برنامج احتفالية الذكرى السابعة لتأسيس المعهد

كلمة الدكتور خضير المرشدي رئيس المعهد
- مؤسس ورئيس المعهد العالمي للتجديد العربي
- طبيب استشاري أمراض الدم والأورام

حين بدأت أولى خطوات المعهد قبل سبع سنوات، ربما ظن كثيرون، أنه لن يكون سوى مؤسسة ثقافية تُضاف إلى المؤسسات العربية القائمة، ورقم جديد في خارطة المراكز والمنتديات المنتشرة في الساحة العربية..
لكنهم أغفلوا حقيقة مهمة:
أن التاريخ لا تصنعه المؤسسات، انما الأفكار التي تنشئ تلك المؤسسات، وتصنعه المشروعات الفكرية القادرة على إحداث التغيير.. فالمؤسسات قد تُنشأ بقرار، أو بيان لمجموعة من الأفراد.. أما الأفكار لا تولد إلا من رحم الأزمات، ومن تحت ركام النكبات، ومن الجرأة على مساءلة المألوف ومواجهة الإحباط، والتمرد على السائد، ورفض الاستسلام لمنطق العجز والتراجع.
فكرة المعهد ولدت من وسط هذا الواقع، ولم تنشأ لتنافس فكرة أخرى، أو لتحل محل حركة او تجمُّع أو تيار آخر سواءً كان فكريا او ثقافياً أو سياسياً..
فمنذ خطوته الأولى كان تأسيس المعهد إعلاناً عن قناعة فكرية مختلفة؛ مفادها أن الأزمة العربية ليست أزمة موارد، ولا أزمة إمكانات، ولا حتى أزمة معلومات، انها قبل كل شيء أزمة منظومات فكرية، وأزمة مناهج في التفكير، وأزمة عقول، وبمجملها أزمة عجز بنيوي عميق في منظومات الفكر العربية..
بناءً على ذلك، نجحنا في بناء بيئة نظيفة أعادت شرف السؤال، واحتضنت الرأي الحر، وعززت النقد الموضوعي، وقبول الرأي الاخر، واحترمت العقل المنتج للمعرفة.. وخلال هذه السنوات السبع، تحوّل هذا السؤال إلى مسار عمل، وإلى تجربة فكرية حية استطاعت أن تترك أثراً في الساحة الفكرية العربية، ليس من خلال الضجيج، وانما من خلال تراكم هادئ وعميق في الفكرة والمنهج والاشتباك المعرفي..
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن أحد أهم ركائز تجربة المعهد وأحد أهم أسرار قوته واستمراريته، يكمن في اعتماده على العمل التطوعي الكامل، ليس بوصفه نقصاً في الموارد، انما بوصفه خياراً واعياً وموقفاً فكرياً.
فالتطوع ليس منّة ولا اضطراراً، بقدر ما هو تعبير عن انتماء للفكرة قبل أي اعتبار آخر، وعن إيمان بأن القيمة الحقيقية للعمل الفكري لا تُقاس بما يُدفع مقابله، بل بما يضيفه للوعي والمعنى.. العمل التطوعي في هذا المشروع لم يكن ضعفاً في البنية، انما قوة في الإرادة، وسمواً في الدافع، واستقلالاً في القرار.. لأنه يؤكد حقيقة جوهرية هي: أن الفكرة حين تكون حيّة، تستطيع أن تبني حولها مجتمعاً من الإيمان بها، لا من التبعية لها.
ومن المهم أن نعرف بوضوح:
حين يصبح العمل من أجل الفكرة هو المكافأة، يصبح المشروع أكبر من أن يُقاس بالتمويل، وأعمق من أن يُختزل في الدعم.
الزملاء الاعزاء
قبل أن نمضي إلى آفاق المرحلة المقبلة، فإن الوفاء يقتضي منا أن نتوقف بإجلال أمام جميع الذين أسهموا في بناء هذا الصرح منذ انطلاقته الأولى؛ من المؤسسين، وأعضاء مجلس المعهد، ورؤساء الوحدات الفكرية، والباحثين، والخبراء، وكل من قدّم فكرة، أو كتب بحثاً، أو أدار حواراً، أو غرس لبنة في هذا البناء، سواء بقي بيننا أو غادر المعهد لظروفه الخاصة. فالمشروعات الفكرية الكبرى لا تُبنى بجهد فرد، وإنما بتراكم العطاءات، وتتابع الأجيال، وتكامل العقول.
لقد كان لكل واحد منهم أثرٌ في هذه المسيرة، وهذا الأثر سيظل جزءاً من ذاكرة المعهد ووفائه الأخلاقي، لأن المؤسسات التي لا تحفظ فضل أبنائها، لا تستحق أن تصنع المستقبل.
لكن، في الوقت نفسه، فإن من أهم الدروس التي يعلمنا إياها التاريخ أن الأفكار الحية لا تتوقف عند الأشخاص، مهما بلغت مكانتهم، ولا تنهض بفرد مهما عظم عطاؤه، أو ظن انه الأهم!! فقد يقود الفرد الفكرة، وقد يمنحها دفعتها الأولى، لكنه لا يحتكرها، لأنها ما إن تنطلق حتى ترسم حياتها الخاصة، وتكتسب شرعيتها الأخلاقية من قدرتها على خدمة الإنسان، لا من أسماء الذين أطلقوها، وتبدأ رحلتها في عقول الناس، حيث تصبح أكبر من مؤسسها، وأوسع من مؤسستها، وأبقى من جميع من حملوها في بداياتها.
