
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
تُظهر مذكرة الأمن القومي التي رفع عنها البيت الأبيض السرية، واتهمت فيها شركة علي بابا بتقديم دعم تقني لعمليات يقوم بها الجيش الصيني ضد أهداف في الولايات المتحدة، أننا أمام مرحلة جديدة ومفصلية في الصراع بين القوتين الأعظم في العالم. فالقضية ليست مجرد تقرير استخباراتي أو تسريب إعلامي، بل حلقة ضمن سياقٍ أوسع: تحويل التكنولوجيا إلى سلاح إستراتيجي يعادل في تأثيره الأسلحة التقليدية وربما يتجاوزها بكثير.
التكنولوجيا كجبهة حرب
أثبت الواقع الدولي الذي نعيشه أن الشركات التكنولوجية الكبرى لم تعد كيانات اقتصادية مستقلة كما في السابق، بل أصبحت امتداداً لقوة الدولة ونفوذها. إذ تنظر واشنطن اليوم إلى الشركات الصينية مثل علي بابا وهواوي وبايت دانس على أنها أدوات محتملة بيد الحزب الشيوعي الصيني، قادرة على جمع البيانات، أو دعم عمليات سيبرانية، أو توفير بنى تحتية يمكن استغلالها عسكرياً.
لذلك، فإن استخدام المذكرة تعبير: “قدرات تدعم عمليات” الجيش الصيني، لا يُقرأ بوصفه اتهاماً لشركة واحدة، بل باعتباره تكريساً لسردية أمريكية رسمية مفادها: لا توجد شركة تكنولوجية صينية محايدة أو بعيدة عن الدولة.
ولإبراز هذه النظرة الأمريكية، تجدر الإشارة إلى أن استهداف (علي بابا) ليس حادثة معزولة، بل يأتي ضمن نمط ثابت ومتكرر شمل سابقاً شركة هواوي في قطاع الاتصالات، وبايت دانس المالكة لـ “تيك توك” في قطاع المنصات الرقمية. ففي كل مرة، ترتكز واشنطن على قانون الأمن القومي الصيني لعام 2017 الذي يُلزم الشركات بتقديم الدعم والمعلومات للدولة عند الطلب.
من صراع تجاري إلى جيوسياسة رقمية
لم يعد الصراع الأمريكي- الصيني محصوراً في التجارة والرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد، بل انتقل إلى مستوى مختلف يتمثّل في السيطرة على القطاعات الأكثر حساسية في العالم المعاصر،
وأبرزها: البيانات الضخمة، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، المنصات الرقمية، الاقتصاد المعتمد على الخوارزميات.
فهذه القطاعات لم تعد مجرد اقتصاد، بل أصبحت العمود الفقري للأمن القومي. ومن هنا تنبع خطورة أي تعاون، حقيقي أو مُفترض، بين الشركات الصينية والجيش الصيني، باعتباره تهديداً استراتيجياً يستوجب إجراءات مضادة.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الانقسام الرقمي المزدوج، وهو إطار مفاهيمي حديث يشير إلى اتجاه العالم نحو منظومتين تقنيتين منفصلتين: منظومة تقودهاالولايات المتحدة تعتمد على شركات الغرب ومعاييره، ومنظومة أخرى تقودها الصين وتستند إلى شركاتها العملاقة.
هذا الانقسام لا يعكس اختلافاً اقتصادياً فحسب، بل يعبر عن صدام بين نظامين سياسيين وفكريين يختلفان جذرياً في مفهوم البيانات والسيادة الرقمية وطبيعة الدولة.
مغزى التسريب في هذا التوقيت
توقيت تسريب المذكرة، في رأيي، ليس عفوياً، بل يحمل الكثير من الدلالات السياسية لعلَّ أبرزها:
- الضغط على بكين قبل أي مفاوضات، فالتسريبات جزء من “حرب الرسائل” الجديدة.
- تهيئة الرأي العام الأمريكي لدعم تشريعات جديدة تقيد الشركات الصينية.
- هي بمثابة دعوة للحلفاء الأوروبيين للتماهي مع الموقف الأمريكي وتجنب الانجراف نحو الصين تقنياً.
- وأخيراً، تعد المذكرة تحذيراً للشركات الدولية بأن التعاون التقني مع الصين أصبح تحت رقابة شديدة.
وبذلك يصبح التسريب أداة سياسية بقدر ما هو وثيقة أمنية.
انعكاسات الخطوة على الاقتصاد العالمي
إن اتهام منصة علي بابا، وهي أكبر منصة تجارة إلكترونية في آسيا، يحمل تبعات تتجاوز العلاقات الأمريكية- الصينية، وأبرزها:
- تعميق الانقسام الرقمي العالمي بين منظومتين تقودهما قوتان متنافستان.
- ارتفاع تكلفة التكنولوجيا في ظل القيود المتبادلة وفك الارتباط في سلاسل الإمداد.
- تشتت الأسواق الرقمية واختلاف المعايير والبنية التقنية بين قطبين عالميين.
