- الدكتور خضير المرشدي
- رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي

الاخوات والإخوة الاعزاء
أحييكم تحية طيبة
ان هذا المنتدى الذي تم استحداثه في المعهد، نرجو ان يكون محاولة لكسر ما يسمى البطالة الفكرية او الترف الثقافي.
نطمح ان تتعزز فيه ‘الجرأة’ والحرية قبل ‘المعرفة’. لان النهوض الذي ننشده هو فعل سيادة فكرية يبدأ حين نملك الشجاعة لنقول: إن استقرارنا الحالي هو مجرد سكون مؤقت، وإن أمننا الحقيقي يكمن في ‘حيوية العقل وعمق التفكير .
ويجب ان لانخرج من هذه المناقشات مرتاحين او مستمتعين بإجابات مريحة، انما يجب ان نخرج بأسئلة مزعجة، وقلق مخيف، وألم عميق، لأنها الظواهر الوحيدة التي تدعو إلى اليقظة والتفكير بالمستقبل..
من لا يتألم لايستيقظ، ومن لا يحتويه القلق لاينهض من سباته.
الأمم لا تنهض حين تجد حلولاً لمشاكلها الإدارية فقط، انما تنهض حين تعيد تعريف ‘معنى وجودها’ داخل التاريخ.
فالبداية هي ان لا نفكر في النهضة، انما نصنع شروط هذه النهضة وإمكانية تحقيقها.
ولنبدأ بتوضيح المفاهيم باختصار .. اللذان هما ركنا الموضوع المعروض .. النهوض والإقلاع.
وما الفرق بينهما ؟
الفرق بينهما هو كالفرق بين “الاستيقاظ من النوم والجلوس على السرير” وربما مغادرة المكان، والعودة ثانية، وبين “اختراق الغلاف الجوي”.
النهوض هو “حالة وعي” قبل أن يكون “حالة مادية”.
• التعريف الفكري: هو اللحظة التي تدرك فيها الأمة أنها “خارج التاريخ”، وتبدأ في رفض واقعها المزري. هو استعادة “الكرامة الذهنية” والقدرة على قول “لا” للتبعية والجمود.
والنهوض في الواقع العربي: هو أن نكف عن كذبة الاستقرار ونعترف بواقع “التأخر”. النهوض هو “جمع الشتات الفكري” وتحديد البوصلة.
النهوض هو شخص كان غارقاً في غيبوبة، ففتح عينيه، وأدرك مكانه، وحاول الوقوف على قدميه. اي انه “الاستعداد” للحركة.
أما الإقلاع فهو “لحظة الانفصال عن الجاذبية”.
• التعريف الفكري: هو الانتقال من “التمني” إلى “النمو الذاتي المتسارع” الذي لا يمكن إيقافه. في الاقتصاد، الإقلاع هو المرحلة التي يتحول فيها المجتمع من التخلف إلى “الاندفاع التلقائي” نحو التقدم، حيث يصبح التطور “بنية” وليس “صدفة”.
• الإقلاع في الواقع العربي: هو لحظة تحويل “الاموال من أرصدة في بنوك الخارج إلى “مفاعلات” ومختبرات حضارية وعقول في الداخل.
هو اللحظة التي تبدأ فيها الأمة بإنتاج “غذائها، ودواءها، وسلاحها، ومعرفتها” بقرار سيادي محض.
الإقلاع هو بمثابة الطائرة التي بلغت سرعتها القصوى على المدرج، ثم ارتفعت فجأة لتتحدى جاذبية الأرض. لا عودة للخلف بعد هذه اللحظة، فإما التحليق أو السقوط المروع.
اذن لايجوز الخلط بينهما لأن الخلط سيكون كارثياً.
أزمتنا في الوطن العربي أننا نعيش أحياناً حالات “نهوض بلا إقلاع”.
نحن ننهض فكرياً، نكتب الكتب، نلقي المحاضرات، نغضب في الشوارع (هذا نهوض).. لكننا نفشل في “الإقلاع” لأننا لا نملك أدوات “كسر الجاذبية” (التكنولوجيا، العقل الجوّال، القرار الاقتصادي والمالي المستقل، المؤسسات الصلبة).