أما الاعتقاد بأن مشروعاً فكرياً يتوقف على وجود شخص بعينه، وأن غياب هذا الشخص هو بداية انهيار المؤسسة، فهذا ليس إلا وهماً من أوهام الاكتمال. والوهم هو العدو الأول للمعرفة والإبداع، لأنه يجعل الإنسان يخلط بين قيمة إسهامه، وعظمة المشروع الذي أسهم في بنائه.
إننا نؤمن بأهمية الفرد في القيادة، والرؤية، والتوجيه، لكننا نؤمن أيضاً بأن قيمة القائد الحقيقية لا تُقاس بقدرته على أن يجعل المؤسسة تدور حوله، بل بقدرته على أن يبني مؤسسة تستطيع أن تستمر، وتتطور، وتنتج قيادات جديدة بعده. فالمؤسسة التي تموت برحيل أحد، لم تكن قد اكتملت مؤسسياً، مهما بدت قوية في ظاهرها.
من هنا، فإن المعهد العالمي للتجديد العربي سيبقى، بإذن الله، بيتاً مفتوحاً لكل عقل مبدع، ولكل باحث يمتلك شجاعة السؤال، ولكل مفكر يؤمن بأن الأفكار العظيمة لا تُورث، بل تُبنى، ولا تُحتكر، بل تتجدد بتجدد العقول التي تحملها. فالمعهد لا يبحث عن أسماء تزين سجلاته، انما عن عقول تمنح المشروع معنى
جديداً، ويمنحها المشروع في المقابل فضاءً يليق بإبداعها، لتكون شريكة في صناعة مستقبل الفكر العربي.
“لا نبني مؤسسة تقوم على الأشخاص، بقد ما نبني فكرةً قادرة على صناعة الأشخاص. فالأشخاص يبدؤون المشروعات، أما الأفكار الحية فهي التي تضمن استمرارها.. فإذا ارتبط بقاء المشروع بشخص واحد، فقد تحول من مشروع حضاري إلى سيرة ذاتية.. وهذا لا يكون مقبولاً الاّ في حدود التوثيق.
المؤسسات الفكرية العظيمة لا تُقاس بعدد الأسماء التي مرت بها، انما بعدد العقول التي استطاعت أن توقظها، والأفكار التي نجحت في أن تجعلها أكثر حرية، وأكثر قدرة على بناء المستقبل..
كما ان القيادة الحقيقية لأي مشروع تُقاس بقدرة القائد على أن يبني فريقاً من العقول المبدعة، يمتلك الاستقلالية، وروح المبادرة، والقدرة على مواصلة المشروع وتطويره جيلاً بعد جيل. فالقائد الذي يحتكر النجاح يبني ظاهرة مؤقتة، أما القائد الذي يصنع فريق من القادة، ويبني فرق عمل فاعلة، ويطلق طاقات الإبداع، فإنه يؤسس لمؤسسة تمتلك أسباب البقاء والتجدد.
إن أعظم إنجاز للقائد أي قائد ليس أن يكون هو العقل الوحيد في المؤسسة، بل أن يغادرها وقد ترك وراءه عشرات العقول القادرة على التفكير، والإبداع، والقيادة، ومواصلة المسيرة بثقة واقتدار.
القائد الحقيقي لا يصنع الأتباع ولا يحتكر الأفكار، بل يجب أن يحرر هذه الأفكار ويطلقها ويوثقها لتأخذ مسارها في تحريك الوعي العام.
كما وانه لا يبني مؤسسة تعتمد عليه فقط، بقدر ما يبني مؤسسة تستطيع أن تستغني عنه، دون أن تتخلى عن رسالتها.. نجاح القائد يقاس بما يبقى بعده، لا بما يجتمع حوله أثناء وجوده.
فالمؤسسات التي تعيش بشخص واحد ستموت برحيله، أما المؤسسات التي تعيش بالفكرة، وتجددها بالعقول، فإنها تكبر كلما تعاقبت عليها الأجيال.
ولأننا معهد للتجديد، ولأن التجديد الحقيقي يبدأ من الذات أولاً:
فإننا اليوم، نعلن بجرأة ومسؤولية، انه قد حان الوقت للمراجعة الشاملة والمكاشفة الصريحة، ونقد الأماكن الساكنة في عملنا بلا مجاملة..
لأننا نؤمن أن أخطر ما يصيب مؤسسة ما، خاصة مؤسسات الفكر، هو ليس الفشل وليس الخطأ وليس النقص، انما هو “الرضا عن الذات” الذي يبعث على السكون والاطمئنان والراحة.
فالفشل يمكن عبوره، والخطأ يصحح، والنقص يكتمل. أما الرضا عن الذات، حين يتحول إلى عقيدة خفية فإنه يعطّل التفكير ويغلق أبواب المراجعة ويرفض النقد والتجديد..
من هنا فإن احتفاءنا بمنجز السنوات التي مرّت لا يكون بالتغني أو التباهي بآلاف الاساتذة المنضمين إلى المعهد، ولا بمئات الندوات التي عقدت سنوياً، أو بالمؤتمرات والأبحاث والدراسات والكتب والمجلات رغم أهميتها..
لكن الأهم هو مساءلة هذه المنجزات ومراجعتها ونقدها وإعادة فحصها، ومعرفة قربها او بعدها عن غايات المعهد ومدى الأثر الذي احدثته.. بما يضمن السير نحو تحقيق رؤية المعهد في بناء فكر عربي جديد يستلهم القيم الحضارية، ويستوعب تحديات الحاضر، ويواكب التطور العالمي في المجالات كافة..
لهذا، فإننا ننتقل من لحظة الاحتفاء بما تحقق، إلى لحظة المكاشفة الصريحة، لأن المشاريع الفكرية الحية لا تكتفي بالإنجاز، بل تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها باستمرار.. فالمشهد الفكري العربي بكل مؤسساته ونخبه واتجاهاته، يعاني من أشكال متعددة من الوهن المعرفي الذي أعاق قدرته على صناعة التأثير.
