
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
قبل كتابة هذا المقال، كنت ألقي عن بُعد إحدى المحاضرات التخصصية التي تناولت قضية المديونية وأثرها في التنمية الاقتصادية. وخلال النقاش، طرح أحد طلبة الدكتوراه سؤالاً بدا بسيطاً في ظاهره، لكنه ظل عالقاً في الذهن لفترةٍ ليست قصيرة: “كيف يستطيع العالم الاستمرار في تمويل الدَّين الأمريكي بهذا الحجم الهائل؟”
لم يكن السؤال يتعلق بالأرقام وحدها، بل بطبيعة النظام المالي العالمي نفسه، وبالطريقة التي تحولت بها سندات الخزانة الأمريكية إلى ما يشبه “الأصل العالمي الآمن”. ومن هنا بدأت فكرة هذا المقال.
وفي ثقافتنا العربية كثير من الأمثال التي تحذر من الدَّين وتصفه بأنه “همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار”. لكن المفارقة أن موضوعنا اليوم لا يتعلق بمدينٍ يبحث عن مُقرض، بل بدولةٍ تقترض من العالم بأسره، بينما يتنافس كثيرون على إقراضها.
ففي كل مرة ترتفع فيها أرقام الدين الأمريكي، يعود السؤال القديم ليتكرر بصيغٍ جديدة: كيف تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في الاقتراض بهذا الحجم الهائل دون أن تنهار عملتها أو يفقد العالم ثقته بها؟

فوفقاً لبيانات الخزانة الأمريكية وتقارير اقتصادية حديثة، تجاوز الدَّين الفيدرالي الأمريكي المملوك للجمهور 31 تريليون دولار، في حين اقترب إجمالي الدَّين الفيدرالي من 40 تريليون دولار، متجاوزاً حجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في بعض التقديرات الحديثة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الدَّين الأمريكي
يواصل الارتفاع بوتيرة متسارعة تقترب من تريليون دولار كل بضعة أشهر، في مشهد يعكس الحجم غير المسبوق لاعتماد الاقتصاد الأمريكي على الاقتراض لتمويل العجز المالي.
ولم يعد هذا الواقع شأناً حكومياً مجرداً، بل أصبح جزءاً من الحياة الاقتصادية اليومية للمواطن الأمريكي نفسه. فوفق بعض التقديرات، يقترب نصيب الفرد الأمريكي من الدَّين العام من 116 ألف دولار، بينما يناهز نصيب الأسرة الأمريكية نحو 290 ألف دولار، في وقت تقترب فيه فوائد خدمة الدَّين وحدها من تريليون دولار سنوياً.
وقد أعاد إنفوغراف نُشر حول أكبر حائزي سندات الخزانة الأمريكية في نهاية مارس 2026 إثارة هذا السؤال مجدداً، بعد أن أظهر استمرار اعتماد الاقتصاد الأمريكي على التمويل الخارجي، مع احتفاظ اليابان وبريطانيا والصين بمراكز متقدمة ضمن قائمة أكبر الممولين للدين الأمريكي.

لكن قراءة هذه الأرقام بصورة سطحية قد تقود إلى استنتاجات مضللة. فالقضية ليست مجرد “ديون” بالمعنى التقليدي، بل تتعلق ببنية النظام المالي العالمي نفسه، وبالطريقة التي تحولت بها سندات الخزانة الأمريكية من أداة اقتراض حكومي إلى أحد أهم أعمدة النظام النقدي العالمي.
ماذا تعني هذه الأرقام فعلياً؟
تشير البيانات إلى أن اليابان ما تزال أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية بحيازة تتجاوز 1.19 تريليون دولار، تليها بريطانيا ثم الصين، إضافة إلى مراكز مالية عالمية مثل لوكسمبورغ (المركز المالي الأوروبي) وجزر الكايمان (المركز المالي الخارجي).
وفي الظاهر، يبدو الأمر وكأن العالم “يُقرض” الولايات المتحدة باستمرار. وهذا صحيح جزئياً. لكن الحقيقة الأعمق أن العالم لا يشتري السندات الأمريكية فقط لتمويل واشنطن، بل لأنه يحتاج إليها أيضاً بوصفها مخزناً آمناً للقيمة، وأداة سيولة عالمية، وضماناً مالياً تستخدمه البنوك والصناديق والأسواق الدولية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فكلما زاد القلق العالمي، زاد الطلب على السندات الأمريكية والدولار، حتى لو كان مصدر القلق هو الاقتصاد الأمريكي نفسه.
كيف تحولت الديون الأمريكية إلى “أصل عالمي”؟
في الاقتصاد التقليدي، يُنظر إلى ارتفاع الديون بوصفه مؤشراً سلبياً يهدد الاستقرار المالي. لكن الولايات المتحدة نجحت تاريخياً في تحويل جزء كبير من ديونها إلى ما يشبه “الأصل العالمي الآمن”. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل مترابطة، أهمها هيمنة الدولار على التجارة والاحتياطيات العالمية، وعمق الأسواق المالية الأمريكية، والثقة المؤسسية والقانونية، والدور الجيوسياسي للولايات المتحدة، وحجم الاقتصاد الأمريكي نفسه.
