افتتاح المؤتمر – كلمة الدكتور خضير المرشدي- 9 سبتمبر 2026
- مؤسس ورئيس المعهد العالمي للتجديد العربي
- طبيب استشاري أمراض الدم والأورام

الحضور الكريم
الأصدقاء والزملاء،
تحية طيبة،
غالباً، ومنذ عقود، كلنا نتحدث عن الامن القومي العربي، عن امن الحدود، وأمن الدولة، والأمن العسكري، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الاقتصادي، والأمن الدوائي وغيرها… لكننا قلّما نسمع من يتحدث عن الامن الأكثر أهمية، ذلك هو:
من يحمي الإنسان في الوطن العربي من أن يفقد عقله، وحاضره ومستقبله؟
ومن يحمي المجتمع من أن يفقد تماسكه ووحدته؟
ومن يحمي الدولة من أن تتحول إلى جغرافيا بلا مشروع ولا رؤية؟
ومن يحمي الأمة من أن تصبح ذاكرة في عالم يصنع المستقبل في كل يوم؟
من هنا تبدأ فكرة هذا المؤتمر.
الأمن الحضاري العربي ليس فقط مفهوماً جديداً نضيفه إلى قاموس الأمن، انه ايضاً محاولة لإعادة تعريف الأمن نفسه… لأن الأمة التي تحمي حدودها ولا تحمي عقول أبنائها؛ وتحمي منشآتها ولا تحمي لغتها؛ وتحمي أسواقها ولا تملك تقنيتها؛ ولديها الجامعات ولا تنتج المعرفة؛ وتملك الثروات ولا تملك القرار؛ قد تكون محمية عسكرياً، لكنها ليست آمنة حضارياً…
هذا المؤتمر الذي أردنا له ان يكون حضورياً ليلتقي فيه الاخوة والزملاء في جو من الود والفكر والبهجة، فرضت علينا الظروف الإقليمية ان نعقده عن بُعد، آملين ان يكون مؤتمرنا السادس في العام القادم لقاءً مباشراً وبموضوع جديد سنعلن عنه بعد الانتهاء من هذا المؤتمر، الذي صنعه أشخاص أعزاء آمنوا بالفكرة، وتطوعوا للعمل من ان تكون واقعاً ملموساً.
الزميلات والزملاء نواب رئيس المعهد ورؤساء الوحدات الفكرية والتنفيذية والإدارية ونوابهم والمقررين، وأعضاء الوحدات والباحثين والمشاركين الذين حملوا مسؤولية هذا المشروع الفكري في ظروف عربية بالغة التعقيد.
أتوجه لكم جميعاً بتحية، وتقدير وامتنان وعرفان… لقد أثبتم أيها الإخوة الافاضل أن العمل التطوعي حين تقوده الفكرة يمكن أن يصبح قوة مؤسسية حقيقية.
وان ما أنجزتموه بقدر ما انه محط اعتزاز كبير، لكنه لا يكفي، ليس لأنكم قصّرتم، وإنما لأن المرحلة المقبلة لا تسمح لنا بأن نكتفي بما أنجزناه.
لا نريد وحدات تنظم نشاطاً فقط، انما وحدات تنتج فكراً، ومعرفة، ومنظومات وأثر ومحاضرات لا تنتهي بانتهاء الجلسة انما أثرها يستمر بعد رحيل أصحابها اطال الله في عمر الجميع.
كما لا نريد أوراقاً فكرية تقليدية تحفظ في الأرشيف… انما أوراق سياسات تدخل إلى عقل المتلقي، وإلى الجامعة، والمدرسة، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وإلى عقول الشباب العربي.
المعهد لا ينبغي أن يكون مكاناً لإنتاج الكلام عن التجديد، انما مكاناً لإنتاج التجديد نفسه في كل المجالات.
لذا أدعوكم أيها الاعزاء في المرحلة المقبلة بأن ترفعوا سقف الطموح، وأن يخرج كل واحد من منطق النشاط التقليدي إلى منطق الأثر، ومن منطق الفعالية إلى منطق بناء المجال الحضاري العربي الذي تحدثنا عنه.
وهنا نسأل لماذا الأمن الحضاري الآن؟
الحرب لم تعد حرباً بين جيوش فقط…
والصراع لم يعد صراعاً على الأرض فقط…
والهيمنة لم تعد تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر…
في عصرنا الراهن يمكن أن تُهزم الدول دون أن يسقط جيشها.. ويمكن أن تُحتل العقول دون أن تُحتل المدن.. ويمكن أن تفقد أمة سيادتها وهي ترفع عَلَمَها فوق مؤسساتها.
كما يمكن أن تصبح التكنولوجيا التي تستخدمها الدولة، والإعلام الذي يشكل وعيها، والطاقة التي تحرك اقتصادها، والغذاء الذي توفره، والمعرفة التي تدرسّها في جامعاتها، أسباب للتبعية والاختراق، وأدواتٍ لإدارة التبعية.
من هنا نجيب عن سؤال لماذا الامن الحضاري العربي الان…
الأمن الحضاري ليس مظلة فوق الدولة، إنه العمق الذي يمنح الدولة قدرتها على البقاء والتجدد.