- من مظاهر هذا الوهن هو الاستسلام لعقدة الأنساق المغلقة:
الفكر العربي المعاصر يعيش حالة انقسام بين معسكرين متقابلين ظاهرياً، ومتشابهين جوهرياً..
معسكر ينظر إلى الماضي بوصفه إجابة نهائية عن أسئلة الحاضر والمستقبل..
ومعسكر ينظر إلى الخارج بوصفه المصدر النهائي للحقيقة والمعرفة..
أحدهما يقدّس التراث والأموات..
والآخر يقدّس النموذج الغريب الجاهز.
وكلاهما يفتقد القدرة على الابتكار..
- ومظاهر الوهن “الفردانية”:
العالم المعاصر لم يعد يُدار بالعقول المنفردة مهما بلغت عبقريتها، انما يدار بالشبكات المعرفية الواسعة..
وأصبح البناء الحضاري العالمي نتاج تفاعل العقول والمعارف والمؤسسات ضمن منظومات فكرية مترابطة.. بينما جزء كبير من المشهد الفكري العربي ما زال يعمل بمنطق الفردانية المعزولة، تحكمه الأنانية، والنرجسية، وتضخيم الذات، والاستعراض. باحث هنا.. مركز هناك.. ومشروع في مكان آخر.. دون الالتفات لبناء شبكة معرفية متكاملة قادرة على تحويل الجهود المتفرقة إلى قوة معرفية تاريخية مؤثرة وكتلة فكرية واحدة لكي تحدث التغيير المطلوب.
(ولعل المعهد العالمي للتجديد العربي بهيكله ومنهجه قد تفرّد عن المراكز والمؤسسات الأخرى بالتكامل في العلوم والمعارف والمنظومات)
- وهن الفاعلية ولغة الخطاب المعقدة”:
بات المفكر العربي يتحدث بلغة إشارات بالغة التعقيد، مغرقة في الفاظ مجردة من المعنى ومصطلحات هجينة مترجمة ومكررة ومصممة للاستعراض وليست للتغيير أو التواصل..
هذه اللغة المعزولة صنعت قطيعة تامة بين مراكز الفكر من جهة، وفئات المجتمع الحيوية، كالشباب، الفاعلون في الاقتصاد، والمبتكرون وأصحاب المواهب، من جهة أخرى.. فعندما يفقد الفكر قدرته على التبسيط الذكي والتأثير المباشر، يفقد مشروعيته في الوجود، ويتحول إلى نوع من “مخاطبة الذات” التي لا تصنع أثراً ولا تغير سلوكاً.
- المظهر الاخر للوهن المعرفي هو في أزمة الجامعات العربية.
حيث ان الوهن لا يكمن في ندرة الجامعات أو الشهادات أو البنى التحتية لها، انما في تحوّل الجامعة من فضاء لإنتاج المعرفة إلى جهاز لإدارة المعرفة واستهلاكها..
وأصبحت في كثير من الحالات بيئة تُكافئ التقليد أكثر مما تُكافئ الإبداع، وتحولت العملية الأكاديمية إلى نظام إجرائي صارم، يرفع من شأن الشكليات على حساب الجوهر والمضمون..
وهكذا ينفصل البحث العلمي عن وظيفته ويتحوّل إلى نشاط مهني مرتبط بالامتيازات فحسب..
- من المظاهر السائدة بكثرة ومنها في معهدنا، والتي تستحق التوقف عندها كثيراً هي “عقلية الأنشطة الروتينية”:
اختزال النشاط الفكري في عقد الندوات الرتيبة والبروتوكول والمبالغة في المديح والثناء والتذمر من قلة المشاركين..
وهنا لا بد ان نتكاشف عن طبيعة هذه العملية العقيمة لتفكيكها والنظر لمخرجاتها.. فليس مأمولاً من مؤسسة تتبنى مشروعاً حضارياً مستقبلياً كبيراً.
أن تنشغل بتعبئة الجداول السنوية بندوات ومحاضرات وسياقات من هذا النوع، وتعرض افكاراً قديمة، متداولة مستقرة، قد مضى عليها الزمن، ومات أصحابها، وانتهت سياقاتها وتلاشت ظروفها”: ويقاس النجاح فيها بالكم.. كم ندوة أقمنا؟ كم مؤتمراً عقدنا؟ وكم ورقة طبعنا؟ وكم شخصاً حضر في ندوتنا؟ وكأن انعقاد هذه الندوة أو إلقاء تلك المحاضرة أو المداخلة هو الغاية بحد ذاتها…!!
وإذا ما قُدّمت بعض “التوصيات فهي لا تتعدى سوى كلمات إنشائية”، لا قيمة معرفية لها، وغالباً ما تُسهم في تخدير الوعي وتمنح المثقف شعوراً زائفاً بأنه قد أدى واجباً عظيماً!!!
ويصبح السؤال الصامت الذي يرافق هذه النشاطات، هو: ماذا أضافت هذه الجلسة إلى ما قبلها؟ وما الفائدة والاثر الذي خرجت به هذه الندوة او ذلك المؤتمر؟ وهذا ما نتداوله باستمرار.
- ومن مظاهر الأزمة “تراجع استقلالية السؤال الأكاديمي”
إذ تُختزل الحرية العلمية أحياناً في حدود آمنة ضيقة ومحدودة، لا تقترب من المناطق الحساسة التي تزعج (الذوات) وأصحاب السعادة والمعالي سواءً في إطار الفكر أو السياسة أو منظومة الحكم، مما ينتج معرفة محايدة ظاهرياً لكنها فاقدة للشجاعة التي تصنع التحولات العميقة.