لذلك، لا يعكس شراء سندات الخزانة الأمريكية فقط الثقة بقدرة واشنطن على السداد، بل يعكس أيضاً اعتماد النظام المالي العالمي على الدولار باعتباره مركز الثقل النقدي الدولي.
وبهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة لا تستدين كأي دولة أخرى؛ بل تستدين من داخل النظام الذي تقوده هي نفسها.
لماذا تراجعت الصين؟
من أهم التحولات اللافتة خلال السنوات الأخيرة الانخفاض النسبي في حيازة الصين للسندات الأمريكية مقارنة بما كانت عليه قبل عقدٍ من الزمن. فالصين لم تعد ترغب في الاعتماد المفرط على الدولار لجملةٍ من الأسباب أبرزها تصاعد التوترات الجيوسياسية مع واشنطن، واستخدام العقوبات المالية كسلاح سياسي، والسعي لتعزيز مكانة اليوان، وزيادة الاعتماد على الذهب والأصول البديلة.
لكن هذا التراجع لا يعني أن الصين خرجت من النظام المالي القائم، بل يعني أنها تحاول تقليل انكشافها الاستراتيجي داخله. وهنا تبرز معادلة شديدة التعقيد، فالدول الكبرى تسعى لتقليص الاعتماد على الدولار، لكنها في الوقت نفسه ما تزال مضطرة للتعامل معه، لأن البديل العالمي الكامل لم يتشكل بعد.
هل نحن أمام نهاية هيمنة الدولار؟
يتكرر الحديث منذ سنوات عن قرب نهاية الهيمنة النقدية الأمريكية، خاصة مع صعود الصين، وتوسع مجموعة BRICS، وزيادة استخدام العملات المحلية، وارتفاع مستويات الدين الأمريكي بصورة غير مسبوقة.
لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالهيمنة النقدية لا تسقط فقط بسبب ارتفاع الدين، بل حين يفقد العالم ثقته بالبنية المؤسسية والسياسية والاقتصادية التي تقوم عليها تلك الهيمنة.
وحتى الآن، ما يزال الدولار يتمتع بعدة مزايا يصعب استبدالها سريعاً، أبرزها سيولة هائلة، وسوق سندات عميقة، وشبكة مالية عالمية مترابطة، ومكانة تاريخية تراكمت عبر عقود طويلة.
ولهذا، فإن العالم يعيش اليوم حالة يمكن وصفها بــ “الاعتماد القلق على الدولار”. أي أن كثيراً من الدول تريد تقليل الاعتماد عليه، لكنها لا تستطيع الاستغناء عنه بالكامل.
الاقتصاد العالمي بين الهيمنة والهشاشة
تكشف خريطة حائزي السندات الأمريكية عن مفارقة عميقة في النظام الاقتصادي العالمي: فالدولة الأكثر مديونية في العالم ما تزال تمتلك العملة الأكثر طلباً في العالم.
وهذه المفارقة تفسِّر جانباً مهماً من طبيعة الاقتصاد الدولي المعاصر، حيث لم تعد القوة الاقتصادية مرتبطة فقط بالإنتاج أو التجارة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالقدرة على إنتاج الثقة، وإدارة السيولة العالمية، والتحكم في البنية النقدية للنظام الدولي.
ومن هنا، فإن أزمة النظام العالمي المقبلة، إن حدثت، قد لا تبدأ من “حجم الدين” وحده، بل من اهتزاز الثقة بالبنية التي تجعل هذا الدين قابلاً للاستمرار.
أخيراً.. إن قراءة أرقام حيازة سندات الخزانة الأمريكية لا ينبغي أن تقتصر على بعدها المالي الضيق، لأنها تعكس في جوهرها طبيعة النظام العالمي نفسه. فالعالم اليوم لا يتعامل مع الدَّين الأمريكي بوصفه عبئاً مالياً تقليدياً فقط، بل بوصفه جزءاً من البنية التي يقوم عليها النظام النقدي الدولي. وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: الدولة الأكثر مديونية في العالم ما تزال تمتلك العملة الأكثر طلباً، وما تزال قادرة على تحويل عجزها المالي إلى أداة لإعادة إنتاج الثقة والسيولة والهيمنة النقدية العالمية.
وتأسيساً على ذلك، لا يموّل العالم الاقتصاد الأمريكي فقط، بل يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إنتاج النظام النقدي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وهنا تحديداً يبدأ النقاش الحقيقي حول مستقبل الهيمنة النقدية، وتحولات القوة العالمية، وإمكانية الانتقال إلى نظام دولي أكثر تعددية وتوازناً.