• النهوض بلا إقلاع: هو جعجعة بلا طحين”، هو مثقف يصرخ في غرفة مغلقة.
• الإقلاع بلا نهوض: هو “تحديث مشوه”، مثل بناء ناطحات سحاب بعقول مستوردة وأموال مرتهنة (بناء بلا روح).
الخلاصة: النهوض هو أن “تقرر” الخروج من السجن..
أما الإقلاع فهو أن “تحطم” جدران السجن وتمتلك الفضاء الخارجي.
نحن اليوم استهلكنا مائة عام في “النهوض” (الكلام عن الوعي)، وعن النهضة وشروطها وأركانها.. الان حان الوقت لنتحدث عن كلفة “الإقلاع” (تفكيك التبعية والقفز نحو السيادة).
هناك ثلاثة ظواهر لابد للحديث عنها:
١- نهضة بلا وقود:
في الفكر النهضوي، يُفترض أن الثروة هي “الوقود” الذي يحول الوعي إلى واقع، لكن في الحالة العربية، حدث انشطار تاريخي مرعب؛ فبينما كان عقل الإنسان في الوطن العربي “ينهض” (يتعلم، يتثقف، يطالب بالتغيير)، كانت ثروته السيادية “تُقلع” إلى أراضي الآخرين.
لدينا في الوطن العربي ملايين العقول التي حققت “النهوض الذهني”؛ أطباء، مهندسون، ومفكرون يملكون الوعي الكافي لقيادة قارة كاملة.
لكن هذا النهوض ظل “محلياً” و”ساكناً” لأن الوقود اللازم لتحويله إلى إقلاع (وهو المال العربي ) لم يُستثمر في بناء “منصة الإطلاق” المحلية.
• والنتيجة: أصبح لدينا “نهوض معطل”؛ عقول مستنيرة تسكن في بنية تحتية متهالكة، وبيئة طاردة، مما أدى إلى هجرة العقول (إقلاع الأفراد) بدلاً من إقلاع الأمة.
٢- الإقلاع العكسي: “وقودنا في محركات غيرنا”
الاموال التي يتباهى بها “ترامب” هي في الحقيقة “قوة إقلاع هائلة”.
لو وُضعت هذه الكتلة النقدية في “مفاعل حضاري” عربي، لحدثت المعجزة:
• بالمقاييس العلمية:
5 تريليونات دولار التي استثمرت في الولايات المتحدة كانت كفيلة بإنشاء 500 جامعة بمستوى “هارفارد” و”إم آي تي” على طول الخارطة العربية، وتأسيس 1000 مدينة صناعية متخصصة في أشباه الموصلات والطاقة النووية السلمية.
• بالمقاييس السيادية:
هذا المبلغ كان كافياً لشراء “استقلال القرار العربي” للأبد، وتحويل المنطقة من “مستهلك للأمن” إلى “مصدر للاستقرار العالمي”.
الصدمة: أن هذه التريليونات حققت الإقلاع للاقتصاد الأمريكي! لقد استُخدمت دماء أمتنا المالية لترميم “جاذبية” القوى العظمى ومنعها من السقوط، بينما تُركت طائرتنا العربية جاثمة على المدرج، ينهشها الصدأ والديون.
3. التعريف الجديد للفشل: “تبديد شروط الإقلاع”
الفشل العربي ليس جهلاً بل هو “إهمال لشروط الإقلاع”.
اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كانتا تملكان “النهوض” (الإرادة والعلم) وتفتقران للمال، فصنعتا “الإقلاع” بالديون والعمل الشاق.
نحن نملك “النهوض” (العقول) ونملك “المال” (التريليونات)، ومع ذلك فشلنا في الإقلاع.
لماذا؟ لأن النخبة التي أدارت تلك الثروات كانت تخشى من “كلفة الإقلاع”؛ فالمجتمع الذي يقلع تكنولوجياً وصناعياً وعقلياً هو مجتمع لا يمكن “استعباده” أو “قيادته بالخوف”.