قد يتبادر الى الذهن أن ما نطرحه اليوم هو نوع من جلد الذات أو التقليل من أهمية المنجز أو رغبة في تغيير الرؤية والمنطلقات.. الجواب القاطع… لا ابداً.
ربما يكون الجواب هو “عدم الرضا عن الذات” الذي تحدثنا عنه قبل قليل.. وعدم الرضا عن الأداء أحياناً..
لكن الهدف هو أعمق من ذلك بكثير..
فلا تغيير في رؤية المعهد، ولا تجاهل للجهد التطوعي العظيم الذي يقدمه زملاء كرام من رؤساء الوحدات وعدد من اعضاء المعهد الافاضل.. الذي يستحقون الثناء والتقدير في كل حين.
ولعل من المهم أن نؤكد هنا أن فلسفة اللا اكتمال التي اعتمدناها كمنهج مبتكر في بناء المشروع.. لا تدعو إلى الشك العدمي، ولا إلى إنكار الحقائق، ولا إلى إسقاط الثوابت، كما قد يتوهم البعض. إنها تدعو إلى أمر أكثر عمقاً وأشد مسؤولية، هو: أن ندرك أن فهم الإنسان للحقائق، وإدراكه للواقع، وصياغته للمعرفة، يظل عملاً بشرياً متجدداً، قابلاً للمراجعة والتطوير كلما اتسعت الخبرة، وتبدلت الظروف، وتغيرت أسئلة العصر. فالإنسان لا يحيط بالوجود دفعة واحدة، بل يقترب منه باستمرار. من هنا، فإن اللا اكتمال ليس نقصاً في المعرفة فحسب، بل هو فضيلة العقل الحي، لأنه يبقي باب السؤال مفتوحاً، ويمنع تحول الأفكار إلى أصنام، أو النظريات إلى يقينيات مغلقة، أو الاجتهادات البشرية إلى نهايات لا يجوز تجاوزها.
“الاكتمال ليس نقيض النقص، انما هو نقيض الحياة.. لأن كل ما هو حيّ يتغير، وكل ما يتغير لا يكتمل.”
لذا ان ما نهدف اليه هو الانتقال من برنامج لآخر، والتحوّل من ثقافة إدارة الأنشطة إلى ثقافة بناء المنظومات، ومن إنتاج المعرفة لا بوصفها غاية فقط إلى إنتاج المعرفة بوصفها قوةً تاريخية قادرة على إعادة بناء الإنسان والمجتمع..
أي اننا نهدف الى اعادة تعريف معنى العمل الفكري العربي نفسه..
معظم المؤسسات والمراكز الفكرية وأي باحث بإمكانه أن ينتج أفكاراً جديدة.. وقد تكون مبتكرة..
لكن تغيير الآلية التي تُولد بها تلك الأفكار، وبناء العلاقة بين المعرفة والواقع، وبين المفكر والمجتمع، وبين السؤال والمستقبل، ذلك هو التحوّل الحضاري الحقيقي، الذي يحتاج إلى بناء المنظومات والذي يتفرد به المعهد العالمي للتجديد العربي.. حيث ان الفرق بين المفهومين كبير جداً..
إن التحول الذي نعلنه اليوم لا يبدأ غداً، ولا يقوم على ردود الأفعال أو الارتجال. فالمشروعات الحضارية الكبيرة لا تُبنى بالخطب، وإنما بالتخطيط العميق، والتدرج، والتراكم.
لهذا فإننا نعتبر عام 2026 عاماً لإعادة هندسة الفعاليات من الداخل ومراجعة السياقات، وإنضاج البرامج، وإعادة بناء آليات العمل، وتأهيل الوحدات الفكرية، وصياغة الخطط التنفيذية، ليكون عام 2027 هو الانطلاقة الفعلية لعقدٍ جديد من العمل المؤسسي يمتد من خمس إلى عشر سنوات، عنوانه: “الانتقال من إدارة المعرفة إلى هندسة المعرفة، ومن إنتاج الأفكار إلى بناء المنظومات الفكرية العربية الحديثة”.
لا ننظر إلى هذه الاستراتيجية بوصفها خطة تشغيلية، انما بوصفها مشروعاً حضارياً طويل النفس، تتحول فيه كل وحدة فكرية إلى مختبر دائم لإنتاج البدائل، ويصبح المعهد بأكمله ورشة عمل عربية كبرى لإعادة بناء الفكر.
الخطوط العامة لهذه الاستراتيجية او المحاور هي كالاتي:
أولاً: المؤتمرات التخصصية الدائمة.. (مختبرات المنظومات):
تحويل كل وحدة فكرية إلى مختبر إنتاج معرفي دائم، تعقد مؤتمرها التخصصي السنوي، وتعمل طوال العام على بناء منظومة متكاملة في مجال اختصاصها.
فلا يكون دور الوحدة وصف الأزمة فقط، انما تصميم البديل، وليس تحليل الواقع فقط، انما هندسة المستقبل.
ثانياً: الأوراق الفكرية التأسيسية:
لن يقتصر الإنتاج العلمي على الدراسات الوصفية، انما نحث الباحثين على تقديم أوراق فكرية نقدية تؤسس لمفاهيم جديدة، وتفكك الأنساق السائدة، وتقترح محتوى متجدد لمنظومات معرفية حديثة تتجاوز المألوف والمتداول.
ثالثاً: أوراق السياسات التنفيذية:
يُرفق بكل منظومة معرفية برنامج تنفيذي مختصر (Policy Paper)، يحول الرؤية الفكرية إلى وخطط، وبرامج قابلة للتطبيق والقياس.
