، وأن هذه المخرجات افادت أن رحلة العرب نحو التغيير والارتقاء، ومن ثم التأثير الإقليمي والدولي قد بدأت. ومثال هذه المخرجات باختصار الآتي:
فأما على الصعيد العلمي،فلقد افضى انتشار الوعي العربي بالعلاقة الطردية الموجبة بين ديمومة التخلف العلمي وديمومة التخلف على شتى الصعد المجتمعية الاخرى، إلى أن يضحى الارتقاء بالعلم والتكنولوجيا إحدى الأولويات الاستراتيجية العربية، وان يضحى الطلاق السابق بين صناع القرار العربي وبين العقول العربية، إحدى خصائص زمان مضى. لذا، فكما أن معدل الانفاق على البحث والتطوير كان في ارتفاع مستمر، كذلك اضحى تكوين رأس المال البشري العربي يعتمد على المعرفة العلمية والتكنولوجية. وكما أن الاستمرار في التوسع بمؤسسات التعليم العالي والتقني الذي تزامن مع محاولات جادة للارتقاء بنوعية التعليم بكافة مستوياته وطرائقه، كذلك كان السعي جادا للحد من هجرة العقول العربية ودفع سواها للعودة إلى اوطانها عبر تأمين المستلزمات المادية والعلمية والنفسية الضرورية
وأما على الصعيد الاقتصادي، فلقد ادى الالتزام بسياسات اقتصادية مشتركة إلى الآتي مثلا:
أولا، تسارع نمو حجم التجارة العربية البينية إلى معدلات عالية من مجمل التجارة العربية الخارجية، هذا جراء الغاء المعوقات التي كانت تعطل سابقا مثل هذا النمو.
ثانيا، انفتاح الدول العربية المالكة على القوى العاملة العربية من الدول العربية غير المالكة التزاما منها بمبدأ المواطنة الاقتصادية العربية وتحقيق التكامل البشري العربي، هذا فضلا عن التطلع إلى الإحلال التدريجي للقوى العاملة الوطنية والعربية محل سواها من غير العربية في مؤسسات القطاعين العام والخاص، هذا جراء التهديد بعيد المدى الذي تشكله الاعداد المتزايدة من هذه القوى غير العربية للآمن الثقافي العربي.
ثالثا، نمو الاستثمار المالي العربي داخل الوطن العربي جراء الغاء التشريعات والاجراءات السابقة وغير المواتية بأخرى حماية للمال العربي من ناحية وتشجيع مشاركته في عملية التنمية العربية من ناحية اخرى.
رابعا، إعادة تفعيل إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وبضمنه استكمال انضمام دول عربية اليها، فضلا عن التزام الدول الاعضاء بتنفيذ متطلبات تحقيقها.
وأما على الصعيد الثقافي- الاجتماعي، فهو يفيد أن الدول العربية قد ذهبت إلى تبني إجراءات منفردة و/او مشتركة لاحتواء الاثار السلبية لمعطيات واقعها الثقافي- الاجتماعي وان مخرجات هذه الاجراءات قد ادت في عام 2050 إلى بدء تبلور واقع ثقافي-اجتماعي عربي مختلف، في العموم، عن ذلك الذي اقترن به مشهد التردي والتراجع الحضاري العربي.
وأما على صعيد الآمن القومي، فلقد أدى اقتران الوطن العربي بقدر عال من الفاعلية الداخلية إلى فاعلية أمنية عبرت عن نوعية الأولى، انعكاسا لها وبمحصلة افضت مخرجاتها خصائص الحصانة والمنعة على عموم الآمن القومي العربي.
