تدرس الندوة موضوع العلمانية في عالمنا العربي وذلك من خلال محاضرتين : محاضرة أولى فكرية نظرية بعنوان (هل يمكن أن يكون المؤمن علمانيا) للدكتور عاصم حفني والمحاضرة الثانية تتوقف عند التجارب العملية للعلمانيات العربية وتحديدا عند التجربة التونسية (علمانية الزعيم بورقيبة) عبر ابراز خصائصها ومرتكزاتها ونتائجها على الدولة والمجتمع.ثم نفتح المجال للمعقبين وهم الدكتور مهدي عزوز والدكتورة زهرة ثابت و الدكتورة شمس الأصيل العابد
الزمان: 5:00 مساءً- توقيت غرنيتش
المكان: منصة زوم

كل التقدير لجهودكم المبذولة في هذا الصدد..
وأفضل أن أعلق يوم المحاضرة بعد حضور الندوة والإلمام الكافي بموضوعها ومحاورها ..
التعقيب على مداخلة بعنوان العولمة المؤمنة
بقلم شمس الأصيل العابد
تحية مسائية، علمية معطرة بالوعي المعرفي المقترن بأحدى أكثر طروحات الفكر العربي المعاصر تعقيداً.
أولا نشكر المعهد العالمي للتجديد العربي وحدة الدراسات الحضارية وعلم الأديان لفسح المجال لتلاقح الأفكار والعصف الذهني. كما أشكر الدكتور د. عاصم حفني
على أسلوبه في طرح سؤال في غاية من الأهمية وهو سؤال: هل يمكن أن يكون المؤمن علمانيا؟ أو أن يكون المؤمن علمانياً؟
سنحاول أن نقوم في هذا التعقيب بقراءة نقدية تصل إلى عمق التفكيك البنيوي للمقال المحلَّل بلغة أكاديمية، مُحايدة.
عند تفكيك مداخلة الدكتور عاصم حفني، نجد أننا لسنا أمام مجرد رصد تاريخي، بل أمام محاولة جادة لإعادة تفكيك وبناء المفاهيم في الفلسفة السياسية الإسلامية بغية تجاوز المأزق الدلالي.
وقد قام في هذا السياق بصياغة مسألة العولمة المؤمنة كإشكالية معرفية كالإشارة إلى التحول في المفاهيم والتداخل بينها انطلاقا من مفهوم الخلافة إلى مفهوم الدولة المدنية.
-كما اعتمد مرجعيات (تاريخية، لسانية، وفقهية) بوصفها أدوات تشخيص قبل استخلاص النتائج.
-أثار لدينا سؤالا معرفيا يلامس جوهر الفلسفة السياسية الإسلامية المعاصرة.
-كالتمييز الذي طرحَه بين “العلمنة ” و”الاجتهاد الإسلامي والتفصيل بين الديني والدنيوي.
، غير إن استخدامه لمصطلحات مثل: البنى المفهومية أدبيات الإسلاميين، يثير لدينا تساؤلات فهل نحن أمام مجرد رأي انطباعي أم إلى مراجعة أدبية فقد انطلق المقال من إشكالية جذرية وهي: “أزمة التسمية والماهية” في الفكر الإسلامي المعاصر. لقد وقف الفكر الإسلامي قديما وحديثا عند حدود «الأنطولوجيا اللغوية”؛ حيث يتم التعامل مع مصطلح “العلمانية” بوصفها إما مفهوما ثابتاً يحمل إلحاداً حتمياً، أو نفيه جزئيا وهو ما يمثله طرح الشيخ سفر الحوالي والشيخ يوسف القرضاوي غير أن الدكتور عاصم حفني فكك النظرة المتكلسة للعولمة وتجاوز الحدود اللغوية ليتحدث عن الدلالة مستندا إلى فكر راشد الغنوشي وعبد الوهاب المسيري.
عمد من خلال هاتين القراءتين التمييز بين العلمانية الشاملة: التي تختزل الانسان في البعد العقلي بمعزل عن الجانب العقائدي وقد وصفها الدكتور بالعقل المكتفي بذاته). وبين العلمانية الجزئية (الإجرائية): وهي فصل الوظائف الإدارية والسياسية عن القداسة، مع الإبقاء على المرجعية الأخلاقية والروحية وراء الشأن العام.
وتبين له بعد التشخيص والمقارنة والتدرج من المعنى الاصطلاحي الى الدلالي لمفهوم العولمة وعلاقتها بالإيمان، أنه يمكن للمؤمن أن يكون علمانياً بالمعنى الإجرائي (الجزئي)، لأن الإسلام في عمقه التشريعي تاريخياً مارس “علمانية غير مسمّاة”.
غير أن السؤال الذي نطرحه على الدكتور هل يمكن أن نتحدث بعد هذا التقسيم الثنائي للعولمة عن المؤمن العقائدي والمؤمن الإجرائي؟ وفي هذا السياق هل يمكن أن نتحدث عن ثنائية الخطاب وازدواجيتها وأشير هنا إلى خطاب راشد الغنوشي الذي تزامن مع فترة توليه المنصب السياسي في الدولة التونسية وهي في إطار المداخلة التي قدمها بمركز دراسة الإسلام والديمقراطية في تونس في مارس 2012، فدعى إلى ضرورة التمييز بين الدين والسياسة وعدم الفصل بينهما. وسأقارن في هذا السياق بما قاله حين تأسست الدولة الحديثة حين واجهت العديد من الانتقادات من قبل تيار الإسلام السياسي حيث اعتبر راشد الغنوشي أن قوانين وتشريعات الدولة الحديثة علمانية ، لا تنتمي للهوية العربية بصلة وتكشف عن وجهة نظر الغنوشي المجمدة للفكر الديني وتكشف في الآن ذاته عن نظرة انتقائية وانتقادية لتيار سياسي مخالف سرعان ما يتبدد بمجرد توليه المنصب السياسي وقد أشرت إلى هذه النقطة في كتابي الموسوم ببورقيبة والشعبو تحديدا من الصفحة الواحدة والسبعين إلى الصفحة الثالثة والسبعين . وهنا نكشف عن البرقع عن العلاقة بين أدبيات الإسلاميين ومفهوم المصلحة كما نكشف عن طبيعة التعامل مع مفهوم العولمة ومفهوم الدولة فهو لا ينظر إليها بمعنى أرض وشعب ونظام حكم، وكأنه يختزل معنى الدولة على الأسرة الحاكمة بورقيبة تحديدا .
نتبين مما سبق أن التعامل مع مفهوم العولمة يتسع ويضيق وفق مصالح
وأختم بالقول أن أزمة الفكر الإسلامي المعاصر ليست مع “العلمانية” كإجراءات لإدارة الدولة، بل مع عدم الفصل بين” الدين الحامل للقيم” و”الفقه الحامل للتاريخ”. وهذا التداخل في المفاهيم، عطل عقل المسلم عن إنتاج نظرية سياسية واقعية تتماشى مع “الدولة الوطنية الحديثة”.
واعتبر من منظوري الخاص، أن العلمانية المؤمنة تعني تعايش المسلم مع واقعه فيدرك معنى “مدنية الدولة” وفصل السلطات، والتعددية السياسية، وحقوق المواطنة، وجميعها آليات إجرائية كونية وليست كفراً مستورداً، بل هي “آليات محايدة” تهدف إلى حماية الإنسان وتحقيق العدل الذي هو المقصد الأسمى للشريعة. وبذلك تتحقق حيوية الدين” وقدرته على توجيه الواقع دون كبحه.