رابعاً: حوارات الاشتباك الفكري:
(جلسات العصف الذهني)..
تنظم الوحدات جلسات مفتوحة، عابرة للتخصصات، لا تُدار بمنطق المحاضرة، انما بمنهج السؤال والجدل المنضبط.
في هذه الحوارات يلتقي الفيلسوف بالمبرمج، والاقتصادي بعالم الاجتماع، والطبيب بخبير الذكاء الاصطناعي، والفنان بالسياسي، لإثارة الأسئلة الكبرى التي لا تولد داخل التخصص الواحد.
فالأفكار العظيمة لا تُولد في مناطق اليقين، انما في مناطق الاشتباك.
خامساً: برنامج الذكاء الهجين:
بهذا البرنامج يتحول الذكاء الاصطناعي من موضوع بحث إلى شريك معرفي..
تُكلف وحدة التكنولوجيا الرقمية في المعهد بإعادة هيكلة برنامجها السنوي، بحيث تتحول من عقد ندوات تقليدية بمفردها إلى تنظيم ورش شهرية مشتركة مع جميع الوحدات الفكرية.
ففي كل شهر تشتبك هذه الوحدة مع تخصص مختلف، لتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي..
في الاقتصاد مثلاً، والتعليم، والقانون، والإعلام، والسياسة، والثقافة، والصحة، وسائر الحقول المعرفية، وصولاً إلى بناء نموذج عربي للذكاء الهجين.
سادساً: مرصد التحولات الاستراتيجية واستشراف المستقبلات:
لا يقتصر علم المستقبلات على تخصص بعينه، انه يمثل حقلاً معرفياً تتقاطع فيه جميع العلوم.
ولهذا يتحول المرصد إلى منصة اشتباك شهرية مع مختلف وحدات المعهد، لاستشراف مستقبل التعليم، والاقتصاد، والثقافة، والإعلام، والسياسة، والتكنولوجيا، والقيم، وغيرها.
وتتولى وحدة استشراف المستقبلات هذا البرنامج بإصدار تقارير استشرافية دورية، كل ثلاثة أشهر، ورسم المشاهد المستقبلية، وتحويل مخرجات الوحدات الفكرية كافة إلى رؤى استراتيجية بعيدة المدى.
سابعاً: الثقافة بوصفها الحاضنة الجامعة:
وحدة الدراسات الثقافية في المعهد ليست قطاعاً مستقلاً، انما هي الإطار الذي يمنح جميع العلوم معناها الحضاري، بحيث تُعاد هيكلة عمل الوحدة لتصبح منصة تفاعلية تتقاطع مع جميع الوحدات..
فالثقافة التربوية، والثقافة الاقتصادية، والثقافة القانونية، والثقافة الرقمية، والثقافة السياسية، والثقافية الطبية، وغيرها هي ليست موضوعات منفصلة، بقدر ما هي مستوى الثقافة التخصصية وأبعاد متعددة لمنظومة ثقافية واحدة.
ثامناً: منهج الترحال المعرفي:
يعتمد المعهد منهج الترحال المعرفي، لتحويل المعرفة من فعل ذهني مجرد إلى تجربة إنسانية معاشة، عبر برامج ميدانية، ودراسات استقصائية، ولقاءات مجتمعية، ورحلات بحثية مباشرة أو عن بُعد، تجعل الباحث يعيش الفكرة قبل أن يكتبها..
تاسعاً: المؤتمر الفكري السنوي العام:
يبقى المؤتمر العام أعلى سلطة معرفية في المعهد، والمكان الذي تتلاقى فيه جميع الوحدات الفكرية، لتقديم حصيلة الحوارات، واستنباط المفاهيم الجديدة، ومراجعة المنجز السنوي، ورسم خارطة العمل للعام التالي.
عاشراً: الشراكات المعرفية العربية والعالمية:
يبني المعهد شبكة تعاون مع الجامعات في الوطن العربي والعالم، ومراكز التفكير، وبيوت الخبرة، والمؤسسات العلمية، لا بوصفه متلقياً للمعرفة، بقدر ما يكون شريكاً في إنتاجها، ومسهماً في صياغة الأسئلة الكبرى عن المستقبل.
الحادي عشر: ورش أو مصنع المفاهيم:
إن المنظومات الحضارية لا تُبنى بالسياسات وحدها، وإنما تبدأ بمفهوم جديد يغيّر طريقة رؤية الإنسان للعالم. فكل تحوّل تاريخي كبير سبقته ثورة في المفاهيم؛ لأن المفهوم ليس كلمة أو مصطلح، انه إطار ذهني يعيد تنظيم المعرفة، ويولد أسئلة جديدة، ويقود إلى حلول جديدة.. وانطلاقاً من ذلك، يلتزم المعهد بتأسيس:
وحدة “صناعة المفاهيم الحديثة”
أو “وحدة هندسة المفاهيم” بوصفها مشروعاً دائماً لاستنباط المفاهيم، وصياغتها، واختبارها، وتطويرها، وتحويلها إلى أدوات تفسير وبناء، تغني الحقل المعرفي العربي، وتسهم في الحوار الفكري العالمي.
ولن يكون معيار نجاحنا بعدد ما نترجمه من مفاهيم الآخرين، بل بعدد المفاهيم التي ننتجها نحن، ثم تصبح جزءاً من لغة المعهد والفكر العربي، وربما الفكر الإنساني بعد حين.
وفي هذا الخصوص أرى أن الوقت قد حان ليصبح للمعهد “قاموسه المفاهيمي أو “المعجم المفاهيمي للمعهد العالمي للتجديد العربي” أو “الموسوعة المفاهيمية للتجديد العربي”..