إن الاموال المستثمرة في الغرب هي الدليل القاطع على أن أزمتنا ليست ‘أزمة موارد’. نحن أمة تملك ثمن ‘الإقلاع نحو المريخ’.. لكنها اختارت أن تظل ‘تنهض’ وتجلس في مكانها، تشتري بمالها ‘أغلالاً’ مذهبة، وتُقرض العالم ‘حياتنا’ ليعيد بيعنا إياها ‘ديوناً ومساعدات’.
فالنهوض بلا إقلاع هو ‘ثرثرة حضارية’.. والإقلاع بمالنا في بلاد غيرنا هو انتحار سيادي.
ركائز النهوض:
كي نكمل الدخول علينا أن نقتحم منطقة “الألغام” الكبرى: السياسة. فبدون سياسة صلبة، يظل النهوض ثرثرة، ويظل الإقلاع مستحيلاً.
فما هي الركائز والشروط السياسية للنهوض ؟
من القواعد التي تجعل المجتمع “قابلاً” للنهوض، اي امتلاك الوعي .. هي بناء الجسد السياسي أي بنية الدولة، التي تستند إلى:
1- ركيزة “شرعية الإنجاز” وليس شرعية الغلبة”: بمعنى أن تستمد الدولة بقاءها من مقدار ما تقدمه من كرامة وتنمية وفرص للناس، لامن مقدار ماتملكه من أدوات قمع ومراقبة واستبداد.
النهوض يبدأ حين تدرك السلطة أن “أمنها” الحقيقي ليس في عدد المخبرين، انما في عدد “الراضين” عن أدائها.
الدولة التي تخاف من شعبها هي دولة “مشلولة” غير قادرة على النهوض.
2. ركيزة “سيادة المؤسسة على الفرد”: اي الانتقال من “دولة الشخص” (الزعيم الملهم، القائد الأوحد) إلى “دولة المؤسسات“.
حيث ان النهوض مستحيل في أمة يختصر فيها فرد واحد (أو عائلة أو عصبة) إرادة ملايين من البشر.
المؤسسات هي “العقل الجمعي” الذي يضمن استمرار النهوض حتى لو غاب الأشخاص.
3. ركيزة التأميم السياسي للشارع، بمعنى تحويل الجماهير من “كتلة صامتة” أو “أدوات للتصفيق” إلى “فاعل سياسي”، وشريك حيوي.
حيث لا نهضة بلا “اشتباك سياسي” صحي. المجتمع الذي لا يمارس السياسة هو مجتمع “ميت سريرياً “. مما يقتضي خلق فضاء عام يسمح بالتعددية كوقود للتنافس على الأفضل، لا كسبب للاقتتال والتناحر والفرقة.
ومن هنا أود ان أخرج في حديثي عن سياق” الأفكار النهضويّة المعتادة (كالتعليم، الديمقراطية، التكنولوجيا، البحث العلمي، المؤامرات الداخلية، العداوات الشخصية وصراع المصالح، التحديات الخارجية، حركة رأس المال والبنى التحتية والإحصاءات والمؤشرات وغيرها)، والتي طالما نسمعها في احاديث الكثيرين من الزملاء، وربما يتحدث بها اخوة اخرون !!
اود ان أذهب إلى أماكن اخرى مسكوت عنها، مستمدة من فلسفة علم الاجتماع، وعلم النفس الحضاري، وهندسة النظم السياسية، لتناول ركائز اخرى منها:
1. ركيزة “الحق في الخطأ” :
الأمم لا تنهض بالعقول التي تخاف العقاب، انما بالعقول التي تملك ترف التجربة وتمارس المنهج التجريبي وتقبل الخطأ مثلما تقبل الصواب، وتحتفي بالفشل بمثل ماتحتفي بالنجاح وهذا ما يفصّله المنهج التجريبي في السياسة والحكم.
أما في العالم العربي، قإن “الخطأ” يُعد جريمة سياسية أو اجتماعية أو دينية.
يعاقب من يرتكبها وقد يتهم بالزندقة او الكفر ..
النهضة كي تتحقق فعلاً فإنها تتطلب بيئة تحمي “الفشل التجريبي”.
