محاضرة للدكتور خضير المرشدي في افتتاح وحدة هندسة المفاهيم “من هوية الماضي إلى صناعة المستقبل”
- مؤسس ورئيس المعهد العالمي للتجديد العربي
- طبيب استشاري أمراض الدم والأورام

المقدمة
اود ان أبدأ بفكرة قد تبدو لنا، للوهلة الأولى، من البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش.
ظل القوميون العرب، منذ بدايات تشكل الفكر القومي العربي الحديث، يطرحون قضية كبرى مفادها أن الأمة العربية لن تستطيع أن تنهض نهضة حقيقية ما لم تستعد وحدتها؛ لأن التجزئة أضعفتها، وفرّقت إمكاناتها، ومزقت سوقها، وأضعفت قدرتها على الدفاع عن مصالحها وصناعة قرارها.
وبحسب اختلاف المدارس والتجارب، كانت الوحدة تُفهم بصور متعددة:
دولة عربية واحدة؛ أو اتحاداً عربياً؛ أو نظاماً تكاملياً يقود في النهاية إلى شكل من أشكال الوحدة السياسية.
لكن الفكرة الجوهرية بقيت واحدة: “العرب أمة واحدة، ينبغي أن يكون لهم إطار سياسي واحد يجمع هذه الأمة حتى تستعيد قدرتها على النهوض”.
قد تبدو الفكرة منطقية، إلى درجة تجعل السؤال يبدو غريباً: إذا كانت الأمة واحدة، فلماذا لا تكون دولتها واحدة؟
وإذا كانت إمكانات العرب موزعة، فلماذا لا يتم جمعها؟
وإذا كانت التجزئة قد أضعفت العرب، أليس من المنطق تجاوزها شرطاً لاستعادة قوتهم؟
وهنا تحديداً أريد أن أتوقف… لا لكي أرفض فكرة الوحدة، لأنني أومن بالوحدة العربية وبإمكانية تحققها… ولا اخضع لمنطق التجزئة، لأنها مرض اصاب الأمة؛ واستعصى على العلاج.
ولا اريد ان أقول إن الحلم القومي كان وهماً وخيالاً…
لكن بدأت بهذه المقدمة لأفعل شيئاً اعتبره مهماً جداً، بل وخطيراً أيضاً…
هو أن أعيد ترتيب السؤال لأقول: إذا افترضنا أن الوحدة هي الشرط الذي يسبق النهضة، فإننا نكون قد وضعنا أمام العرب معادلة شديدة القسوة…
إنكم لن تنهضوا إلا إذا توحدتم، ولن تتوحدوا إلا إذا امتلكتم القدرة، ولن تمتلكوا القدرة إلا إذا نهضتم.
وهنا ندخل في دائرة مغلقة… وهذه هي الخطورة… خطورة الإحباط والتخلّي.
فهل تحتاج النهضة العربية فعلاً إلى الوحدة السياسية أولاً؟ أي وحدة الأنظمة ووحدة الدول؟
وهل أخطأ القوميون العرب حين تصوروا أن الوحدة السياسية هي الشكل الوحيد الممكن لوحدة الأمة؟ أم أن هناك طرق اخرى لوجدتها؟
وهل هناك وحدة لا تحتاج إلى إلغاء الحدود؟
وهل لا يوجد بديل عن الدولة العربية الواحدة غير التجزئة؟
هل يوجد طريق ثالث لا يطلب من العرب أن يلغوا حدود دولهم، كما لا يقبل أن تتحول دولهم إلى جزر متباعدة؟
سأترك الإجابة على هذه الأسئلة إلى نهاية حديثنا… لأنني أرغب أن نصل إليها باعتبارها نتيجةً نكتشفها معاً بعد أن نعيد النظر في مفهوم العروبة نفسه.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
المشكلة، في تقديري، ليست أن العرب فقدوا العروبة…
وانما قد فقدوا الطريقة التي يفكرون بها في العروبة…
وهذا هو السبب الذي جعلنا نختار هذا الموضوع في وحدة هندسة المفاهيم في المعهد العالمي للتجديد العربي؛ وأهمية أن نلتقي مع المفكر والفيلسوف التونسي الأستاذ د.فتحي التريكي، له منا اطيب التحيات وبالغ التقدير.