فالأمم لا تُهزم حين تفتقر إلى الثروة، أو حين تخسر معركة ما.. انما تهزم حين تفتقر إلى المفاهيم التي تفسّر عالمها وقدراتها وتمنحها القدرة على إعادة البناء.. فمن يمتلك المفهوم، يمتلك البوصلة؛ ومن يمتلك البوصلة، يستطيع أن يصنع الطريق.
وكلنا نعلم ان التاريخ لم يخلّد المئات من الكتب والأسماء، لكنه خلّد مفاهيم عظيمة غيّرت وعي الإنسان وطرق تفكيره مثل: العقد الاجتماعي، صراع الطبقات، القوة الناعمة، نهاية التاريخ، صدام الحضارات، التمرد الخلاق.. إلخ.
وسيخلد تاريخ الفكر ما أنتجه معهدنا حتى الان – فإنه سيخلد حتماً مفاهيم قام عليها المعهد – مفهوم التجديد العربي – مفهوم اللا اكتمال، المواطنة العربية، الأمن الحضاري العربي، العلمانية المؤمنة، واللا يقين الإبداعي..
انها ليست مجرد مصطلحات، انها عدسات يرى الناس، العالم من خلالها.. ونرى بها أن المعهد سيكون مصنعاً لمفاهيم جديدة اخرى لا مجرد منتج لدراسات ومعارف وأبحاث..
سوف ننجح حتماً في هذا التحوّل، ونكون قد خطونا نحو إنشاء “مدرسة فكرية عربية حديثة” تسهم في فتح مسار جديد للفكر العربي، قد يمتد أثره إلى أجيال لم تولد بعد.. لن نكتفي بإدارة الأنشطة، ولا إنتاج المألوف، ونرفض ان نكون مؤسسة أضافها التاريخ إلى أرشيفه… ومضى.
وإذا كان التاريخ يخلّد الذين بنوا الإمبراطوريات، فإنه يخلّد أكثر، أولئك الذين غيّروا طريقة تفكير المجتمعات.. هذه الرحلة، هي التي اخترناها.
لعل الثابت الوحيد في منهجنا هو أن نبدأ من جديد بعد كل شوط نقطعه، وكل فعل ننجزه.
فالفكر الذي يُعتقد أنه قد اكتمل، سوف يشيخ ويموت، أما الفكر المبني على فلسفة “اللا اكتمال”، فهو الوحيد القادر على التجدد وصناعة المستقبل.

مقترح خطة عمل مستوحاة من كلمة أ . د . خضير المرشدي
في ضوء قراءتنا لكلمة رئيس المعهد الأستاذ الدكتور خضير المرشدي، أرى أنها ليست مجرد كلمة افتتاحية، بل هي وثيقة تحول مؤسسي يمكن تحويلها إلى برنامج عمل استراتيجي يمتد من خمس إلى عشر سنوات.
وفي تقديري، فإن أفضل طريقة لذلك هي عدم التعامل مع الكلمة على أنها مجموعة أفكار، بل باعتبارها خارطة طريق تتدرج من الرؤية إلى البرامج ثم إلى المشروعات ثم إلى مؤشرات الأداء.
وأقترح أن يُبنى البرنامج على المستويات الآتية:
| المستوى | المخرج |
| الرؤية | التحول من إدارة الأنشطة إلى صناعة الأثر والتحول الحضاري |
| الرسالة | بناء منظومات فكرية عربية قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة البدائل |
| الغاية الاستراتيجية | إنشاء مدرسة فكرية عربية حديثة ذات تأثير حضاري |
| البرامج الاستراتيجية | 12 برنامجاً مستمداً من الكلمة |
| المشروعات التنفيذية | مشاريع سنوية لكل برنامج |
| مؤشرات الأداء | قياس الأثر وليس النشاط |
البرنامج الاستراتيجي الأول
إعادة هندسة المعهد: والهدف هوتحويل المعهد من مؤسسة تدير فعاليات إلى مؤسسة تنتج منظومات فكرية.
المشروعات:
- مراجعة اللوائح
- إعادة هيكلة الوحدات
- تطوير آليات العمل
- نظام متابعة الأداء
- دليل العمل المؤسسي
المؤشر
- اكتمال البناء المؤسسي بنسبة 100%
البرنامج الاستراتيجي الثاني
المؤتمرات التخصصية الدائمة: بدلاً من ندوة شهرية يصبح مختبراً معرفياً دائماً.
المخرج السنوي، لكل وحدة فكرية: مؤتمر/ كتاب/ منظومة معرفية/ توصيات/ ورقة سياسات
البرنامج الاستراتيجي الثالث
مصنع المفاهيم العربية: هذا في تقديري سيكون المشروع الأكبر. ويشمل:
- بنك للمفاهيم.
- قاموس المفاهيم.
- موسوعة التجديد العربي.
- دليل المصطلحات.
- مختبر صناعة المفهوم
المؤشر: إنتاج20–30 مفهوماً جديداً خلال خمس سنوات.
البرنامج الاستراتيجي الرابع
برنامج أوراق السياسات: كل ندوة تنتهي بورقة سياسات ( Policy Paper) وليس بتوصيات عامة.
مثلاً:
ندوة في الاقتصاد لوحدة دراسات الاقتصاد والتنمية: تصدر ورقة سياسات، يبنى عليها خطة تنفيذية، ثم مؤشرات متابعة.
البرنامج الاستراتيجي الخامس
مختبرات الاشتباك الفكري: تحويل المحاضرات إلى ورش عصف ذهني، تَجْمَعُ الاقتصادي/ الفيلسوف/ المبرمج/ القانوني/ خبير الذكاء الاصطناعي (كما اقترحت الكلمة).
