
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
إذا ما تمّ إحياء اتحاد المغرب العربي، والذي كان ثمرة اجتماع قادة دول المغرب العربي بمدينة زرالدة في الجزائر بتاريخ 10يونية/ حزيران 1988م، والذي أوضح فيه القادة رغبتهم في إقامة الاتحاد المغاربي وتكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي، وترتب على ذلك الإعلان عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير/ شباط 1989 بمدينة مراكش من قبل المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، فإذا ما تمَّ ذلك أي إعادة تفعيل التعاون الفعلي بين دول المغرب العربي، فإنّ ذلك يفتح أبعاداً وفرصاً اقتصاديّة مهمّة، مع وجود جملة من النتائج المتوقّعة، وكذلك عددٍ من التحدّيات التي ينبغي أخذها في الحسبان.
وسنحاول فيما يلي عرض أبعاد إحياء اتحاد المغرب العربي أولاً، ثم النتائج المتوقعة.
الأبعاد الاقتصادية لإحياء الاتحاد
- سوق داخلية أكبر، وتقليصٌ للحواجز
- عند تفعيل الاتحاد، يصبح بإمكان دول الاتحاد أن تتعامل ككتلة سوقية أوسع، مما يزيد من فرص اقتصاد الحجم(economies of scale) ويقلّل التكاليف على الوحدة الإنتاجية؛
- سيعزز تخفيض الحواجز التجاريّة (جمركيّة، تنقّل الأشخاص، الخدمات، رؤوس الأموال) بفعل التكامل الداخلي.
- تنمية سلاسل القيمة الإقليمية (Regional Value Chains) :
- ربط الصناعات في دول الاتحاد عبر تقسيم العمل: مثلاً دولة تؤمّن المادة الخام، وأخرى التصنيع، وثالثة التوزيع. هذا يخلق فرصاً أكبر للاستثمار ويقلّل الاعتماد على الصادرات الخام.
- تحسين البنى التحتيّة المشتركة (نقل، طاقة، موانئ، طرق) بين دول المنطقة، مما يعزّز الربط الاقتصادي عبر الحدود.
- جذب الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) وتعزيز الحركة المالية:
- تكامل السياسات الاستثمارية بين الدول الأعضاء يمكن أن يشجّع المستثمرين على النظر إلى المنطقة كوجهة موحّدة، ما يزيد من جاذبية رؤوس الأموال الخارجية.
- كما أن تقليص مخاطر العمليات العابرة للحدود (من حيث القوانين، والشفافية) يسهم في تحفيز الاستثمار.
- تحسين القدرات التفاوضية مع شركاء خارجيين
- بوصفها كتلة، تستطيع دول الاتحاد التفاوض بوزنٍ أكبر مع الاتحاد الأوروبي أو مع الأسواق الدولية، الأمر الذي قد ينعكس في اكتساب شروط أفضل للصادرات والواردات، أو دخول أسواق جديدة، كذلك يمكن أن تستفيد من علاقات دولها مع أوروبا وأفريقيا لتوسيع التبادل التجاري.
- تنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على السلعة الواحدة
- في ظل تكامل اقتصادي، يمكن للدول أن تستفيد من خبرات بعضها البعض في قطاعات الزراعة، الصناعة، الخدمات، الطاقة المتجددة، النقل.. وغيرها، مما يساعد على تنويع الاقتصاد وتقليل هشاشته أمام الصدمات (مثل انخفاض أسعار النفط أو الغاز وغيرها).
- إدماج القوى العاملة والتنقّل والخدمات
- فتح باب التنقّل بين الدول الأعضاء للعمالة الماهرة أو المتوسطة يتيح استغلال العرض والطلب في القوى العاملة داخل المنطقة، مما يؤدي إلى خفض تكاليف التشغيل ويزيد من الفعالية الاقتصادية.
- الخدمات (الخدمات المالية، النقل، اللوجستيات، التكنولوجيات الحديثة) يمكن أن تصبح قطاعاً متكاملاً عبر الحدود؛
النتائج الاقتصادية المتوقعة
تشير العديد من الدراسات ومنها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الصادر في مطلع يونيو/ حزيران 2017م إلى جملةٍ من النتائج المتوقعة في حال تحقق التكامل الفعلي، منها :
- زيادة في الناتج المحلي الإجمالي للفرد
إن الاندماج العميق في منطقة المغرب العربي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في نصيب الفرد من الناتج المحلي، على سبيل المثال، تشير بعض التقديرات إلى أنه بين 2005 و2015، كان من الممكن أن تحقق الجزائر مثلاً زيادة إضافية بنحو 34%، والمغرب 27%، وتونس 24% إذا ما تحقّق التكامل الكامل (خدمات + استثمار) ضمن الاتحاد.