هندسة المفاهيم ليست لعبة في الكلمات، وليست استبدال مصطلح بمصطلح؛ إنها محاولة لفهم العلاقة بين المفهوم والإنسان والزمن.
إذا كان القرن العشرون قد ورثنا فيه عروبةً ارتبطت، إلى حد بعيد، بسؤال الوحدة والقومية والتحرر؛ فإن القرن الحادي والعشرين يضع أمام الإنسان العربي أسئلة أخرى:
كيف ينتج المعرفة؟
كيف يبني القدرة؟
كيف يدخل العالم لا بوصفه مستهلكاً له، انما شريكاً في صناعته؟
كيف يحافظ على هويته دون أن يحولها إلى قفص او سجن؟
كيف يعيش تعدده دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع؟
وكيف تتحول العروبة من ذاكرة عظيمة إلى إمكان مستقبلي؟
اخترنا العروبة موضوعاً لهندسة المفهوم.. لأننا لا نريد اعادة صياغة الكلمات، وانما نعيد فتح علاقة المفهوم بالمستقبل…
فإذا بقي تعريف العروبة أسيراً لعالم انتهى، سيعيش الإنسان العربي في القرن الحادي والعشرين بهوية صيغت لأسئلة القرن العشرين.
أما إذا أعدنا بناء المفهوم، فإننا لا نغيّر ماضي الإنسان، وإنما نمنحه إمكانية أن يعيش هويته في المستقبل.
من هنا يبدأ موضوعنا الحقيقي: أي شكل من أشكال الاجتماع العربي يستطيع أن يمنح الإنسان العربي أكبر قدر من الحرية، والمعرفة، والقدرة، والمشاركة، والتأثير في العالم؟
وهنا ايضاً سنعود إلى السؤال الذي بدأنا به: “هل الوحدة شرط النهضة؟ أم أن النهضة القادرة على بناء المفهوم الجديد هي التي قد تصنع، في المستقبل، شكل الوحدة الذي لم نستطع أن نتخيله بعد؟”
ربما يكون أخطر ما يمكن أن نفعله بمفهوم كبير مثل العروبة أن نظن أننا نعرف معناه، في حين أن المفاهيم الكبرى لا تموت حين يرفضها الناس فقط، لكنها قد تموت أيضاً حين يتوقفون عن التفكير فيها.
واختيارنا لمفهوم العروبة ليس لأنها مفهوم قديم، نريد إعادته إلى الحياة، إنما لأنه مفهوم مازال حياً في الإنسان العربي، لكنه محاصر بتعريفات متباينة، بعضها يستدعي الماضي ويعيش فيه وكأنه الحقيقة الثابتة، وبعضها يختزله في السياسة، وبعضها يحوله إلى ايديولوجيا، والأخر يقيده إلى أصل وعرق، وبعضها يضعه في مواجهة الدين أو الوطن أو العالم.
والمفارقة المهمة، أن تكون لك هوية لا يعني بالضرورة أن تكون لك قدرة على صناعة المستقبل.
من هذه النقطة نقول ان “العروبة لا ينبغي أن تكون هوية تُغلق على الإنسان العربي، انما هي هوية تفتح أمامه إمكانية المستقبل”؛ وان “إعادة بناء مفهوم العروبة هو الطريق الصالح للمسير في زمن جديد”
ولعل هذا في جوهره، معنى هندسة المفاهيم، في “أن تأخذ مفهوماً حمل تاريخاً طويلاً، وتضعه أمام أسئلة الحاضر، وتكشف طبقاته، وتميز ما هو جوهري عما هو عابر، ثم تعيد تركيبه بحيث لا يصبح الماضي سجناً للمستقبل”.