فالأمن منظومة عميقة يبدأ من البيت والشارع والمدرسة والجامعة ومن المختبر العلمي قبل منظومة السلاح.
ومن اللغة قبل الخطاب السياسي.
والاقتصاد المنتج وليس المساعدات.
ومن الثقافة التي تمنح الإنسان معنى وجوده قبل الشعارات.
الخديعة الكبرى هي ما يسمى الأمن المستعار، الذي يعيش فيه العالم العربي منذ زمن طويل.
حين تعتقد دولة أن أمنها يتحقق حين تحتمي بقوة كبرى، أو حين تدخل في محور ما، أو حين تكدس السلاح، أو تنتظر ضمانات خارجية.
التاريخ لا يمنح الأمم ضمانات مجانية؛ والقوى الكبرى لا تحمي الآخرين لأنها تحبهم، بل لأنها تحب نفسها ومصالحها.
لذا لابد ان نتحرر من السؤال: من سيحمينا؟ ونبدأ بالسؤال: ماذا يجب أن نمتلك حتى لا نحتاج إلى من يحمينا؟
هذه ليست دعوة إلى العزلة؛ وليست دعوة إلى العداء للعالم؛ وليست دعوة ضد التحالفات الدولية. أنها دعوة إلى الانتقال من التبعية إلى الشراكة… ومن موقع المستهلك إلى موقع المنتج… ومن انتظار القرار إلى المشاركة في صناعته… ومن أن نكون موضوعاً في الاستراتيجيات الدولية إلى أن نكون فاعلين فيها.
اليوم لا نحتفل بفكرة جديدة ولا لنعلن اكتشافاً نظرياً مريحاً، انما نواجه إشكالية وجودية عميقة: الأمن القومي التقليدي نراه يتصدع، بل وينهار يوماً بعد يوم، وحدث بعد حدث. ليس لأنه فشل عسكرياً فقط، ولكن لأنه كشف عن تناقضه الجوهري.
كان يحمي الحدود بينما يترك العقل مكشوفاً؛ يحرس الجغرافيا بينما يُفرّغ الإنسان من القدرة على التفكير… فصار الأمن قناعاً، والسيادة شعاراً، والانتماء عبئاً ثقيلاً على صاحبه.
من هنا فإن طرح مفهوم الأمن الحضاري، رغم انه مشروع كبير يعزز المناعة الداخلية للدول والمجتمعات، لكنه يوجّه عدد من التحديات الداخلية والخارجية، ويثير جملة من الإشكاليات لابد من مواجهتها بحلول فكرية متأنية لكي لا تكون عواملاً في إعاقة بناء هذا المشروع الكبير فكرياً.
الإشكالية الأولى:
حين نقول إن الأمن الحضاري هو قطيعة فكرية واستراتيجية مع الأمن القومي السائد. هل ان العرب مستعدين لهذه القطيعة؟ وهل نستطيع أن نقطع حقاً مع الامن القومي التقليدي؟ أم أننا نريد أن نضيف (بعداً حضارياً) إلى المفهوم القديم دون أن نلمس بنيته العميقة؟
هل نجرؤ على الاعتراف بأن كثيراً من مؤسساتنا الأمنية والتعليمية والإعلامية لم تعد تحمي الأمة، وأنها تدير عجزها؟
القطيعة ليست شعاراً، وليست تنظيرا، وليست امنيات؛ انها قرار كبير ومؤلم عندما يتم التخلي عن أدوات أمنية تم الاعتياد عليها عقود من الزمن؛ في ذات الوقت انها لم تعد تنتج إلا المزيد من الهشاشة!!!
لذلك فأن الامن الحضاري هو المنظومة الكبرى التي تشمل كل عناصر الامن العربي وتحقق امن الدولة والانسان والمجتمع وتعزز المناعة الحضارية.
الإشكالية الثانية:
نتحدث عن بناء الإنسان الحضاري كشرط لأي أمن حقيقي… لكن أي إنسان الذي نتحدث عنه او المطلوب بناؤه لكي يكون حضارياً؟
هل هو الإنسان الذي ينتمي إلى هوية منفتحة ومتفاعلة؟
إذا كان الجواب نعم، علينا أن نمنع هذا الانفتاح من أن يتحول إلى تفكك؟
وهل يتم بناء هذا الإنسان من فوق، عبر المؤسسات الرسمية، أم ننتظر أن يولد عبر المبادرات؟
التجارب السابقة علّمتنا أن المشاريع الكبرى غالباً ما تُنتج إنساناً وظيفياً وليس إنساناً حراً.
الإشكالية الثالثة:
نرفع شعار الشباب في كل خطاب؛ ونقول إنهم صُنّاع السردية، وجسر بين ما هو تاريخي وهو رقمي، وانهم أمل الزمن الجديد، وقادة المستقبل.
لكن الواقع يقول إن الشباب هم الساحة الأكثر اختراقاً- ولا اريد التعميم- لان حديثنا يدور حول الأغلبية.