والإقلاع الحقيقي يحدث حين ننتقل من “ثقافة الصواب المطلق” إلى “ثقافة الاحتمالات المتعددة”. الأمم العظيمة هي التي حولت مجتمعاتها إلى “مختبرات” مفتوحة، مختبرات حضارية..
لا إلى “ثكنات” منضبطة، او ايديولوجيات مغلقة لايحق لك تجاوزها ولا يحق لك انتقادها ولا يحق لك الاجتهاد او التفكير خارج المألوف عن مضامينها.
2- ركيزة “جماليات السياسة”
الخطاب العربي يتصف بأنه خطاب جاف، قانوني، وعظي أو أبوي.
النهضة تحتاج إلى “جمال”، ليس جمال الوجه انما جمال الحرية، وجمال التفكير وجمال المعنى.
الشعوب لا تتحرك بالأرقام، انما بالصور الذهنية الفاتنة.
هذه الركيزة تعني بناء دولة “جميلة” (معماراً، لغةً، ثقافة، تنوعاً وفنوناً)؛ لأن الإنسان الذي يعيش في القبح لا يمكنه أن ينتج نهضة.
الجمال بمعناه العام هو أقصى درجات النظام والسيادة.
3- ركيزة “السيادة الزمانية:
نحن نعيش “زمن الآخرين ” (موضاتهم، أزماتهم، اهتماماتهم).
النهضة هي القدرة على “صناعة زمن عربي جديد”.
أن نقرر متى نسرع ومتى نتمهل، لا أن نلهث خلف أجندات دولية وُضعت لتناسب إيقاع غيرنا.
السيادة الحقيقية هي سيادة “الساعة الحضارية”.
معوقات النهوض (الأغلال الخفية):
1. “ديمقراطية التجهيل” (الخوف من النبوغ):
هناك تحالف غير مكتوب بين بعض النخب والبيروقراطية لإبقاء المستوى “المتوسط” هو المعيار.
نحن نقتل “النوابغ” باسم المساواة أو التراتبية الإدارية. العائق هو “نظام التفاهة” الذي يرفع المتوسطين في الفهم وإدراك المعنى، ويقصي المتجاوزين، او المتمردين .. لأن المتجاوز او المتمرد يهدد استقرار المنظومة الراكدة.
2- الذاكرة المشحونة أو المصابة بالتخمة التاريخية:
نحن نعاني من “سمنة تاريخية”. الماضي عندنا ليس مرجعاً، انما هو “سجن”او بكلمة الطف هو دار السكن التي فيها نحيا ونموت .. ليس لمعظمنا سوى التغني بما مضى، والتأمل في أمجاده بدلاً من التفكير في المستقبل.
الذاكرة العربية ممتلئة لدرجة أنها لم تعد تتسع للمستقبل. العائق هو “الاستغراق في الوفاء للأموات على حساب الأحياء”، نبكي ونلطم على الأموات ، اما الأحياء فنحاربهم ونسقطهم ونغتالهم، وبالحد الادنى نتلذذ بتشويه سمعتهم والحط من مكاناتهم ومنزلتهم …
إننا بحاجة إلى “نسيان انتقائي” يحررنا من صراعات لانعلم ان كانت صحيحة ام لا، قد قُتِل أصحابها قبل اكثر من ألف وأربعمئة عام.
3- الأنوات المتضخمة:
عقل الانسان العربي “فردي” بامتياز، يلمع عندما ينعزل، وينطفئ في الفريق.
نحن نملك “عباقرة” ولا نملك “عقلاً جمعياً”. العائق هو غياب “ثقافة الجماعة”؛ حيث ان كل مثقف أو كادر او أكاديمي يرى في نفسه “المنقذ الوحيد”، والعارف الوحيد وما عداه قطيع وفي احسن حالات الإنصاف أنهم طلبة يستمعون..
مما يحوّل العمل الوطني إلى صراع إرادات شخصية وليس تكامل في المؤسسات .
شروط الإقلاع: الشروط السياسية:
عندما تكون الركائز هي “القواعد”، فإن الشروط هي “الأفعال العنيفة” التي تسبق لحظة الطيران:
1. شرط “استقلال القرار السيادي” (القطيعة مع الوصاية):
لا يمكن لطائرة أن تقلع وقائدها يتلقى أوامر الارتفاع والهبوط من “برج مراقبة” في واشنطن أو لندن.