لهذا فإن عنوان الحلقة النقاشية: “العروبة: من هوية الماضي إلى صناعة المستقبل” ليس انتقالاً من شيء إلى نقيضه؛ إنه انتقال من هوية مكتفية بما كانت عليه، إلى هوية تمتلك القدرة على أن تصبح شيئاً آخر.
العروبة ليست مجرد كلمة نختلف حول معناها… إنها إحدى أعمق الطبقات التي تشكل الإنسان العربي: لغته، ذاكرته، ثقافته، إحساسه بالمكان، علاقته بالتاريخ، وصورته عن ذاته وعن الآخرين.
وهنا تبدأ مهمة المفكر العربي: ليس في إحياء العروبة، لأنها ما زالت حية تواجه التحديات، ولا اعادة تدويرها بصفتها هوية، لأنها بديهية، ولكن إعادة بناء مفهومها، لكي تسهم في بناء المستقبل.
العروبة والقومية
العروبة ليست القومية.. العروبة أقدم من القومية بكثير… لم يصنعها حزب، ولم يؤسسها مفكر، ولم تولد في مؤتمر سياسي، ولم يضعها دين؛ لقد تشكلت عبر التاريخ في فضاء من اللغة والثقافة والجغرافيا والذاكرة والتفاعل الحضاري وحتى القبيلة.
كانت في بداياتها انتماءً لغوياً وثقافياً واجتماعياً، ثم اتسعت عبر التاريخ لتصبح فضاءً حضارياً شاركت في تشكيله جماعات ومجتمعات متعددة.
في هذا السياق: فإن العروبة هوية حضارية تاريخية، تتشكل في فضاء اللغة العربية والذاكرة والثقافة والتجربة التاريخية المشتركة، وتمنح الإنسان العربي إطاراً للانتماء والتفاعل والمسؤولية… وفي صورتها المعاصرة لابد ان تنتقل إلى عروبة قادرة على بناء مجال حضاري يحفظ التنوع والخصوصيات الوطنية، ويوسع دوائر التعاون، ويحول عناصر الاشتراك العربي إلى معرفة ومؤسسات وقدرات.
وبذلك تنتقل العروبة من كونها هوية إلى كونها علاقة فعل وقدرة…
وهي بهذا المعنى، ليست مجرد أن تقول للإنسان: أنت عربي؛ إنما تمنحه إمكانيه أن يسأل: ماذا يعني أن أكون عربياً في هذا العصر؟ أي ماذا أستطيع أن أبني مع الآخرين انطلاقاً من هذا الانتماء؟
بذلك يصبح معنى العروبة قائماً على أربعة مستويات مترابطة:
- هوية تمنح الإنسان جذوره ومعناه.
- انتماء يربطه بذاكرة ومجال حضاري.
- مشاركة تحوله إلى مسؤولية وفعل.
- وقدرة تحول الفعل إلى إنتاج وأثر في المستقبل.
وهنا يمكن أن نضع معياراً مهماً: “العروبة التي لا تستطيع أن تنتقل من الانتماء إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى بناء القدرة، تحتاج إلى إعادة بناء وظيفتها”.
وهذا لا يعني أن الهوية القديمة خاطئة، بل يعني أن وظيفة الهوية في حياة الإنسان تتغير بتغير العالم.
وعند هذه النقطة تحديداً يبدأ معنى إعادة بناء مفهوم العروبة، بمعنى إعادة بناء العلاقة بين هوية الإنسان العربي والعالم الذي يعيش فيه، بحيث لا تبقى العروبة ذاكرةً للماضي فقط، وإنما تصبح إطاراً حضارياً للمشاركة في صناعة المستقبل.
