منظمة فكرية وعلمية وثقافية مستقلة
دلالات تحذيرات وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة “جانيت يلين”: هل تدخل الولايات المتحدة مرحلة “التآكل المؤسسي”؟

دلالات تحذيرات وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة “جانيت يلين”: هل تدخل الولايات المتحدة مرحلة “التآكل المؤسسي”؟

الدكتور جلال حاتم

أستاذ الاقتصاد الإداري


في تصريح لافت، حذّرت جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة، من أن الولايات المتحدة تقف اليوم على حافة تآكل مؤسّسي قد يمسّ جذور الرخاء الاقتصادي الأميركي.

فوفقاً لخبر نشرته وكالة بلومبيرغ (Bloomberg) بتاريخ 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 تحت عنوان:

(Janet Yellen Says the U.S. Is Undermining Its Economic Success) نكتشف دون مشقّة بأن التحذير لم يكن تقليدياً، بل كان أشبه بخطاب قلقٍ وإنذار. خطاب استعرض عدداً من المؤشّرات: ضعف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، التدخّل السياسي في الجامعات، ضغط على سيادة القانون، وتراجع الثقة في البيئة الاستثمارية الأميركية.

ما يثير الاهتمام هو أن التحذير ليس ناجماً عن تهديدٍ خارجي أو تنافس دولي، بل هو خوفٌ من الداخل: من انهيار البُنى التي قامت عليها القوة الأميركية منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

إن محتوى الخبر المنشور في “بلومبيرغ” يشير إلى أن (يلين) ربطت بين تآكل المؤسسات (المالية، النقدية، والأكاديمية) وبين تهديد مباشر للنمو الاقتصادي. كما أشارت إلى تراجع الدولار بنحو 4% منذ إعلان الرسوم الجمركية في أبريل (بحسب نص الخبر) كمؤشر مادي للهشاشة.

إن أهمية تحذير (يلين) يرجع إلى أنه صادرٌ عن شخصية اقتصادية معروفة في العالم، وهي الوحيدة التي شغلت المناصب الاقتصادية الثلاثة الأهم في الحكومة الأمريكية: رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ووزيرة الخزانة، ورئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض. حيث لم يحتل أي مسؤول أمريكي عبر التاريخ موقعاً يجسر الفجوة بين الاقتصاد والسياسة كما فعلت (يلين).

لهذا ربما تبدو الأكثر ملاءمة لتوجيه هذا التحذير المتعلق بإحدى المسلّمات النظرية المركزية في الاقتصاد الحديث: أن مصير الاقتصاد يتحدد قبل كل شيء بسلامة المؤسسات السياسية والمالية.

التحليل الاقتصادي

أولاً: بيئة الاستثمار والمالية

عندما تفقد المؤسسات استقلاليتها، يعني ذلك أن قرارات مثل سعر الفائدة أو التنظيم المالي يمكن أن تُتخذ لأغراض سياسية، لا اقتصادية. هذا يرفع “مخاطر الحُكم” لدى المستثمرين، فيبدأ

رأس المال بالبحث عن بيئات أقل مخاطرة، ما يؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال، وتراجع التمويل الأجنبي المباشر، وبالتالي ارتفاع تكلفة الاقتراض للدولة.

ثانياً: الدولار واحتياطاته

تراجع الدولار بنحو 4% يُعدّ إشارة إلى تآكل الثقة في العملة، وهذا خطر استراتيجي لأن الولايات المتحدة تستفيد من وضع الدولار كعملة احتياطية. ضعف هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين العام، وضعف القدرة الأميركية على “طباعة السيولة” دون كلفة مباشرة وتغيّر في نظام الاحتياطي العالمي.

ماذا يعني تراجع الدولار بنحو 4%؟

تراجع الدولار ليس مجرد حركة سعر يومية، بل هو مؤشر على تراجع الثقة في العملة التي تقوم عليها التجارة العالمية، الاحتياطيات الرسمية للبنوك المركزية، أسواق الدين العالمية، وتسويات الطاقة.

عندما يتراجع الدولار 4%  في فترة قصيرة، فهذا مؤشر على خروج استثمارات من الأصول الأميركية، تقليل بنوك مركزية لحيازاتها من الدولار، دخول عملات منافسة (مثل اليورو، اليوان، الذهب) كقنوات موازية للاحتياطي، وإحساس السوق بأن “امتياز الدولار” يتعرّض للاهتزاز.

لماذا يعتبر ذلك خطراً استراتيجياً؟

لأن الولايات المتحدة تمتلك ما يسميه الاقتصاديون بـ “الامتياز المفرط” Exorbitant Privilege. وهذا تعبير عن قدرة أمريكا على الاقتراض بالدولار الذي تصدره هي نفسها، طباعة السيولة دون تكلفة فورية، وتمويل عجزها الداخلي عبر طلب عالمي ثابت على الدولار وسندات الخزانة الأميركية، لذلك، يعكس تراجع الثقة بالدولار تراجع هذا الامتياز.

التأثير على خدمة الدين الأميركي

ولكي يستوعب القارئ غير المتخصص هذا الوضع، نسوق هذا المثال: تجاوز الدين العام الأميركي34.7 تريليون دولار(تقديرات 2025)، وخدمة الفائدة السنوية تقترب من 1 تريليون دولار، فإذا تراجع الدولار وفقد جزءاً من مكانته، فإن الطلب على سندات الخزانة ينخفض، فتضطر واشنطن إلى رفع أسعار الفائدة لجذب المستثمرين.

هذا يعني مباشرة: ارتفاع كلفة خدمة الدين، تآكل قدرة الحكومة على تمويل البرامج، مزيد من العجز المالي، وبالتالي ارتفاع الضرائب أو خفض الخدمات، أي أن الضعف النقدي يُترجم هنا إلى ضعف مالي وسياسي.