وأما على الصعيد السياسي، فالمعطيات العربية، التي يفضي اليه هذا المشهد تبرهن عربيا على صحة تلك الفرضية المعروفة على صعيد ادبيات السياسة الدولية التي تؤكد على ان الفاعلية الداخلية للامة أو الدولة هي التي تحدد فاعليتها الخارجية. فأنماط السلوك السياسي الخارجي العربي, التي نجمت عن مشهد بداية التغيير والارتقاء, صارت تعبرعن الآخذ بسياسة خارجية عربية تتميز بالتنسيق المسبق والتوظيف الفاعل للقدرات العربية على الفعل الإقليمي والدولي الفاعل والمؤثر.
وقد تدفع الفرضية التي يتأسس عليها مشهد بداية التغيير والارتقاء الحضاري العربي، إلى القول: أنه يستوي وفرضيات الخيال العلمي، أو هو نوع من التفكير الحالم، الذي لا علاقة له موضوعيا
بمخرجات تلك المعطيات التي يتميز بها الواقع العربي الراهن، والتي تحول دون تغييره والارتقاء الحضاري.
أن هذا القول ينطوي، من ناحية، على قدر مهم من الواقعية، خصوصا، إذا تذكرنا أن حقائق الواقع العربي لم تسمح، في أزمنة سابقة، بنجاح عدة محاولات رمت إلى إحداث تغيير تاريخي في هذا الواقع. بيد أن هذا القول يضحى، من ناحية ثانية، خاطئا هذا لان المستقبل لا يكون دوما امتدادا أليا لمعطيات الحاضر الرديء، خصوصا عندما يقترن الحاضر بمعطيين اساسيين ومتفاعلين:
أولا، انطلاق صناع القرار من رؤية حضارية تكوينية وإرادة واعية غايتها الارتقاء الواعي بمعطيات الواقع تمهيد لتحقيق الارتقاء التاريخي سبيلا لصنع المستقبل المرغوب فيه. هذا فضلا عن ادراكهم في الوقت ذاته، ان التحديث والتجديد ليس مجرد ارقام صماء، وإنما عمليات اجتماعية تأخذ بالمجتمع الى العلى، ناهيك عن توافر صناع القرار على ارادة حقيقية لبناء عملية ديمقراطية غير مشوهه، وتحقيق العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي، وتطوير المهارات الانسانية للمواطن وتأمين الحياة الكريمة له .
ثانيا، انتشار التعامل الداخلي مع معطيات الزمان على وفق رؤية حضارية تجمع بين الاصالة والحداثة، فضلا عن إرادة تحمل المسؤوليات الناجمة عن الآخذ بالديمقراطية والتحديث والشفافية، ناهيك عن انتشار ثقافة الانحياز للمستقبل.
وكذلك، إذا افترضنا أن المستقبل محدد سلفا بأحد المشاهد وليس مفتوحا على مشاهد متعددة وبديلة، عندها قد لا نستطيع تقديم إجابة مقنعة على السؤال الاتي: كيف ولماذا استطاعت اعداد من الدول كانت متأخرة أو حتى متخلفة حضاريا الارتقاء لاحقا إلى مستوى الدول السائرة في طريق النمو خلال زمان قصير نسبيا؟ ومثالها تجارب الصين، وماليزيا، وسنغافورة، وراوندا.وبهذا الصدد، يكفي أن نتذكر ماليزيا كمثال. فهذه الدولة، استطاعت التخلص من تأخرها الحضاري خلال عقدين من الزمان، وأن تحقق متوسط معدل نمو سنوي مذهل يعادل نحو 6.9%.
لذا لنتساءل: إذا كانت ماليزيا، الدولة ذات القدرات المحدودة اصلا، قد استطاعت الانتقال نحو الحداثة خلال زمان قصير نسبيا، فلماذا لا تستطيع الدول العربية تحقيق الشيء ذاته، سيما وإنها تتوافر مجتمعة على قدرات إستراتيجية واقتصادية وبشرية عالية الأهمية تساعدها، وبسهولة، على انجاز الشروط المطلوبة للتغيير والارتقاء الحضاري؟
ونرى أن، محمد حسنين هيكل، قد أجاب على هذا السؤال عندما أكد أن العرب لا يستطيعون إلا الارتقاء، بقوله: ” اشعر… أن الآمور قد وصلت في منطقة النظام العربي … إلى القاع الذي لا تستطيع
أن تهوي بعده. وبما أن الحياة في تحول مستمر، فأن الحركة بعد القاع سوف تبدأ في الصعود إلى اعلى، لآنه ليس امام هذه الحركة اتجاه أخر.”