لنصل إلى سؤال القرن الواحد والعشرون.. هل ما زالت الوحدة العربية بالشكل القديم هي النموذج المناسب للمستقبل؟
لا اعتقد ان المشكلة اليوم أن العرب لا يريدون الوحدة، انما المشكلة هي: “إن شكل الوحدة الذي صاغه القرن العشرون لم يعد بالضرورة هو الشكل الذي يحتاجه العرب في القرن الحادي والعشرين”… لأن الدول العربية أصبحت قائمة بمؤسساتها ومجتمعاتها ومصالحها وعلاقاتها وتجاربها السياسية وخصوصياتها الوطنية المختلفة.
إضافة إلى أن العالم قد تغيّر؛ ولم تعد القوة تقاس بحجم الدولة أو بما تملكه من جيوش ومعدات عسكرية، او باتساع حدودها الجغرافية وعدد سكانها فحسب… إنما القوة أصبحت في: المعرفة، والتكنولوجيا، والشبكات، والاقتصاد، والجامعات، والبيانات، والابتكار، والقدرة على التأثير.
لذلك فإن إعادة طرح الوحدة بوصفها كياناً سياسياً شاملاً قد تعيدنا إلى سؤال تجاوزته حركة التاريخ؛ ولهذا ارجو ان لا يفهم انه قبول التجزئة باعتبارها قدراً نهائياً.
اذن لابد من طريق ثالث؛ ليس بصيغة الوحدة السياسية المتخيلة؛ ولا بالاستسلام لواقع التجزئة التي تجعل الدول العربية جزر متفرقة.
الطريق الثالث هو الذي نسميه “المجال الحضاري العربي”؛ والذي يعد مرحلة ما بعد القومية
العروبة ما بعد القومية: بمعنى تحرير الهوية من اختزالها السياسي
إذا كانت القومية العربية قد مثّلت، في سياقها التاريخي، محاولةً لتحويل العروبة من انتماء ثقافي وحضاري إلى مشروع سياسي، فإن السؤال اليوم هو: هل ما زالت الصيغة السياسية التي عبّرت بها القومية عن العروبة قادرة على استيعاب واقع العرب الحالي ومستقبلهم؟
هنا يظهر معنى العروبة ما بعد القومية؛ حيث انها لا تعني عروبةً بلا قومية، ولا عروبةً بلا مشروع، ولا انسحاباً من فكرة الانتماء المشترك؛ وإنما تعني الانتقال من احتكار القومية لتعريف العروبة إلى توسيع وظائف العروبة نفسها.
العروبة بواقعها الحالي في موقع آخر هو ان لا تُجعل الدولة الواحدة شرطاً للوحدة، ولا الوحدة السياسية شرطاً للانتماء، ولا الاندماج شرطاً للتعاون.
العروبة ما بعد القومية هي أن ينتقل العربي من سؤال: كيف يمكن أن يكون العرب دولةً واحدة؟ إلى سؤال أكثر واقعية وهي: كيف يمكن ان يكون العرب أكثر قدرة على الفعل معاً؟
هذا التحول، يُعد انتقال من محاولة تسييس العروبة، ومركزية الدولة، ومن الوحدة المفترضة، إلى ان تكون العروبة مجالاً حضارياً منفتحاً يستوعب تعدد المراكز والدول، والثقافات، والمعارف، والقدرات.
بمعنى آخر الانتقال من عروبة تُقاس بدرجة الولاء لشعار سياسي، او حزب، او دولة، او زعيم إلى عروبة تُقاس بما تنتجه من معرفة، ومنظومات فكرية، ومؤسسات، وشبكات، وأثر، وتأثير.
وهنا تتأكد لنا حقيقة: هي إذا كانت القومية قد حاولت أن تبني دولةً للعروبة، فهل تستطيع العروبة ما بعد القومية أن تبني مجالاً حضارياً لتوحيد قدرات العرب؟
هنا نصل إلى الفكرة التي نبني عليها مفهوم “المجال الحضاري العربي”.