تراجع قدرة أميركا على “طباعة السيولة” بدون كلفة

اليوم تستطيع الولايات المتحدة تشغيل آلة الطباعة (الرقمية) لأنها تعرف أن البنوك المركزية تحتاج الدولار، وأن التجارة العالمية بحاجة له، وأن أسعار السلع الأساسية مربوطة به (الطاقة خصوصاً). لكن إذا بدأت الثقة في الدولار بالتراجع، فإن الطباعة تتسبب مباشرة في انخفاض قيمته، وفي ارتفاع معدلات التضخم داخلياً، مما يؤدي إلى هروب المستثمرين دولياً وتحوّل جزء من التجارة العالمية إلى عملات بديلة، وهنا تفقد أميركا قدرتها الاستثنائية على التمويل “المجاني”. ولسنا بحاجة إلى التنويه إلى أن عصرنا الراهن يشهد وجود مؤشرات قوية على حدوث حراك عالمي لإعادة تشكيل النظام النقدي.. وإن كان بطيئاً.

ثالثاً: الابتكار والاقتصاد المعرفي

الجامعات الأميركية كانت محوراً للابتكار العالمي، وجذب العلماء والباحثين من الخارج. إن تدخل السياسة أو المساس بالحرية الأكاديمية يعني تراجع القدرة التنافسية الأميركية في الصناعات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. النتيجة المتوقعة تفوّق دول أخرى (الصين، الاتحاد الأوروبي، الهند مثلاً)، ستشهد العوائد الاقتصادية للابتكار الأميركي تراجعاً ملموساً.

التحليل الفكري والسياسي

أولاً: المؤسسات وأهميتها

الحديث عن “تآكل مؤسّسي” في دول “المؤسسات” يكشف أنها – أي المؤسسات – باتت أقرب إلى “ديكور” لا ركائز لعمل الدولة الحديثة. فالمؤسسات والعمل المؤسسي الذي تضبطه قواعد الحوكمة تعبّر عن جملة من القيم: سيادة القانون، استقلال القرار، شفافية الحكم. واختلالها يعني العودة إلى نمط “دولة تقليدية” أو شبه تقليدية، ويضرب “الرأسمالية” في الصميم.

وهو ما تؤكّده الأدبيات الاقتصادية الحديثة (Acemoglu, Robinson, North) التي تربط بين قوة المؤسسات والنمو المستدام.

ثانياً: الديمقراطية والاقتصاد

وزيرة الخزانة السابقة (يلين) تربط بين صحة الديمقراطية والنمو الاقتصادي المستدام. هذا يعكس رأياً فكرياً بأن النمو ليس مجرد أرقام بل نتاج بيئات مؤسّسية – من حرية التعبير إلى التنافسية – وأن ضرب هذه البيئات يضعف الأسس التي يُبنى عليها النمو، لا النمو لحاله فقط.

ثالثاً: التناقض في العولمة

انطلاقاً من أن الليبرالية الغربية والعولمة ظاهرتان متداخلتان بنيوياً؛ فالعولمة ليست مجرد حركة اقتصادية أو تقنية، بل هي في جوهرها مشروع ليبرالي غربي لنشر نموذج اقتصادي وثقافي وسياسي محدد على نطاق عالمي، هذا النموذج آخذ في التراجع في ضوء ما شهده العالم – ولا يزال – من حروب “ضرائبية”.

ولطالما قدَّمت الولايات المتحدة نفسها كعارضة لنموذج “الدولة الحديثة” و”الليبرالية الغربية”. لكن إذا ما اعتُمدت ممارسات ضاغطة على المؤسسات، فإن ذلك يضع تساؤلاً وجودياً: هل النموذج الأميركي لا يزال صالحاً أو أنه صار محكوماً بأبعادٍ متناقضة؟ هل بتنا فعلاً نشهد انتقاله من “عصر المؤسسات” إلى “عصر استراتيجية السلطة الشخصية”؟

دروس وعِبَر.. للعالم العربي

لهذا التحذير دروس وعبر للعالم العربي، لعل أبرزها ما يلي:

  • الدول العربية التي تسعى إلى بناء مؤسسات حديثة يمكن أن تتعلّم من هذا التحذير أهمية استقلالية البنوك المركزية، وحماية الجامعات ومراكز الفكر والبحث العلمي كمحرك للنهضة.
  • الدول الخليجية التي تجذب رؤوس الأموال يمكن أن تستفيد من تحويل “هشاشة المؤسسات الغربية” إلى “ميزة تنافسية عربية” من خلال بنائها بيئة قانونية مستقرة وجاذبة. – دولة الإمارات أنموذجاً -.
  • التحذير أيضاً رادع للدول التي تفكّر في تخطيط اقتصادي بعيد عن التحديث المؤسّسي: لأن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يُبنى على هياكل هشة مؤسسياً، وإلّا فإنه يصبح عرضةً للانهيار المفاجئ.

إن تحذير (جانيت يلين) ليس مجرد كلام سياسي أو اقتصادي عابر، بل شهادة على أن النمو الاقتصادي الكبير، في دول “المؤسسات”، لا يُمكن أن يُبنى على ارتجالٍ في القرار، أو تسييس المؤسسات، أو تجاهل لقواعد الحُكم المؤسّسي.

وهذا “التحذير” – في رأيي – فرصة ليس للقلق، بل للتحرّك المبكر لبناء مؤسسات تصمد أمام العواصف، لا أن تُقتَلَع بفعل العواصف أو الرياح.

وإذا صحّت تحذيرات (يلين)، فقد يكون العالم أمام بداية ترسيخ مرحلة انتقال مركز الثقل الاقتصادي من الغرب إلى الشرق، بل لعله تحوّل أعمق.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *