
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
أعلن الرئيس الإيراني، في خطوة لافتة، حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية، ليعود “التومان” إلى الواجهة كعملة رسمية. ورغم أن الإجراء يبدو وكأنه خطوة تقنية تهدف إلى تسهيل المعاملات وتقليص الأرقام، إلا أنّ دلالاته الاقتصادية والسياسية أعمق بكثير مما تبدو عليه. فحذف الأصفار ليس مجرد تغيير في شكل العملة، بل رسالة سياسية، واعتراف غير مباشر بعمق الأزمة النقدية التي يعيشها الاقتصاد الإيراني.
فعندما يفقد الناس الثقة في عملتهم، يتضخم كل شيء: الأسعار، القوائم المحاسبية، أنظمة الدفع، وحتى الوعي الجمعي. فعلى مدى العشرين سنة الماضية، تدهور الريال الإيراني من آلاف قليلة مقابل الدولار إلى مئات الآلاف، في سياق تضخم تجاوز 40% سنوياً، وبات النظام يعاني من عزلة مالية خانقة بفعل العقوبات الأمريكية والأوروبية.
إن إعادة الترقيم هي محاولة لإعادة “النظام” إلى فوضى الأرقام، لكنها لا تغيّر شيئاً في القيمة الحقيقية للعملة، ولا في جذور التضخم، ولا في اختلالات الاقتصاد البنيوية.
البُعد النفسي والسياسي… أكثر من البُعد الاقتصادي
ففي أوقات الأزمات تعتمد الحكومات على خطوات رمزية لإيصال رسالة بأن “الأمور تحت السيطرة”، و”أن كلَّ شيء تمام”. وهنا نجد بأن حذف الأصفار من هذا النوع من القرارات:
- يبعث شعوراً عابراً بالاستقرار؛
- يمنح مظهراً تقنياً لإرادة الإصلاح؛
- يعطي الانطباع بأن الحكومة تستعيد السيطرة على النظام النقدي.
لكن الواقع المعاش يكشف بأن الاقتصاد ليس مسرحاً للرمزية، بل لمنطق الأرقام، والثقة، والإنتاج.
ولذلك فإن قرار بزشكيان يعكس مأزقاً اقتصادياً أكثر مما يعكس إصلاحاً اقتصادياً.
إنّ الدول لا تلجأ لمثل هذه الخطوة إلا عندما تبلغ عملتها مرحلة “التضخم المتآكل” الذي يجعل نظام الدفع محفوفاً بالفوضى. وتجارب تركيا والأرجنتين وفنزويلا ليست بعيدة عن الذاكرة.
ولذلك فإن حذف الأصفار لا يعدو كونه إقراراً رسمياً بأن الريال فقد وظيفته الأساسية كمخزن للقيمة، وأن الاقتصاد الإيراني لم يعد قادراً على ضبط الأسعار أو حماية القوة الشرائية.
ومع لجوء ملايين الإيرانيين إلى الدولار والذهب والعقارات والعملات المشفرة، لم يعد الانهيار في “رقم العملة” مشكلة تقنية، بل أزمة ثقة، يمسّ العمود الفقري للنظام المالي.
ومع ذلك، من الممكن أن يكون حذف الأصفار نظرياً مقدمة لبرنامج اقتصادي جاد يتضمن استقلالية أكبر للبنك المركزي، وضبطاً للإنفاق العام، ومكافحة حقيقية للسوق السوداء، ورقمنة شاملة لنظام المدفوعات.
لكن هذا السيناريو يظلّ مرهوناً بتخفيف العقوبات، وعودة النفط الإيراني إلى الأسواق بحرية، وتحسن العلاقات مع الغرب… وهي، كما هو واضح، شروط سياسية قبل أن تكون اقتصادية.
أما إذا بقي القرار معزولاً عن هذه المنظومة، فسيتحوّل، كما حدث في دول أخرى، إلى مجرد مسكِّن قصير المدى، قد يتبعه تضخم جديد وصدمة أخرى للعملة.
إنّ خطوة حذف أربعة أصفار من العملة ليست إصلاحاً بقدر ما هي ترتيبٌ شكليّ لبيتٍ اقتصاديّ يعاني من تصدّعات عميقة. وإذا لم يصاحبها إصلاحات شاملة تعالج التضخم، وتستعيد الثقة، وتعيد فتح الاقتصاد على العالم، فإن التومان الجديد لن يكون سوى نسخة “منقّحة” من الريال القديم… بانتظار حذف أصفار جديدة بعد سنوات.
وسيبقى السؤال الذي سيحدد مصير الاقتصاد الإيراني في السنوات المقبلة:
هل يمتلك النظام السياسي الإرادة والإمكانات لإصلاح جذور الأزمة، أم أنّ حذف الأصفار سيظلّ مجرد محاولةٍ لعلاج نفسي، وتجميلٍ لواقع اقتصادي يتّسع شرخه يوماً بعد يوم؟