الطريق الثالث
“المجال الحضاري العربي” الذي اقترحه هو الفكرة المركزية التي نعيد من خلالها التفكير في مفهوم العروبة.
المجال ليس دولة فوق الدول؛ ولا كيان سياسي بديلاً عن الدولة الوطنية؛ ولا مشروعاً لإلغاء الحدود..
إنه فضاء تتفاعل فيه العقول واللغة والثقافة والمعرفة والاقتصاد والقدرات ويصبح التنوع والتعدد فيه مصدر قوة وثراء.
لقد انتظر العرب طويلاً في أن تتحقق الوحدة لكي تبدأ النهضة لكن المحاولات كلها فشلت على هذا الصعيد لعوامل داخلية وخارجية، ربما آن الأوان لأن نعكس المعادلة.
النهضة العربية ممكنة بما يتوفر للعرب من امكانات مادية وبشرية وعلمية واقتصادية واجتماعية وثقافية ومعرفية وبناء القدرة، والمنظومات والشبكات والمؤسسات العابرة للحدود؛ فإذا ما نضجت هذه الشروط، جاءت الوحدة بصورتها التي يفرضها التاريخ لا بالصورة التي تفرضها الشعارات والخطابات.
ويصبح المجال الحضاري العربي ليس بديلاً عن الوحدة كشرط للنهضة فقط؛ انما تصحيحاً لمنطق التفكير الذي حكم العلاقة بين الوحدة والنهضة طوال قرن من الزمن تقريباً دون نتيجة.
قد يظن البعض ان هذا التحوّل يمثل نوع من التسوية السياسية.. لكن دراسة تجارب العالم، تؤكد على ان هذه الفكرة تعد من الأفكار الجوهرية في البناء الحضاري، حين استطاعت أمم كثيرة ان تنهض عندما توفرت لها الرؤية والإرادة والقيادة التي انشأت مجالها الحضاري وبَنت قدراتها.
فالمجال الحضاري هو بنية للتفاعل…
الجامعات العربية ممكن ان تتعاون…
مراكز البحث العلمي تتواصل…
الشركات تستثمر…
المعرفة تنتقل…
الثقافة تتفاعل…
الشباب يعملون عبر الحدود…
توأمة المدن العربية لتبادل الخبرات.
ومنظومات متجددة تصنع مؤسسات، وشبكات وشركات عابرة للحدود.
الوحدة في صورتها الجديدة: وحدة الحركة، وحدة الشبكات، وحدة المعرفة، وليس وحدة الدول او الأنظمة ولا تسييس العروبة واختزالها، ولا وحدة الزعامات.
لكن من الذي يبني هذا المجال؟
ولكي لا نقع في رومانسية المفاهيم، ويذهب بنا الخيال بعيداً، فإن المجال الحضاري العربي لا يبني نفسه، والمستقبل لا يأتي وحده، ولا يصنع ذاته.
المجال لا يحتاج فقط إلى أفكار جميلة واستبدال مفهوم بمفهوم وكلمة بكلمة.
انما يحتاج إلى منظومات تحول الفكرة إلى رؤية، والرؤية إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى شبكة، ومشروع، وأثر، لتعود الدورة من جديد.
من الهوية إلى القدرة
وهنا نصل إلى النقلة الفكرية الأهم في بناء المجال الحضاري العربي.
إذا كان المجال هو الإطار، فما الذي يملأ هذا الإطار ليكون مجالاً حضارياً حقيقياً؟
انها عناصر القوة والقدرة.
لقد استخدمنا طويلاً مفهوم القوة، وغالباً ما فهمناها باعتبارها عسكرية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو قوة خشنة وناعمة وذكية.