كذلك لا نتفق مع اولئك القائلين وبما يفيد ان النهضة تحول دونها معطيات غير مواتية في الحاضر. فنحن نرى أن الظروف الامثل لولادة أي مشروع نهضوي وتحقيق اهدافه هي ظروف التردي والتراجع السابقة على تبني هذا المشروع. فهذه الظروف هي التي تؤجج الإصرار على إنجازه عمليا.
3.2 مشهد استمرارية التردي والانكشاف وبداية التغيير والارتقاء الحضاري في أن
اتساقا مع الفرضية الثالثة لمشاهد المستقبل العربي يفترض هذا المشهد أن الوطن العربي قد عاش حتى عام 2050 معطيات إشكالية مركبة قوامها التنافر/ التكامل بين الدول العربية وبمخرجات أدت إلى اقتران هذا الزمان بمدخلات التردي والتراجع من جانب وكذلك بمدخلات بداية التغيير والارتقاء من جانب أخر.
لذا لا يتغافل هذا المشهد عن المعطيات العربية السلبية وأثارها في ديمومة واقع التردي والانكشاف العربي، ولكنه لا يقلل كذلك من شأن المعطيات العربية الإيجابية، المرئية وغير المرئية، ودورها في الدفع نحو التغيير والارتقاء العربي. ولهذا، يعبر هذا المشهد عن حالة وسطية بين المشهدين السابقين وخصائصهما وعلى النحو الذي يجعل من المستقبل العربي في عام 2050 انعكاسا لمضامينهما.
ومرد هذه الحالة الوسطية، والمشهد الذي يعبر عنها، هو أن المعطيات العربية السائدة، والتي تتميز جذورها وتعبيراتها بالركود والتجذر، لا تسمح بإحداث انقلاب في طرق التفكير وانماط السلوك العربي خلال فترة زمانية قصيرة نسبيا. فالتحول الدينامي العربي نحو الحداثة يحتاج الى زمان قد يكون طويلا. ومن هنا تعد احتمالية استمرار اتجاهات هذه المعطيات إلى عام 2050، وبكل الفشل والعجز والمأزق التي اقترنت بها، احتمالية عالية ومرجحة.
وبالمقابل، لا يستطيع الوطن العربي، كسواه، أن يكون بمعزلٍ عن عالم يتغير ويتحول على نحوٍ غير مسبوق تاريخيا، ومن ثم يكون بمعزلٍ عن دينامية عملياته التاريخية. ومن هنا يضحى التأقلم والتكيف العربي مع هذه العمليات محتملا وبمخرجات تدفع باتجاه إحداث التغيير في الواقع العربي.
وعليه، إذا كانت ثمة متغيرات عربية راهنة تدفع الى التشاؤم بشأن المستقبل العربي، فان هناك بالمقابل أخرى، مرئية وغير مرئية حاليا، تدفع الى التفاؤل. ومنها تلك التي تدفع إلى مشهد التغيير والارتقاء العربي المشار اليه في أعلاه.
وهنا لنتذكر وإذا كان استشراف مستقبلات الوطن العربي لا يستطيع إلا أن يأخذ بنظر الاعتبار تأثير المعطيات السلبية والإيجابية المؤثرة، كذلك لا يستطيع هذا الاستشراف تجاوز سؤال المستقبل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وتكمن أهمية هذا السؤال في أن نوعية حضور سؤال المستقبل في البنية الثقافية لاي مجتمع ينطوي على تأثير بالغ الأهمية في تحديد موقفه حيال أبعاد الزمان: ما كان، وما هو كائن، وما سيكون.