البرنامج الاستراتيجي السادس
برنامج الذكاء الهجين: يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في إنتاج المعرفة. ويشمل:
- تدريب جميع الوحدات.
- بناء أدوات ذكاء اصطناعي.
- مساعدين بحثيين.
- قواعد بيانات معرفية.
- تحليل السياسات.
البرنامج الاستراتيجي السابع
مرصد التحولات الاستراتيجية، المخرجات: كل ثلاثة أشهر يتحقق تقرير استشرافي/ مسارات (سيناريوهات)/ إنذار مبكر/ فرص عربية.
البرنامج الاستراتيجي الثامن
الترحال المعرفي: وهو برنامج جديد ومبتكر. ويشمل: دراسات ميدانية/ لقاءات مجتمعية/ زيارات علمية/ شراكات مع الجامعات/ استطلاعات رأي.
البرنامج الاستراتيجي التاسع
بناء الشبكات الفكرية: فبدلاً من عمل الوحدات بصورة منفردة، يصبح العملشبكة متكاملة. مثلاً: اشتراك الاقتصاد والقانون والإعلام والثقافة في مشروع واحد.
البرنامج الاستراتيجي العاشر
قياس الأثر: وهذا في رأيي على قدرٍ كبير من الأهمية. سننتقل من السؤال: كم ندوة؟سيصبح السؤال: كم ورقة سياسات أصدرنا؟ كم مفهوم جديد ظهر للواقع؟ كم شراكة؟ كم كتاب؟ كم مشروع؟ كم مؤسسة استفادت؟ كم جامعة اعتمدت مخرجات المعهد؟ كم دراسة تحولت إلى قرار؟
وهذا ينسجم مع دعوة الكلمة إلى تجاوز الاحتفاء بعدد الفعاليات إلى مساءلة أثرها الحقيقي.
البرنامج الاستراتيجي الحادي عشر
الشراكات الدولية، يشمل: الجامعات/ مراكز الفكر/ المنظمات/ المؤسسات الدولية. وذلك بهدف إنتاج المعرفة المشتركةوليس مجرد توقيع مذكرات تفاهم.
البرنامج الاستراتيجي الثاني عشر
مشروع المدرسة الفكرية العربية، وهذا يمثل الهدف النهائي. ومكوناته: النظرية/ المفاهيم/ المنهج/ المؤشرات/ النماذج التطبيقية/ الأدلة الإرشادية/ التدريب/ النشر/ التأثير في السياسات العامة.

إعداد أ . د . جلال حاتم
رئيس هيئة الشؤون العلمية – رئيس وحدة دراسات الاقتصاد والتنمية

وثيقة التحول الاستراتيجي للمعهد العالمي للتجديد العربي
نحو الهندسة الاستراتيجية للمنظومات الفكرية وصناعة الأثر والتحول الحضاري
إن التحدي الذي يواجه المؤسسات الفكرية العربية اليوم لم يعد يتمثل في نقص المعرفة أو محدودية الإنتاج العلمي، وإنما في غياب القدرة على تحويل المعرفة إلى أثر حضاري مستدام، يسهم في بناء الإنسان، وتطوير المجتمع، وتوجيه السياسات، واستشراف المستقبل. فقد أثبتت التجارب أن كثرة الندوات والمؤتمرات والدراسات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإحداث التحول المنشود، ما لم تتحول المعرفة إلى قوة فاعلة، والفكر إلى مشروع حضاري، والمؤسسة إلى منصة للتأثير وصناعة المستقبل.
وتأسيساً على هذه القناعة، يعلن المعهد العالمي للتجديد العربي انتقاله إلى مرحلة استراتيجية جديدة، عنوانها “الهندسة الاستراتيجية للمنظومات الفكرية وصناعة الأثر والتحول الحضاري”. وتمثل هذه المرحلة تحولاً في فلسفة العمل المؤسسي، ينتقل بالمعهد من التركيز على إدارة الأنشطة وإنتاج المعرفة بوصفهما غاية في ذاتهما، إلى بناء منظومات فكرية عربية متكاملة، قادرة على تحويل المعرفة إلى أثر، والأثر إلى تحول حضاري مستدام.
ولا تمثل هذه الوثيقة مجرد تطوير لبرامج المعهد أو تحديث لآليات عمله، بل تؤسس لإعادة تعريف وظيفة المؤسسة الفكرية العربية في القرن الحادي والعشرين، بوصفها مؤسسة تصنع الرؤية، وتبني المنظومات، وتستشرف المستقبل، وتسهم في بناء الحضارة.
أولاً: فلسفة التحول
يؤمن المعهد بأن النهضة لا تُقاس بحجم المعرفة المنتجة، بل بقدرتها على تغيير الواقع. فالمعرفة ليست غاية نهائية، وإنما نقطة انطلاق لبناء الإنسان، وتعزيز الهوية، وإنتاج المعنى، وصناعة المستقبل.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تقوم على الانتقال من التفكير في النشاط إلى التفكير في الأثر، ومن تراكم الأفكار إلى بناء المنظومات، ومن الاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المستدام، ومن ردود الأفعال إلى المبادرة وصناعة الاتجاهات.