لكن علينا التفريق بين القوة والقدرة… أن تمتلك مورداً، فهي قوة… وأن تستطيع استخدامه فهي قدرة… وليس كل من امتلك أدوات القوة قادر على استخدامها ليملك القدرة.
ما فائدة أن تمتلك معرفة، ولن تستطيع تحويلها إلى ابتكار… وثروة، ولن تستطيع تحويلها إلى تنمية… وملايين الشباب، وليس بإمكانك تحويلهم إلى رأس مال بشري.
لهذا فإن القدرة هي: إمكانية تحويل الموارد والمعرفة إلى نتائج وأثر وتأثير؛
والقدرة العربية ليست قدرة واحدة… إنها منظومة من القدرات؛ وإذا ما استخدمت بإرادة وقرار فإنها المفتاح لبناء المجال الحضاري العربي.
المواطنة العربية
علينا ان نؤمن انه لا يمكن بناء مجال حضاري من دون الإنسان، الانسان الذي يستطيع ان يمارس الفعل والتأثير.
من هنا تأتي أهمية “المواطنة العربية” من حيث إنها دائرة للانتماء والمسؤولية والمشاركة… حيث يمكن للإنسان أن يكون مواطناً في بلده؛ عراقياً، أو مصرياً، أو مغربياً، أو أردنياً، أو سعودياً، أو تونسياً… وفي الوقت نفسه جزءاً من المجال الحضاري العربي… وإنساناً منفتحاً على الإنسانية كلها.
هذه الدوائر الثلاث تتقاطع مع بعضها لتشكل هوية جديدة للإنسان العربي.
والأهم أن المواطنة العربية لا تقوم على سؤال الأصل وعلى سؤال الدم والعرق؛ انما تقوم على قاعدة “ان كل إنسان يعيش في المجال العربي، إذا ما شارك في بناء هذا المجال وأسهم في إنتاجه، فهو جزء من قدرته الحضارية، مهما كانت هويته الفرعية”.
وهنا يصبح التنوع ليس تهديداً للهوية، إنما أحد شروط قوتها وحيويتها.. وهكذا هي كانت في عصرها الذهبي.
ولكي لا تبقى “المواطنة العربية” فكرةً شاعرية أو شعاراً سياسياً، فإنها تحتاج إلى تعريف يحدد معناها ووظيفتها: “المواطنة العربية، هي ممارسةٌ طوعيةٌ للانتماء والمسؤولية والمشاركة في المجال الحضاري العربي، تقوم على المساواة في الكرامة وفي الحقوق والواجبات، تحترم المواطنة الوطنية والهويات المتنوعة، وتحول الاشتراك الثقافي والتاريخي إلى تعاون ومعرفة وقدرة”.
“المواطنة العربية” ليست جنسية جديدة… ولا تعني إلغاء خصوصية الدول العربية… وإنها ليست مشروعاً لإلغاء الحدود… وهي ليست صفةً وراثية، ولا مرتبةً تمنحها دولة ما لمواطن بعينه، ولا اختباراً في الأصل أو النسب. إنها علاقة حية بين الإنسان والمجال الحضاري الذي يشارك فيه.
بهذا المعنى يمكن أن نميز بين العربي بوصفه انتماءً، والمواطن العربي بوصفه مشاركةً.
الانتماء يقول: أنا أنتمي… المواطن يقول: أنا أشارك، وأتحمل مسؤولية مشاركتي مع الآخرين.
المواطنة العربية يمكن أن تكون قابلةً للقياس من خلال أربعة أبعاد: الانتماء، الوعي بالمجال الحضاري العربي؛ والاشتراك في ذاكرته وثقافته؛
المشاركة هي: القدرة على التواصل والتعاون والإسهام عبر المجال، دون إلغاء الخصوصيات الوطنية؛
المسؤولية: احترام التنوع، وصون المجال المشترك، والمساهمة في تقدمه؛
الإنتاج: تحويل هذا الانتماء والمشاركة إلى معرفة وثقافة وابتكار واقتصاد، ومؤسسات، وشبكات، وقدرات.
