
الدكتور أحمد النعيمي
أستاذ مشارك في المالية والمخاطر
في عالم يتزايد فيه التنافس على رؤوس الأموال، يبرز السؤال حول أين تتجه هذه الأموال كموضوع محوري في النقاشات الاقتصادية العالمية. وفقاً لتقارير لوكالات اقتصادية دولية، يتجلى تحول ملحوظ في تخصيص رؤوس الأموال، حيث تُظهر الهيمنة طويلة الأمد للولايات المتحدة على جذب الاستثمارات علامات على التراجع. هذا التراجع قد يُشير إلى إعادة التقييم المستمرة للرؤوس المالية عالميّاً، مما يتيح فرصاً جديدة لدول أخرى، لاسيما تلك في الشرق الأوسط، مثل السعودية، وقطر، والإمارات، والأردن.
وسط هذه التحولات، تتخذ بعض الدول خطوات واضحة نحو إعادة تخصيص استثماراتها. مثلًا، يخضع صندوق الثروة النرويجي لإعادة هيكلة، حيث يُتوقع أن ينخفض استثماره في الولايات المتحدة من 53% إلى 40% من أصوله، وذلك للحفاظ على مستوى عالي من العوائد. وبما أن أصول هذا الصندوق تبلغ 2.2 تريليون دولار، فإن هذا التخفيض سيفتح المجال لاستثمار حوالي 250 مليار دولار في أسواق جديدة. في هذا السياق، يطرح السؤال: هل ستكون هذه الأسواق في أوروبا، أم أن الشرق الأوسط يتجه ليصبح بديلاً محبباً لرؤوس الأموال العالمية؟
تشير الوكالات الاقتصادية الدولية إلى أن “أكبر الفرص” تكمن في الاقتصادات الناشئة والنامية، والتي حققت أكثر من ثلثي النمو العالمي على مدى العقد الماضي، نتيجة لعوامل ديموغرافية وإنتاجية وتكنولوجية. لقد تمخض عن هذا التوجه خروج الأسواق الناشئة من ظل الأسواق المتقدمة، لتظهر كوجهات استثمار جذابة، ليست فقط بسبب النمو بل أيضاً بسبب الارتباط الأقل بالأسواق المتقدمة. كما أن هذه الأسواق تقدم مزيجًا من النمو العالي، مما يجعلها خيارات جديرة بالاهتمام للمستثمرين الذين يبحثون عن عوائد أعلى ومخاطر أقل.
على الرغم من التحديات التي قد تواجه بعض دول الشرق الأوسط، فإن المنطقة تمتلك الكثير من المقومات التي تجعلها وجهة مثالية لرؤوس الأموال، إن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والمشاريع الكبرى، مثل مشروعات رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية، توفر بيئة استثمارية محفزة، حيث تسعى المملكة العربية السعودية إلى تنويع مصادر دخلها بعيدًا عن النفط، وتعزيز القطاعات غير النفطية مثل السياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. ومن خلال هذه الاستراتيجيات، يتم الترويج لاقتصاد أكثر استدامة، مما يعكس رغبة حقيقية في جذب الاستثمارات الدولية.
تتميز قطر أيضاً بتوجهاتها الاستراتيجية في جذب رؤوس الأموال من خلال استثمارات ضخمة في المشاريع الكبرى إضافة الى ان دولة قطر تمتلك صندوق ثروة سيادي يحتوي استثمارات متنوعة حول العالم، مما يعكس استعداد الدوحة للاستثمار في مجال البنية التحتية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى تعزيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
أما الإمارات العربية المتحدة، فتعتبر واحدة من نقاط الجذب الرئيسية لرؤوس الأموال بفضل بيئتها الاستثمارية المواتية. تسعى الإمارات لتكون رائدة في الابتكار، حيث تُشجع على دخول الشركات الناشئة وتقديم حوافز للمستثمرين، وتعتبر “مدينة دبي للمعرفة” مثال على جهود الإمارات لاستقطاب الأفكار الجديدة والمبتكرين، مما يساهم في تعزيز مكانتها كمركز مالي عالمي.
من جهة أخرى، يُعَدُّ الأردن من الدول التي تسعى لجذب رؤوس الأموال من خلال التعامل مع التحديات الاقتصادية، من خلال تنفيذ استراتيجيات للنمو الاقتصادي المستدام، مثل تحسين البنية التحتية وتعزيز القطاعات الصناعية. كما أن موقع الأردن الجغرافي يُعتبر نقطة تواصل بين الأسواق الأوروبية والأسيوية، مما يسمح له بجذب الاستثمارات الأجنبية، وتسعى الحكومة الأردنية لتسهيل وصول المستثمرين إلى السوق، من خلال تسهيلات قانونية لجذب الاستثمار يُشجع على الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
كما يسهم الوعي المتزايد بالتغيرات المناخية والانتقال نحو اقتصادات خضراء ومستدامة في جذب الاستثمارات يقدم بدائل مجزية للاستثمارات التقليدية، مما يؤدي إلى اختلافات واضحة في كيفية تخصيص رؤوس الأموال.
يشير التحول الجوهري الذي يحدث في تخصيص رؤوس الأموال إلى أنه يجب على المستثمرين إعادة تقييم فهمهم للمخاطر والعوائد. لم يعد الحديث عن اقتصادات متقدمة كملاذ آمن حكراً على الماضي، بل أصبح من الضروري أن نأخذ في الاعتبار الأسواق الناشئة والدول النامية مثل السعودية وقطر والإمارات والأردن، التي أظهرت جاهزيتها لاستقطاب الاستثمارات. كما يُفسح هذا المجال للتنوع، الذي يعتبر أساسيًا لتحقيق الاستقرار في محفظة المستثمر.
يمثل نقل رؤوس الأموال في السياق الحالي عملية معقدة تعتمد على مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية. مع إعادة ترتيب أولويات المستثمرين، أصبحت الفرص متاحة أكثر من أي وقت مضى لدول الشرق الأوسط، والجهود المبذولة لتنويع الاقتصادات وتحسين بيئة الاستثمار تعكس رؤى مستقبلية طموحة. تُظهر منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية وقطر والإمارات والأردن، أن لديها الكثير لتقدمه في عالم يسعى لتحقيق نمو مستدام وعوائد ميسرة، مما يعد بعصر جديد من الاستثمارات والنمو الاقتصادي.