الإقلاع يتطلب “شجاعة الانفصال” عن الإملاءات الخارجية.
إذا كانت سياسة الدولة الخارجية هي صدى لصوت القوي عالمياً، فهي دولة”مُصادرة” لا يمكنها الإقلاع بأجنحتها.
2. شرط “تداول النخب” (تفكيك كارتلات السلطة): الإقلاع يحتاج إلى “دم جديد”لم يتلوث بعقلية الهزيمة.
الشرط السياسي هنا هو قدرة النظام على “إنتاج البديل”. النخب التي شاخت في كراسيها لا تملك “خيال الإقلاع”؛ لإنها تملك “غريزة البقاء”فقط. الإقلاع يتطلب زلزالاً يزيح “حراس الجمود” ويأتي بمهندسي المستقبل.
3. شرط المحاسبة العارية: (سقوط الحصانات):
لا إقلاع في دولة يُحاكم فيها “سارق الرغيف” ويُكافأ فيها “سارق المليارات”.
الشرط السياسي الصارم هو “المساواة أمام القانون”.
الشفافية التي ذكرناها سابقاً يجب أن تتحول هنا إلى “فعل عقابي” ضد كل من هدر أموال الشعب وثروات الامة.
الإقلاع يحتاج إلى “تنظيف المدرج” من اللصوص.
4. شرط “العقد الاجتماعي الجديد” (الولاء للأمة لا للعرش):
يتطلب الإقلاع تحويل ولاء المواطن من “الشخص” أو “القبيلة” أو القومية او الدين او الطائفة إلى “الدولة-المشروع”.
يجب أن يشعر المواطن أن الدولة ملكه هو، وليست “إقطاعية” لغيره.
بدون هذا الشعور بالتملك، لن يضحي أحد من أجل الإقلاع.
السياسة عندنا تحولت إلى ‘فن البقاء، بينما هي في الأمم الناهضة فن التغيير.
الركيزة الأساسية اذن هي أن نبني دولة لا تخاف من وعي شعبها،
والشرط هو أن نملك الجرأة لنقول ‘لا’ لكل وصاية خارجية تستنزف ثرواتنا، وتصادر سيادتنا.
بدون هذه الشروط، سنظل ‘نهضويين’ في القصائد والكتب والمقالات والخطابات والتصفيق، لكننا سنظل ‘تابعين’ في القرار والمصير.
الإقلاع السياسي هو ‘فعل انتحار للتبعية’ لكي تحيا السيادة.”
من هذه النقطة بالذات لابد لي ان اذهب لذات المكان الذي تناولت فيه ركائز النهوض لاستلهم منه شروط اخرى للاقلاع، وهي:
1. شرط “الاعتراف بالعجز”:
الإقلاع لا يبدأ بالغرور وادعاء “خير أمة”، ولكن بلحظة “صدق انتحارية”.
شرط الإقلاع هو أن نعلن بوضوح أننا “خارج العصر” حالياً.
هذا الاعتراف هو المحرك الذي دفع اليابان وألمانيا بعد الحرب للبدء من الصفر.
الادعاء بأننا “بخير ولكننا مستهدفون” هو العائق الأكبر أمام الوقوف على الأقدام.
الادعاء بالخير غالباً ما نسمعه من الفاشلين والعاجزين والمحبطين ..
2- شرط تفكيك النخبة القديمة:
لا يمكن الإقلاع بنفس العقول التي أدارت التراجع، وتسببت في النكبة.
الإقلاع يتطلب “إزاحة” ناعمة (أو خشنة) لكل العقول التي تشكلت في عصر الهزيمة.
نحن بحاجة إلى “قيادة رقمية” و”عقول سيبرانية” لا تفهم لغة التبرير السائدة.
3- شرط “المخاطرة الوجودية”:
الدول التي تطلب النهضة بضمانات لن تصل .. لان النهضة فعل “مقامرة” تاريخية كبرى.