عندها تصبح المواطنة العربية مختلفة جذرياً عن التصورات التقليدية.
هي لا تسأل: إلى أي جماعة تنتمي؟ … انما تسأل: ماذا يمكن ان تضيف إلى المجال الذي تنتمي إليه؟
وهذا هو جوهر الفكرة: المواطن ليس من يحمل اسما عربياً فحسب، انما من يشارك، بوعي ومسؤولية، في بناء المجال الحضاري العربي، مع احتفاظه الكامل بمواطنته الوطنية وخصوصيته الثقافية والدينية، وهويته الفرعية وانفتاحه على الإنسانية.
وهنا يحدث تحول مفاهيمي مهم.
كنا نتعامل طويلاً مع العروبة باعتبارها سؤالاً عن الانتماء: هل أنت عربي؟
أما المواطنة العربية فتضيف سؤالاً آخر: ماذا تفعل بانتمائك؟
وهذه نقلة من الهوية إلى المسؤولية.
فالانتماء يمكن أن يكون موروثاً.
أما المواطنة فهي ممارسة ومسؤولية.
حيث يمكن أن يولد الإنسان عربياً، لكن لا يصبح مواطناً بالمعنى الذي نتحدث عنه إلا عندما يتحول انتماؤه إلى مشاركة وحقوق ومسؤوليات وإسهام في المجال المشترك واعتراف بالأخر.
هنا فإن المواطنة العربية ليست درجةً إضافية من الهوية، انما هي درجة عليا من الحرية والفعل ومن المسؤولية التي يترتب عليها حقوق وواجبات، وتمنح دور للانسان في الوطن العربي ليسهم في بناء “مجتمع المعرفة” الذي هو الركن الثاني من اركان الفكرة الملهمة لمشروع التجديد.
فإذا كانت المواطنة العربية تمنح الإنسان موقعه في المجال الحضاري، فإن مجتمع المعرفة يمنحه القدرة على الحركة داخله وصناعته.
لذلك يمكن أن نقول إن “المواطنة العربية” هي بُعد الإنسان في المجال الحضاري العربي، و”مجتمع المعرفة” هو بُعد القدرة في هذا المجال.
وماذا يحتاج العرب لكي يحققوا النهضة الحضارية سوى توفر هذه العلاقة الحية بين المجال والإنسان والقدرة.
لذلك فإن مشروع التجديد العربي، وهندسة المفهوم، لا يحتاج فقط إلى مواطن عربي جديد، ولا إلى مجتمع معرفة جديد فقط؛ بل يحتاج إلى العلاقة الجديدة الحيوية بينهما.
وهنا تكمن مفارقة جميلة:
كلما اتسعت المواطنة العربية، اتسع المجال الحضاري؛ وكلما اتسع المجال الحضاري ازدادت القدرة؛ وكلما ازدادت القدرة تحولت العروبة من هوية نتذكرها إلى مستقبل نستطيع أن نبنيه.
وهذا في جوهره، أحد المعاني العميقة لمشروع التجديد العربي الذي نسير به.
فهل يحق لنا ان نصف العروبة التي ناقشناها الان بالعروبة الجديدة؟
وإذا ما صحت التسمية فما هي ميزاتها؟
اننا لا نتحدث عن “عروبة جديدة” بمعنى قطع الصلة بالماضي… وانما عن تعريف أكثر نضجاً للعروبة.
بمعنى ان ينتقل مفهوم العروبة من هوية تاريخية وثقافية واجتماعية إلى:
- عروبة حضارية متجددة
- قيمة إنسانية دون إقصاء
- مجال يستوعب التعدد والتنوع
- وطنية في حدود الدولة، وعربية في مجالها الحضاري، وإنسانية في أفقها، معرفية دون ايديولوجيا وشعارات، مستقبلية الرؤية دون نكران الماضي، وقادرة على الفعل والتأثير.
