
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
هناك عدة عوامل تدعم هذه التكهنات بشان إمكانية واقعية لتقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، منها:
- الضغوط الاقتصادية المتبادَلة – كلتا الدولتين تتكبّدان تكاليف عالية نتيجة النزاع التجاري، القيود على التصدير- الصين بحاجة للحفاظ على أسواق التصدير والنمو الاقتصادي، والولايات المتحدة بحاجة إلى استقرار اقتصادي في خضم ضغوط داخلية- هذا يدفع الجانبين لتهدئة التوتر والتوصّل إلى ترتيبات مؤقتة أو جزئية.
- المصالح المشتركة في بعض القضايا العالمية، رغم المنافسة، هناك مجالات يمكن أن تتقاطع فيها مصالح البلدين- مثل التغيّر المناخي، الصحة العالمية، الذكاء الاصطناعي، سلاسل التوريد العالمية- تقارب أو تعاون في هذه المجالات يعطي أرضية “مدخل” للتقارب الأوسع حتى إذا كان محدوداً أو مشروطاً.
- تحفّظ التوسع وضرورة ضبط المخاطر- الطرفان يقران سرّاً وعلانية بأن استمرار التوتر المفتوح على كل الجبهات يشكّل مخاطرة كبيرة: عسكرية، اقتصادية، تكنولوجية – لذلك، حتى لو لم يكونا على طريق “صداقة كاملة”، فالتقارب أو تخفيف المواجهة يقدم خياراً لتقليل الخسائر المحتملة.
- إشارات وتحركات أولية على أرض الواقع- الصين أصدرت مؤخراً دعوات للتواصل والحوار مع الولايات المتحدة، محذّرة من التصعيد- وفي نفس الوقت، هناك مؤشرات أميركية على رغبة في ترتيب هدنة تجارية أو إعادة نظر في الاستراتيجية تجاه الصين
- استراتيجيات “الواقعية” في العلاقات الدولية- يرى المراقبون أن الولايات المتحدة والصين ربما تتوجّهان إلى نوع من وضع “التعايش”، حيث تتنافسان وتنافسان لكن ضمن قواعد وضوابط بدلاً من تصادم مفتوح- هذا يعطي فرضية أن “التقارب” قد لا يعني اختفاء المنافسة، بل ضبطها ضمن إطار أكثر استقراراً.
ولكن، لتقارب ليس مؤكّداً- القضايا الجوهرية مثل مسالة “تايوان”، والنفوذ في المحيط الهادئ، والتكنولوجيات المتقدّمة ما زالت تشكّل تحدياتٍ بل عقباتٍ كبرى- قد يكون التقارب محدوداً أو مرحلياً، لكنه لن يصل إلى مستوى “التحالف” الدائم.
بعض المحللين يرون أن العلاقة قد تبقى في حالة “ترقُّب أو تهدئة” دون أن يتطوَّر إلى تعاونٍ عميق. علماً بأنَّ اتجاه البلدين نحو التقارب أو التصعيد ستكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على البيئة الاستراتيجية على منطقتنا العربية. فمن ناحية الطاقة، قد يؤدي التقارب إلى تهدئة الضغوط على أسواق النفط وتقليص علاوات المخاطر، ما يمنح الدول النفطية استقراراً مرغوباً في الإيرادات ويعزز خطط التحوّل الاقتصادي.
أما في حال التصعيد، فإن زيادة عدم اليقين الجيوسياسي سترفع أسعار النفط والغاز الآجلة، مانحةً تلك الدول– أي النفطية- فرصة لتعظيم العوائد، لكنها في الوقت ذاته تزيد الضغط على الدول المستوردة عربياً وتفرض تحديات على موازنات الدعم والإنفاق الاجتماعي.
وفي جانب الأمن البحري، يشكّل البحر الأحمر والخليج العربي معابر استراتيجية لسلاسل الإمداد العالمية. التقارب قد يفضي إلى تراجع التوترات العسكرية في الممرات الآسيوية وتعزيز التعاون الدولي في حماية طرق التجارة، مما يعزز من مكانة الموانئ العربية كمراكز لوجستية محورية. في المقابل، أي تصعيد بين واشنطن وبكين سيوسّع نطاق التنافس إلى مناطق النفوذ البحري، ويزيد من احتمالات الهجمات السيبرانية والتهديدات غير المتماثلة على الملاحة والبنى التحتية الحيوية مثل الموانئ ومحطات التصدير.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، فإن تقارباً تقنياً محدوداً بين الولايات المتحدة والصين قد يفتح نافذة فرص للدول الخليجية للحصول على منظومات مزدوجة المصدر وتنويع الشراكات العلمية والتكنولوجية، ما يعزز الأمن السيبراني والتحول الرقمي في الطاقة والدفاع. بينما يعني التصعيد تشديداً في قيود تصدير الرقائق والتقنيات الحساسة، الأمر الذي قد يؤخر مشاريع توطين التكنولوجيا ويخلق تبعية أكبر لمورد واحد، مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بإدارة البنية الرقمية في قطاعات النفط والغاز والموانئ.
وبذلك، وطالما لا نقود مركبنا بعد، فإن مستقبل الخليج والبحر الأحمر سيظل مرتبطاً بقدرة هذه الدول على انتهاج استراتيجية توازن ذكي قائمة على تنويع الشركاء التقنيين والاقتصاديين، وضمان أمن الممرات البحرية، وبناء مخزون استراتيجي من التكنولوجيا الحيوية للقطاعات الحساسة، بما يحوّل مخرجات النظام الدولي المتغيّر إلى مصدر قوة واستدامة للأمن القومي العربي. ويظل الأمل كبيراً في الدول الخليجية التي تخطو خطوات مدروسة وفق رؤية علمية بعيدة النظر.