يجب أن نكون مستعدين لفقدان “الاستقرار الهش” الحالي من أجل كسب “المكانة” المستقبلية.
من يطلب النهضة بلا ثمن، كمن يطلب الحياة بلا ولادة.
ولهذا لن اتحدث عن التعليم والميزانيات والتكنولوجيا الحديثة وعن رسم السياسات والاستراتيجيات..
انما عن ‘هندسة الروح الحضارية’؛ عن ‘البرمجة الخفية’ التي تدير عقولنا.”
لنتوقف عن تمثيل دور ‘الضحية، فالمأساة الكبرى ليست في استبداد السلطة أو في شحة الموارد، بقدر ما انها في ‘برجوازية الوعي’ التي تمارسها النخبة.
نحن نعيش انفصالاً نكداً؛ حيث تحول المثقف العربي من ‘نبي للتغيير’ إلى ‘موظف في قطاع التشخيص’.
نمتلك موهبة خارقة في التشخيص ..
ونعيش حالة تناقض صادمة..
نكتب عن ‘الحق في الخطأ’ كشرط للإبداع، لكن في واقعنا اليومي نقتل أي زميل يخرج عن ‘سرب النخبة’ أو يسبح عكس التيار، أو يعرض فكرة تخالف صنميتنا الفكرية.
نطالب بالسيادة الزمنية’، ومع ذلك، تظل هواتفنا وعقولنا مضبوطة على توقيت ‘التريند’ الغربي؛ نتبنى معاركهم الثقافية قبل أن نحل معاركنا الوجودية، وكأننا نعيش ‘حياة مستعارة’ في زمن ليس زماننا ..
الأخطر من ذلك: نلعن ‘البيروقراطية’ التي تعطل الإقلاع، لكننا نمارس ‘بيروقراطية ذهنية’ أشد فتكاً.
لقد تحولنا إلى مجتمع نأكل الماضي لنعوض جوعنا للمستقبل.
لا نقرأ التاريخ لنستلهم منه، انما لنختبئ فيه. وحين نتحدث عن ‘شروط الإقلاع’، فإننا نتمناها ‘نهضةً معلبة’ تأتينا بلا مجازفة، وبلا فقدان للمكتسبات الصغيرة.
اخيراً دعوني اذهب بعيداً واطرح شروطاً للإقلاع لا تجرؤ المنتديات التقليدية على الهمس بها، لأنني اعرف أنها ستضرب “منطقة الأمان” التي تتدثر بها النخب والأنظمة على حد سواء.
ولكني سأقولها..
الإقلاع ليس نزهة او مجرد كلام يقال، إنه “انفصال عنيف” عن الجاذبية. والجاذبية في حالتنا هي “إرث الهزيمة” والاستقرار الهش و”طمأنينة القاع”، واليقينيات المطلقة.
ومن الشروط المحرمة للاقلاع هي:
- شرط اليتم الحضاري:
تعيش الأمة حالة “يتم” فكري.
وشرط الإقلاع هو أن نكف عن انتظار “الأب” (سواء كان هذا الأب هو التراث، أو الدولة الرعوية، أو صاحب الفخامة أو المجتمع الدولي).
علينا أن نؤمن بأننا “وحدنا في العراء التاريخي”. لا أحد سيأتي لإنقاذنا، ولا الماضي سيعود ليحكمنا، ولا الغرب سيعطينا أسرار قوته.
الإقلاع يبدأ حين ندرك أننا “مقطوعون من شجرة القوى العظمى، وعلينا أن نصنع جذورنا من الصخر الآن.
- شرط تغيير السلم الوظيفي:
في دولنا، يُكافأ “الأقدم” و”الأكثر طاعة”.
في حين ان شرط الإقلاع هو “ثورة ثقافية وإدارية” تطيح بكل الهياكل التي تقوم على الأقدمية والولاء، وإحلال “ديكتاتورية الموهبة” مكانها.
يجب أن يقود المؤسسات شباب الموهبة الذين يملكون “خيالاً تقنياً” لا يملكه جنرالات البيروقراطية.