وتستند هذه الفلسفة إلى قناعة راسخة بأن التحول الحضاري لا يتحقق بقرار إداري، ولا بفعالية موسمية، وإنما عبر مشروع فكري طويل النفس، تتكامل فيه المعرفة، والتعليم، والإعلام، والثقافة، والسياسات، والشراكات، والتقنيات الحديثة، ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
ثانياً: التحولات الاستراتيجية الكبرى
1) من إدارة الأنشطة إلى صناعة الأثر والتحول الحضاري
لم يعد نجاح المؤسسة الفكرية يقاس بعدد الندوات أو المؤتمرات أو الإصدارات، وإنما بقدرتها على إحداث أثر ملموس في الفكر والمجتمع والمؤسسات. وسيكون الأثر الحضاري، لا النشاط، هو المعيار الرئيس لتقييم الأداء وقياس النجاح.
2) من إنتاج المعرفة إلى الهندسة الاستراتيجية للمنظومات الفكرية
يتبنى المعهد نموذجاً جديداً يقوم على تصميم منظومات فكرية متكاملة، تربط بين البحث العلمي، والتعليم، والإعلام، وصناعة السياسات، والتقنيات الحديثة، بما يحول المعرفة إلى قوة قادرة على معالجة التحديات وصناعة البدائل.
3) من استهلاك المعرفة إلى إنتاج المفاهيم العربية
يسعى المعهد إلى الإسهام في إنتاج مفاهيم ونماذج معرفية عربية جديدة، تنطلق من واقع الأمة وتطلعاتها، وتسهم في إثراء الفكر الإنساني، وتعزيز السيادة المعرفية العربية، بدلاً من الاكتفاء باستيراد المفاهيم وإعادة إنتاجها.
4) من قراءة الحاضر إلى استشراف المستقبل وصناعته
سيصبح استشراف المستقبل وظيفة أصيلة للمعهد، من خلال تطوير الدراسات المستقبلية، وأوراق السياسات، والمراصد الاستراتيجية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، بما يساعد على بناء البدائل واستباق التحولات، لا الاكتفاء بتفسيرها بعد وقوعها.
5) من المؤسسة البحثية إلى المدرسة الفكرية العربية
لا يطمح المعهد إلى أن يكون مركزاً لإنتاج الدراسات فحسب، بل إلى تأسيس مدرسة فكرية عربية معاصرة، تمتلك رؤيتها الحضارية، ومنهجها العلمي، ومفاهيمها الخاصة، وتسهم في بناء خطاب عربي جديد يجمع بين أصالة الهوية ومتطلبات العصر.
6) من العمل المتخصص إلى التكامل المعرفي
تنطلق المرحلة الجديدة من أن القضايا الحضارية الكبرى لا يمكن معالجتها من خلال تخصص منفرد، وإنما عبر تكامل العلوم الإنسانية والاجتماعية والتطبيقية، وبناء فرق متعددة التخصصات قادرة على إنتاج حلول أكثر عمقاً وفاعلية.
7) من الإنتاج المعرفي إلى الريادة الحضارية
الغاية النهائية ليست إنتاج المزيد من المعرفة، وإنما الإسهام في بناء مشروع حضاري عربي، يجعل من الفكر قوة ناعمة، ومن المعرفة أداة للتنمية، ومن الإنسان محوراً لكل عملية تجديد.
ثالثاً: آليات التنفيذ
ولتحقيق هذه الرؤية، سيعمل المعهد على تطوير منظومة متكاملة تشمل المؤتمرات التخصصية بوصفها مختبرات لإنتاج المنظومات الفكرية، وإعداد الأوراق الفكرية وأوراق السياسات، وإنشاء مراصد للتحولات الاستراتيجية، ومصانع للمفاهيم، ومنصات للذكاء الاصطناعي والهندسة المعرفية، إلى جانب تطوير منظومة لقياس الأثر، وتعزيز الشراكات العلمية العربية والدولية، وربط المعرفة بقضايا المجتمع واحتياجات المستقبل.
كما سيعمل على ترسيخ ثقافة التفكير الاستراتيجي، وتشجيع الابتكار، وإنتاج السرديات الحضارية، وبناء رأس المال المعنوي، بما يعزز قدرة المعرفة على الانتقال من التنظير إلى التطبيق، ومن الفكرة إلى المنظومة، ومن المنظومة إلى التحول.
رابعاً: الرؤية المستقبلية
يتطلع المعهد العالمي للتجديد العربي إلى أن يكون خلال المرحلة المقبلة المرجعية العربية الرائدة في الهندسة الاستراتيجية للمنظومات الفكرية، ومنصة لإنتاج المعرفة المؤثرة، واستشراف المستقبل، وصناعة السرديات الحضارية، والإسهام في بناء السياسات العامة، وتعزيز السيادة المعرفية العربية.
كما يتطلع إلى أن يصبح نموذجاً عربياً متقدماً للمؤسسة الفكرية التي لا تكتفي بإنتاج الأفكار، بل تمتلك القدرة على تحويلها إلى مبادرات، ومؤسسات، وشراكات، وسياسات، وآثار حضارية مستدامة، تسهم في بناء مجتمع المعرفة، وتعزيز النهضة العربية، والإسهام في الحضارة الإنسانية.
أخيراً.. إن هذه الوثيقة لا تمثل نهاية مرحلة، بقدر ما تؤسس لبداية مرحلة جديدة في مسيرة المعهد العالمي للتجديد العربي، قوامها الانتقال من إدارة الأنشطة إلى هندسة المنظومات، ومن إنتاج المعرفة إلى صناعة الأثر، ومن التفكير في الحاضر إلى بناء المستقبل.
وإذ يعلن المعهد هذا التحول، فإنه يؤكد أن التجديد الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف وظيفة المؤسسة الفكرية، وبإطلاق مشروع حضاري مفتوح، تتكامل فيه المعرفة مع القيم، والهوية مع الابتكار، والإنسان مع المستقبل، ليكون الفكر العربي شريكاً فاعلاً في صناعة الحضارة، لا مجرد متابع لتحولاتها.