والأهم: “عروبة لا تطلب من الإنسان في الوطن العربي أن يتخلى عن هويته الوطنية كي ينتمي إليها، ولا تطلب منه أن يغلق أبوابه أمام العالم كي يكون عربياً”..
عروبة تمنحه فضاءً أوسع لكي يكون هو نفسه، ووطنه، وعروبته، وإنسانيته، في آن واحد.
كما وان العروبة ليست دينية…
هناك خطأ تاريخي لابد أن نتحرر منه إذا أردنا إعادة بناء مفهوم العروبة، هو: أن لا توضع في مواجهة الدين، أو أن نجعلها أسيرةً له.
العروبة ليست ديناً، والدين ليس قومية، والعلاقة التاريخية العميقة بين العربية والإسلام لا تعني أن أحدهما يختزل الآخر.
الإسلام أسهم بصورة حاسمة في تشكيل المجال الحضاري العربي في عصره الذهبي، والعربية أصبحت لغة الوحي، ثم أصبحت لغة علم وفكر وفلسفة وأدب وحضارة، وكان له الفضل في ان منح العروبة بعدها الإنساني.
والعروبة، بوصفها هوية حضارية، ساهمت في حمل رسالة الإسلام ونشرها؛ وهي بذلك أوسع من أن تكون عقيدة دينية، مثلما ان الإسلام أوسع من أن يكون هوية قومية.
لذا فإن العروبة المتجددة لا تسأل الإنسان العربي عن دينه كي تمنحه مكاناً في مجالها الحضاري. انما تسأله عن إنسانيته، وقدرته، ومعرفته ونوع مشاركته وما سوف يضيفه إلى المجال الذي يشترك فيه.
اذن فالعلاقة تفاعلية وجدلية بين العروبة والدين دون ان يختزل أحدهما الاخر في إطاره ومنهجه.
ختاماً
ربما كانت أعظم مشكلة في علاقتنا بالعروبة أننا تعاملنا معها طويلاً بوصفها شيئاً حدث وانتهى.. كانت لنا حضارة، وكان ماضياً مجيداً…
الان حان الوقت لنقلب المعادلة.
العروبة ليست فقط ما كان؛ العروبة أيضاً ما يمكن أن يكون.
لقد ورثنا هوية؛ لكننا لم نرث المستقبل.
وإذا كانت العروبة قد أعطت الإنسان العربي في الماضي جواباً عن جذوره، فعلى المفكر العربي ان يجعلها تمنحه في المستقبل شيئاً أكثر: إمكاناً.
إمكان أن يعرف، وأن يبدع، وأن يتعاون.
إمكان أن يختلف دون أن يتقاتل، وأن ينتمي إلى وطنه دون أن ينغلق، وأن لا يكون أسير الماضي، وأن يدخل العالم لا تابعاً له، ولا منعزلاً عنه، بل شريكاً فيه.
وهنا يصبح المجال الحضاري العربي طريقنا الثالث…
حاجتنا ماسة نحن العرب لكي ندخل المستقبل بفاعلية بناء فضاء تتصل فيه القدرات، ويحفظ التنوع، وتتسع فيه المواطنة، وتتحول فيه الهوية إلى فعل، وممارسة ومسؤولية.
عند ذاك يصبح السؤال الذي هو “ما العروبة؟” أقل أهمية من السؤال: ماذا تستطيع العروبة أن تصنع؟
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن نقول:
“لسنا مدعوين إلى إعادة العرب إلى عروبة الماضي؛ نحن مدعوون إلى بناء عروبة يستطيع الإنسان العربي أن يدخل بها المستقبل دون أن يفقد نفسه”.
العروبة لا يجب ان تعود مجرد هوية نتذكرها، ولا وحدة متخيلة انما تصبح مستقبلاً نسهم في صنعه يومياً.