الشباب العربي يُعاد تشكيل وعيهم بخوارزميات وبيانات لا نتحكم بها؛ وتُقدَّم لهم سرديات العجز والتضليل والدونية بأجمل الأشكال وأكثرها إدماناً.
فلابد لنا في مخرجات المؤتمر وفعاليات المعهد القادمة من المعالجة الفكرية الجادة لهذه الظاهرة الخطيرة.
الإشكالية الرابعة:
نطالب باستعادة السردية التاريخية العربية الصحيحة… لكن أي سردية بالضبط؟ هل ان أحد من الحاضرين او السامعين يستطيع ان يقول اي سردية نريد استعادتها او كتابتها بادوات العصر؟
هل هي رواية الماضي المجيد كما هي، والعصر الذهبي مثلما كان، والزمن الأندلسي؟ لنَسقط في الأسطورة؟
أم المطلوب أن نعيد قراءتها نقدياً لنكشف تناقضاتها… وربما نخاطر بفقدان الحماس الجماعي؟
أمر لابد من الانتباه له حين تكون الرواية التاريخية جزء مهم من عملية بناء الامن الحضاري العربي.
وفي الفضاء الرقمي: هل نستطيع بناء سردية سيادية حقيقية، أم أننا سنظل ننافس داخل منصات يملكها الآخر ويحدد بياناتها؟
والسردية إذا بقيت نخبوية ماتت… وإذا أصبحت شعبوية فقدت عمقها.
فأين الحدّ؟ ومن الذي يضع هذا الحد؟
الإشكالية الخامسة:
نتحدث عن حماية الوعي من الاختراق الرقمي، لكننا نعلم ان الحماية سريعاً ما تتحول إلى رقابة، والرقابة إلى وصاية، والوصاية إلى إنتاج عقل مُوجَّه.
اذن كيف نبني أمناً سيبرانياً حضارياً يحمي الحرية لا يقمعها؟ وكيف نميّز بين مقاومة الاستلاب الفكري والثقافي وبين الخوف من الجديد الذي نسعى له؟
الإشكالية السادسة:
نكرر في خطاباتنا وندواتنا عبارة “استعادة الزمن الحضاري”؛
لكن الزمن لا يُستعاد… الزمن يُصنع.
فهل نملك الإرادة الجماعية لصنع زمن جديد، او عصر جديد؛ أم أننا نستمتع بالشكوى من الزمن الضائع؟
كل مشروع حضاري ومنها مشروع الامن يحتاج إلى ثمن.. الثمن هنا ليس مالياً، انما هو ثمن التخلي عن أوهام الاكتمال، وعن راحة الانتماء المذهبي أو المناطقي الضيق، وعن دور الضحية المريح.
زملائي الكرام
هذا المؤتمر لم يُعقد ليقدم إجابات نهائية عن هذه الإشكاليات وانما عُقد ليضعها على الطاولة بوضوح وقسوة.
لأن بناء المشروع يتطلب الجرأة على مساءلة المفاهيم وتشخيص التحديات، كخطوة اولى في طريق الأمن الحضاري.
لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، التي خدّرت عقولنا؛ نحتاج إلى جرأة الاعتراف بالتناقضات، وإلى قدرة على تحويل هذه التناقضات إلى أسئلة منتجة، ثم إلى خيارات صعبة.
الأمن الحضاري ليس وصفة جاهزة… هو مستمر مليء بالتوترات.
إما أن نخوضه بوعي، أو نظل ندور في حلقة الأمن التقليدي المتصدع، ونسمي ذلك استقراراً..
أؤمن؛ ان الدولة التي لا تحقق الاكتفاء بإنتاج غدائها ومائها ووقودها، وصناعة سلاحها؛ ومن لا تنتج معرفتها؛ لا يحق لها ان تتحدث عن امن قومي عربي… ولن يبقى أمامها إلا السير في طريق تحصين البيت من الداخل… وهي الفكرة الجوهرية لمشروع الامن الحضاري العربي.
تبقى الأسئلة مفتوحة… والمسؤولية الآن علينا جميعا.
لان معهدنا، ومن خلال أعمال هذا المؤتمر والمشاركات القيمة لأعضائه يسعى إلى وضع الاسس الفكرية لمشروع حضاري متكامل، ومن ضمنها الامن الحضاري العربي… مشروع لا يعتزل العالم، انما يقتحم العصر بثقة، ليسترد فيه المواطن العربي حقّه في الكرامة والأمن، والعيش الكريم، والحرية، والإبداع.
أتمنى لكم التوفيق ولأعمال مؤتمرنا النجاح، وأن يخرج بأطروحات وتوصيات فكرية وعملية تتجاوز المتداول، بما يسهم في تعزيز خطة المعهد الاستراتيجية للسنوات الخمسة القادمة، وتكون نواةً لتفكير عربي متجدد.
أهلاً بكم جميعاً، وباسمكم، نعلن افتتاح أعمال المؤتمر الفكري الخامس للمعهد “الأمن الحضاري العربي – رؤية لعصر عربي جديد”.
شكراً لكم…