وعلى الرغم من ان الدول العربية تتباين من حيث عموم واقع تطورها الحضاري، تباينا جليا، بيد ان تأثير تلك المعطيات الإيجابية الكامنة التي يقترن بها الجسد العربي لابد أن تفضي الى نتائج من نوعها في الحاضر، ومن ثم لا يمكن تجاوز تأثيرها في بناء المشهد المرغوب فيه عربيا. وفي ضوء ذلك لا يستطيع المرء الاتفاق مع تلك الروى المتشائمة التي تفيد ان الواقع العربي لا يقبل التغيير.
ولمضامين هذا المشهد المركب، فإنه يكون مدعاة لترحيب ومناهضة القوى الإقليمية والعالمية ذات المصالح والمشاريع في الارض العربية. هذا لآن جانبه المظلم، أي ديمومة التردي والانكشاف، يساعدها على ضمان مصالحها من ناحية، لان جانبه المشرق، أي بداية التغيير والارتقاء، يحد من قدرتها على تحقيق هذه المصالح من الناحية الاخرى. ولهذا من المرجح أنها ستعمل على افشال الجانب المشرق من هذا المشهد لصالح دعم الجانب المظلم منه تكريسا لبقاء العرب خارج صناعة التاريخ خدمة لمشاريعها ومصالحها.
وعلى الرغم من أن المستقبل العربي قد ينفتح على العديد من المشاهد البديلة في عام 2050, إلا أننا، مع ذلك، نرجح عاليا اقترانه في هذا العام بمشهد مركب، هو: استمرارية التردي والانكشاف، وبداية التغيير والارتقاء. وينبع ترجيحنا لهذا المشهد من التأثير المركب لمخرجات عملية تغيير العالم. فهذه العملية لا تلغي، من ناحية، قانون الاستمرارية في الحياة، بمعنى الامتداد المرجح لبعض المعطيات السلبية للواقع الراهن إلى الزمان الآتي. فإضافة إلى أن مخرجات عملية التغيير تحتاج إلى فسحة طويلة نسبيا من الزمان لكي يتحقق ما هو مرغوب فيه، لا يتشكل المستقبل، كما تم ذكره في اعلاه، بمعزل عن تأثير حقائق الزمان الذي مضى (أي الماضي)، ولا كذلك معطيات الزمان الذي يمضي (أي الحاضر). فالعلاقة بين ثلاثية ابعاد الزمان هي علاقة تفاعل وطيد.
وبالمقابل، يدعم هذه العملية، من الناحية الثانية، قانون التغيير في الحياة. فمخرجاتها لا تسمح لعموم للدول المعاصرة بالانكفاء على ذاتها، ومن ثم تكون بمنأى عن هذه المخرجات. فتقاليد الانكفاء، بمعنى العزلة السياسية الخارجية، صارت تنتمي إلى زمان مضى لا يعود.
وينسحب ما تقدم على حركة الوطن العربي نحو المستقبل بالضرورة. ومع ذلك نرى أن مخرجات الصراع الكامن بين تلك المتغيرات التي تفضي إلى استمرارية معطيات الحاضر العربية، وتلك التي
تؤدي إلى بداية تغييرها هي التي ستحدد حصيلة هذا المشهد في زمان ما بعد عام 2050: فأما استمرارية معطيات هذا الحاضر وأما استمرار عملية تغييرها نحو الافضل كمقدمة للمستقبل العربي المرغوب فيه.