الإقلاع يتطلب إزاحة جيل كامل “تسمّم” بثقافة العجز، واستمرأ التبرير والتأجيل وتعايش مع الهزيمة.. وتسليم القيادة لمن لم يتلوثوا بوعود “الاستقرار الزائف”.
- شرط “الانكشاف أمام الفضيحة” (الشفافية العارية):
نحن أمة تعشق الستر، والتستر على الفضائح والاسرار .. لكن من شروط الإقلاع (تعرية الجسد الوطني) بالكامل.
نشر أرقام الفقر الحقيقية، مستويات الجهل الفعلية… حجم الفساد المستتر، دون أي “مكياج” سيادي.
الإقلاع يتطلب “صدمة وعي” جماعية تجعل الشعب يشعر بالرعب من الواقع.
الحركة لا تأتي من الرضا، انما من “الذعر الحضاري” الذي يولد طاقة الهرب نحو المستقبل.
- شرط “العلمانية السيادية” (تحرير المقدس من الوظيفة):
من شروط الإقلاع هو كف يد المؤسسات الدينية والتقليدية عن “هندسة المستقبل”.
يجب أن يُحصر المقدس في السماء وفي تزكية الروح، بينما تُترك “هندسة الدولة” للمختبر والمنطق والتجربة والواقع.
الأمة التي تطلب فتوى من معمم مشبوه وكذاب ..
لتبني مفاعلاً نووياً أو لتشريع قانون ذكاء اصطناعي، هي أمة لاتستحق النهضة ولايمكن لها ان ترى النور.
- شرط المخاطرة بالاستقرار من أجل المكانة:
علينا أن نختار بين “الأمن في العبودية” أو “القلق في السيادة”.
الإقلاع يتطلب التضحية بالهدوء الاجتماعي” المفتعل الذي تفرضه القبضة الأمنية، لصالح “الحراك الاجتماعي” الصاخب الذي تفرضه الحرية.
النهضة فعل “فوضوي” في بدايته، بدون قانون يعيق تأثيره، لأنها اعادة بناء، ومن يخاف من “فوضى البناء” سيموت تحت “نظام الهدم والأنقاض .
ان شروط الإقلاع التي ذكرتها ليست ‘اقتراحات’، انها ‘أثمان’.
إذا كنا نبحث عن نهضة لا تغضب أحداً، ولا تزيح أحداً من كرسيه، ولا تراجع حرفاً في الموروث والتراث، ولا تخدش هيبة البيروقراطية، ومكانة المفتي، وتكثر من المقدسات وعبادة الأصنام .. فأننا عند ذاك لا يجب ان نتحدث عن ‘نهضة’، فقط علينا المطالبة ‘ بتحسين ظروف الاعتقال’.
من منا مستعد ليكون أول ‘المنتحرين وظيفياً’ ليحيا الوطن؟
ومن منا يملك الشجاعة ليقول:
أنا وفكري القديم جزء من العائق؟
إذا لم نصل إلى هذه الدرجة من القسوة مع أنفسنا، فإن كل ما قلناه سابقاً ونقوله اليوم او غداً ليس سوى ‘ضجيج مثقفين’ في غرفة مغلقة، بينما العالم يطوي المسافات، ويتركنا نغرق في تفاصيل ‘الوضوء الحضاري’ لجسد قد فارقته الروح منذ زمن.”
ختاماً:
“أيها السادة، النهضة ليست جمعاً حسابياً للمال والعقول، بل هي عملية قسمة على ‘السيادة’.
إذا قسمتم تريليونات الأرض وعقول العباقرة على ‘قرار مرتهن’، ستكون النتيجة دائماً صفراً .
نحن لم نفشل لأننا فقراء، لقد فشلنا لأننا استخدمنا ‘بسط’ المعادلة (مالنا وعقولنا) لتقوية ‘مقام’ غيرنا.
الإقلاع لا يحدث لأننا نملك الوقود، انما لأننا نملك ‘مفتاح التشغيل’. ومفتاح التشغيل العربي معلق اليوم في مكاتب البيض الأبيض ومراكز القرار الدولية، بينما نحن نتشاجر حول ‘نوع الوقود’ في خزاناتنا الفارغة.”ونتصارع على تخريب بيوتنا.