- زيادة حجم التجارة البينية
حالياً نسبة التجارة بين دول الاتحاد ضئيلة (حوالي 4.8% من حجم التجارة الخارجية)، وبتحسين التكامل يمكن رفع هذا الرقم بشكل كبير، مما يعني مزيداً من النشاطات ذات الصلة وزيادةً في التجارة البينية.
- تحسين جذب الاستثمار الأجنبي
فعالية أكبر في البيئة المؤسسية، وإنسياب رؤوس الأموال الأجنبية إلى المنطقة، ما يدعم النمو الاقتصادي. فإحدى الدراسات القيّمة الموسومة بـ )الأداء الاقتصادي في اتحاد المغرب العربي: التركيز على مساهمات الانفتاح الاقتصادي وجودة المؤسسات، ديسمبر 2023م– باللغة الإنجليزية، منشور في Research Gate”، وجدت أن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرةFDI كان لها أثر إيجابي كبير على نصيب الفرد من الناتج الإجمالي في المدى الطويل.
- خفض تكاليف التجارة والنقل
بتحسّن البنى التحتية وربط الدول، يمكن تخفيض تكاليف الشحن والنقل، مما يعزّز من مستوى تنافسية المنتجات الإقليمية.
- تنمية القطاعات الواعدة
مثل الطاقة (الغاز، الطاقات المتجددة)، اللوجستيات، الموانئ، التصنيع والتصدير، الخدمات الرقمية، فالتجميع الإقليمي يسمح بتركيز الاستثمار في هذه القطاعات.
- تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
التكامل الاقتصادي يساهم أيضاً في تعزيز الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين الدول، مما يقلّل من المخاطر السياسية ويعزز مناخ الأعمال.
نقاط حرجة تستوجب الانتباه
- الاستقرار السياسي، وتجاوز الخلافات متطلب رئيس. فالنزاعات أو الخلافات بين الدول الأعضاء قد تُعيق التنفيذ الفعلي للاتحاد، رغم الإمكانات الاقتصادية، وهو ما يمكن تسميته بـ”التحدّيات الجيوسياسية”.
- من المتوقع حدوث استفادة غير متوازنة. فعندما تتكامل مجموعة دول في اتحاد اقتصادي أو سوق مشتركة، لا تتوزع الفوائد دائماً بالتساوي بين أعضائها. فالدول التي تمتلك اقتصاداً أكبر وأكثر تنوعاً، وبنيةً تحتيةً متطورة، وقدرةً تصديريةً عالية، ستكون بالطبع قادرةً على الاستفادة بسرعة من انفتاح الأسواق الجديدة في الاتحاد. بينما الدول ذات الاقتصادات الصغيرة أو الأقل تنوعاً قد تجد نفسها مُستقبِلة (مستوردة) للسلع والخدمات أكثر من كونها مصدّرة، مما يؤدي إلى عجز تجاري نسبي داخل الاتحاد. وهنا تبرز الحاجة لإنشاء صندوق للتوازن أو آلية للتعويض المالي (كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي)، لمواجهة معضلة تراكم المكاسب في أيدي بعض الدول، بينما تشعر أخرى بأنها مهمشة، مما يخلق توتراً سياسياً واقتصادياً داخل الاتحاد.
- تحويل مسار التجارة (trade diversion) عوضاً عن التكامل الحقيقي. ويقصد به انتقال التجارة من دولة ذات كفاءة إنتاجية أعلى (دولة خارج التكتل التجاري) إلى دولة أقل كفاءة (داخل التكتل)، بسبب المزايا الجمركية أو التفضيلية التي تمنحها الاتفاقية الإقليمية.
- مقاومة من القطاعات القائمة التي قد تُخشى من المنافسة أو فقدان ميزاتها الحصرية، الحاجة إلى بنية تحتية لوجستية قوية وشبكات نقل وموانئ وحركة موثوقة عبر الحدود، وإلا فإن التكامل سيبقى جزئياً.
وعليه، يمكننا القول بثقة، إن إحياء اتحاد المغرب العربي يمكن أن يوفّر منافع اقتصادية ملموسة: تكامل أسواق، تنمية مشتركة، زيادة التجارة البينية، ونمو أعلى في نصيب الفرد من الناتج. لكن ذلك ليس مضموناً تلقائياً؛ بل يتطلب تصميم سياسات فعالة، إصلاحات مؤسسية، اتفاقات واضحة، وبناء بنىً تحتيةٍ ملائمة.