وإذا كان استشراف مستقبلات الوطن العربي لا يستطيع إلا أن يأخذ بنظر الاعتبار تأثير المعطيات السلبية والإيجابية المؤثرة في كل منها، كذلك لا يستطيع هذا الاستشراف تجاوز سؤال المستقبل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وتكمن أهمية هذا السؤال في أن نوعية حضور سؤال المستقبل في البنية الثقافية لاي مجتمع ينطوي على تأثير بالغ الأهمية في تحديد موقفه حيال أبعاد الزمان: الماضي والحاضر والمستقبل. فبقدر نوعية تبني البنية الثقافية لهذا المجتمع أو ذاك لسؤال المستقبل أعلاه تتحدد قابليته على التطور والتجدد، ونزوعه إلى الابتكار والإبداع. لذا لنشجع انتشار هذا السؤال في وطننا العربي.
3.الخاتمة
لقد انصرفت هذه الدراسة الى محاولة استشراف العلاقة بين واقع الامن القومي العربي ومشاهد المستقبل العربي في عام 2050 على وفق منهج علمي صار يستخدم بكثافة في دراسات المستقبل، التي اضحى الاخذ بها يشمل العالم كله تقريبا، هو منهج بناء المشاهد. وقد افضى تطبيق المنطق الذي يتأسس عليه هذا المنهج وألياته الاجرائية، الى بلورة ثلاثة مشاهد مستقبلية تتراوح بين ما يعد ممكننا، او محتملا، أو ما بينهما، هي: أولا، مشهد ديمومة التردي والانكشاف. وثانيا، مشهد بداية التغيير والارتقاء. وثالثا، المشهد المركب الذي يجمع بين ديمومة التردي والانكشاف وبداية التغيير والارتقاء .
وقد عمدت دراستنا إلى ترجيح المشهد المركب الثالث أعلاه لمستقبل الوطن العربي في عام 2050. ووراء ترجيح هذا المشهد قناعة علمية مركبة قوامها أن المعطيات السلبية للواقع العربي، داخليا وخارجيا، لا تستطيع ان تتغير جذريا بعصا سحرية وخلال زمان قصير نسبيا، وكذلك أن هذا الواقع لا يستطيع ان يكون بمنأى عن عمليات التغيير. فالتغيير هو الاصل في الحياة. ولنتذكر ان كل شيء يتغير إلا التغيير ذاته. والشيء ذاته ينسحب على الواقع العربي. ومن اجل دعم هذا التغيير بنا حاجة الى توظيف اليات تستنهض الماضي المجيد ولا تتنكر، في الوقت ذاته، لروح العصر وفرصه وتحدياته. كذلك تستدعي نوعية التحديات، التي أستمر الآمن القومي العربي يجابه بها، المشاركة المستمرة والواعية والمسؤولة سبيلا لبلورة إدراك موضوعي بمخاطرها ، التي لا تقتصر على ثمة دول عربية دون سواها وإنما تشملها جميعا، فضلا عن كيفية التعامل معها تعاملا كفؤا وبما يؤمن تعزيز فاعلية تأثير القدرة العربية الشاملة وبناء متطلبات المستقبل المنشود . وتؤكد التجربة التاريخية أن
الآمة أو الدولة، التي لا تعمد ذاتيا إلى تهيئة المستلزمات الضرورية، ابتداء من الحاضر، لتحقيق المستقبل المنشود من قبلها لن تجد، على الأرجح، من يقف بجانبها عند الحاجة. لذا يصير الاعتماد على الغير، ومهما كانت العلاقة وطيدة به، سرابا خادعا ووهما كبيرا
ولنا، مثلا، في تجارب ثمة دول، كالصين، في الارتقاء الحضاري وبضمنه تأمين الآمن القومي أمثلة مهمة تجدر الاشارة اليها . لذا لنستفذ من تجاربنا وتجارب غيرنا ونحن نبني، ابتداء من الحاضر، مستقبلنا المرغوب به بضمنه امننا القومي المنشود. ولنتذكر ان انحيازنا للمستقبل والعمل الجاد من اجله، هو السبيل الامثل لضمان ان تكون حياة ابنائنا وأحفادنا أفضل من حياتنا. ان مسؤوليتنا الراهنة حيال اجيال المستقبل هي التي تستدعي منا ذلك.