وهذا كله يؤكد أن التكنولوجيا لم تعد جسراً بين الأمم، بل باتت تتحول تدريجياً إلى جدارٍ يفصل بينها.
البعد الفكري للصراع التكنولوجي
لا يمكن قراءة الاتهامات الأمريكية لشركة علي بابا بمعزل عن البعد الفكري العميق للصراع بين واشنطن وبكين؛ فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات اقتصادية أو نظم معلوماتية، بل صارت أيديولوجيا جديدة تُعيد تشكيل مفهوم القوة في العصر الرقمي. ووفقاً لعدد من فلاسفة التكنولوجيا المعاصرين، مثل بول فيريليو، فإن السيطرة على البيانات والذكاء الاصطناعي لم تعد صراعاً تقنياً، بل أصبحت صراعاً على الوعي الإنساني ذاته.
فالولايات المتحدة تمثل نموذجاً يرى في التكنولوجيا امتداداً لحرية الفرد واقتصاد السوق، بينما تمثل الصين نموذجاً يقوم على “سيادة الدولة الرقمية” حيث تُوظَّف البيانات لتعزيز قوة الدولة وبناء مجتمع شديد الانضباط. ومن هنا، فإن الحرب التكنولوجية بين البلدين ليست مجرد تنافس تجاري، بل صدام فلسفي بين نموذجين: نموذج يقدّم الفرد باعتباره مركز النظام، ونموذج يقدّم الدولة باعتبارها مركز الفضاء الرقمي.
وعلى الرغم من أن السجالات الفلسفية الكبرى حول التكنولوجيا تصدر غالباً عن الغرب، فإن الفكر العربي لم يكن غائباً بالكامل عن هذا الحقل. فقد حاول عدد من المفكرين العرب، بأدوات مختلفة ودرجات متفاوتة من العمق، مقاربة العلاقة المعقدة بين الإنسان والتكنولوجيا، وتفكيك أثرها على الهوية والثقافة وبنية الدولة الحديثة.
وقد برز في هذا السياق فلاسفة ومفكرون ومنهم (محمد سبيلا) على سبيل المثال لا الحصر، والذي ناقش العلاقة بين التحديث التقني والحداثة كبنية فكرية، ورغم إدراكه لأهمية التقنية في تحقيق التطور، إلا أنه نبّه إلى ضرورة بناء الحداثة على أسس ثقافية وحضارية تضمن القيم الإنسانية كالحرية والديمقراطية، بدلاً من الاكتفاء بالجانب التقني فقط. يرى محمد سبيلا أن موقفنا من التقنية موقف يتسم ببعض الغموض واللبس، بل تطبعه ثنائية عميقة تتميز بالقبول والرفض، بالاستعمال والاستنكار قائلاً: “التقنية تغرينا وتجذبنا بمتعها ومباهجها وسحرها من حيث إنها تقلص المسافات وتختصر الأزمنة وتوفر على الإنسان الكثير من الجهد، خاصة منذ الثورة التكنولوجية الثانية بوتيرتها المتسارعة إلى حد الذهول، من الإلكترونيات إلى الإعلاميات إلى الإنسان الآلي وغزو مجاهل الفضاء”. فقد أصبح الفرد بتعبير سبيلا أشبه ما يكون بمهاجر في الزمن مثلما كان أسلافه مهاجرين في المكان.
هذه التكنولوجيا التي نهفو إليها وإلى المساهمة فيها ليست مشروعاً بريئاً أو محايداً، بل هي جزء من مشروع كوني وامتداد لرؤية معينة نشأت مع الإنسان وواكبت تطوره، وبالتالي فهي مرتبطة ببعض الملامح الأيديولوجية ومنها:
- التكنولوجيا هي التطبيق العملي للعلم، وكلاهما مرتبط بمشروع للسيطرة على الطبيعة وعلى الإنسان، والسيطرة على الطبيعة تمر عبر السيطرة على الإنسان وتسخيره. يقول سبيلا: “نعم، يبدو أن الإنسان سيد الآلة ومكتشفها، لكن هذه تعود لتتحكم فيه وتستبعده، بل لعله هو الذي يجعل نفسه عبداً لها بعد أن كان سيدها، إن الآلة كأداة تستجيب لحاجات معينة لدى الإنسان في السيطرة على الأشياء وتسخيرها، لكنها سرعان ما تستجيب لحاجة الإنسان إلى سيد أو حاجته إلى أن يصبح عبداً لمخلوقاته، وكأن الإنسان لا يتحرر إلا ليخطو خطوة في العبودية، وكل خطوة في طريق التحرر هي في الوقت نفسه، وفي الحركة نفسها، خطوة في طريق العبودية. فالعلم والتكنولوجيا اللذان اكتسبا في بداية النهضة مشروعاً تحررياً، قد تحولا اليوم إلى أدوات سيطرة استعباد”، فالتكنولوجيا إذن هي الداء والدواء، إنها أداة تحرر، وأداة استعباد، إنها الجنة والجحيم في الوقت نفسه.
- الملمح الإيديولوجي الثاني للتقنية: يتعلق بتصور التقنية ذاتها، وقد أوضح هايدغر أن التكنولوجيا ليست فقط مجموع الأدوات والوسائل، مهما بلغت درجة تعقدها بل هي “أفق فكري وطريق انكشاف وكيفية في التفكير، ونمط للعلاقة مع الآخرين ومع العالم، إنها نمط في الوجود، يقول سبيلا: “التكنولوجيا من هذا المنظور هي الأداة الخالصة: تحوّل كل شيء إلى أدوات ووسائل، ولعل هذا البُعد الأداتي للتكنولوجيا، كأفق، يمكن أن يسهم قليلاً في القيام بتعديل طفيف في تحليل ظاهرة التشيؤ فقد درجت العادة على إرجاع التشيؤ إلى سيادة قانون السوق وإلى تفشّي العلاقات الرأسمالية، التي تحوّل تلقائياً القيم الاستعمالية إلى قيم تبادلية”. ويضيف أيضاً بقوله: “إلا أن إدخال عنصر التقنية كأداة وكنمط وجود في التحليل، يبرز دورها التشييئي في الحياة الاجتماعية، وبهذا المعنى فالتقنية هي تحوّل الأشياء إلى أدوات، والعالم التقني هو العالم الذي تصبح فيه الأداة نموذجاً ومثالاً، وبذلك تسهم التقنية في جعل العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والأشياء علاقة أداتية ونفعية. لم تعد الآلة استمراراً وامتداداً لحواس الإنسان وقدراته، بل أصبح الإنسان ذاته امتداداً للآلة إلى حد ما. لقد اكتسبت الآلة خصائص إنسانية بينما اكتسب الإنسان خصائص آلية” (مجلة الرافد، مجلة إلكترونية ثقافية شاملة تصدرها دائرة الثقافة، حكومة الشارقة، فبراير 2020م).
إن حضور هذا البعد الفكري العربي يجعل مقاربة الصراع التكنولوجي بين واشنطن وبكين أكثر عمقاً؛ فالعالم العربي لا يقف فقط على تخوم الصراع الجيوسياسي، بل يقف أيضاً على تخوم صراع فكري وحضاري حول شكل الإنسان في العصر الرقمي، وحول قدرة المجتمعات العربية على صياغة علاقتها بالتكنولوجيا بما يحفظ كرامة الإنسان، ويضمن استقلالية الوعي، ليمنع تحوّله إلى مجرد “مستهلك للمنصات” أو “مادة خام للبيانات”.
وبهذا المعنى، يتحول الصراع التكنولوجي إلى صراع حضاري حول ملامح العالم المقبل: أي نموذج سيحكم نشأة الإنسان الرقمي؟ وأي فلسفة ستحدد مستقبل الوعي والمعرفة والهوية؟ إنها معركة تتجاوز علي بابا وهواوي وتيك توك، لأنها في جوهرها معركة على شكل الحياة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
ماذا يعني ذلك للمنطقة العربية؟
لا شك أن المنطقة العربية تقع اليوم في صميم التنافس التكنولوجي العالمي، إذ تستضيف من جهة شركات أمريكية كبرى، وتعتمد من جهة أخرى على التكنولوجيا الصينية في الاتصالات والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية.
وتبرز في هذا السياق عدة مخاطر محتملة، منها، الاضطرار إلى الاصطفاف التقني واختيار أحد المعسكرين في البنى الرقمية، وفي حال تصاعد الحرب السيبرانية بين واشنطن وبكين يصبح أمن البيانات في قلب المخاطر، يضاف إليها خطر تعقيد الشراكات الاستثمارية خاصة في المدن الذكية والموانئ اللوجستية والمناطق الحرة.
أما الفرصة الكبرى، فهي إمكانية تعظيم المكاسب عبر التوازن بين القوتين، وتوظيف التنافس لتطوير بنى رقمية أكثر استقلالية وقوة.
أخيراً، إن اتهام البيت الأبيض لشركة “علي بابا” ليس حدثاً عابراً، بل هو علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية.
فقد أصبح الأمن القومي يُقاس اليوم بقدرة الدول على الإجابة عن الأسئلة التالية: مَنْ يمتلك البيانات؟ مَنْ يطوّر الذكاء الاصطناعي؟ ومَنْ يسيطر على الحوسبة السحابية؟
إنها حرب بلا جيوش، وسباق لا حدود لها، ومعركة لن تُحسم على المدى القريب، لكنها بلا شك ستعيد تشكيل توازنات القوة في القرن الحادي والعشرين.


تحياتي لك دكتور جلال. مقال رائع فيه تحليل لمفهوم الجيوسياسة الرقمية و أبعاد الصراع الحاصل بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في هذا الشأن. تساؤلات مهمة جدا وفعلا حرب جديدة بدون جيوش.
شكرا جزيلا لسيادتكم د جلال كالعادة مقال متميز مهم