- أستاذ الاقتصاد الإداري بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة عدن
- مستشار مجلس الأمناء بجامعة أم القيوين

الملخص
كلُّ متتبّعٍ لما يشهده العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، سيكتشف دون عناء بأنَّ الساحة الدولية تعيش تحولاً متسارعاً في بنية النظام الاقتصادي–السياسي العالمي، حيث تبرز كل من منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وبريكس (BRICS) كتكتلات صاعدة تسعى إلى تقليص الاعتماد على النظام الغربي المهيمن.
لذلك نسعى هنا إلى تسليط الأضواء على الكتلتين، وتحليل وزنهما الاقتصادي والمؤسسي، وشرح مسار المحاولات الساعية إلى فكّ الارتباط بالدولار ومدى واقعيتها وإمكانية تحقيقها، واستعراض الرؤية الغربية تجاه هذه التحولات، إضافة إلى انعكاساتها على الدول العربية، وتنتهي بتوصيات عملية لصناع القرار العرب حول سبل التموضع الاستراتيجي في فضاء التعددية القطبية.المقدمة
منذ نهاية الحرب الباردة، ظل النظام الدولي قائماً على هيمنة غربية اقتصادية وأمنية. غير أن العقدين الأخيرين شهدا بروز تكتلات غير غربية، في مقدمتها بريكس (BRICS) ذات الطابع الاقتصادي، ومنظمة شنغهاي للتعاون ذات الطابع الأمني–السياسي. ومع توسع العضوية في كلا التكتلين خلال الفترة (2023–2025)، برزت أسئلة جوهرية حول مستقبل التعددية القطبية وانعكاساتها على المنطقة العربية.
تتمثل أهمية الدراسة في استكشاف ما إذا كان بإمكان هذه الكتل أن تشكّل بديلاً أو مكملاً للنظام الغربي، وما هي الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبناها الدول العربية للاستفادة من هذا التحول.
أهداف الورقة
- تحليل التوسع المؤسسي لبريكس ومنظمة شنغهاي خلال 2023–2025.
- دراسة الوزن الاقتصادي للتكتلين ودورهما في النظام المالي العالمي.
- تقييم مسار فك الارتباط بالدولار وإمكاناته المستقبلية.
- عرض الرؤية الغربية (أمريكا–أوروبا) تجاه هذه التحولات.
- استشراف انعكاسات الحدث على العالم العربي وتقديم توصيات عملية.
المحور الأول: التوسع والعضوية
شهدت كل من بريكس ومنظمة شنغهاي مرحلة توسع مؤسسي لافتة على مرّ الأعوام الماضية، تجسّد رغبة هذه التكتلات في تعزيز حضورها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
- منظمة شنغهاي للتعاون SCO
أكدت قمة تيانجين (31 أغسطس – 1 سبتمبر 2025) مسار المنظمة كإطار أمني – سياسي موسَّع، مع إدراج قضايا التكنولوجيا والسيادة السيبرانية ضمن جدول أعمالها. وقد اكتملت في هذه المرحلة عضوية بيلاروسيا، بعد أن انتقلت من وضعية “شريك حوار” إلى عضوٍ كامل، وهو ما يُظهر اتجاهاً متنامياً نحو توسيع رقعة العضوية لتشمل فضاءات جغرافية أوسع.
- بريكس (BRICS)
تشمل البريكس الدول الأعضاء التالية: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا وإيران ومصر وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا. هذا التوسع نقرأه تحوّلاً لمنظمة بريكس إلى كتلةٍ عابرةٍ للقارات، تجمع بين الاقتصادات الصاعدة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. ومن شأن هذا التنوع الجغرافي أن يعزّز ثقلها في النظام الدولي، ويمنحها قدرةً أكبر على صياغة أجندةٍ اقتصاديةٍ عالميةٍ بديلةٍ أو موازية.
هذا التوسع الأخير منح التكتلين بعداً جغرافياً واستراتيجياً أوسع، بما يجعلهما إطارين أكثر شمولية وقدرة على بناء تحالفات متعددة المستويات، تجمع بين الاقتصاد والأمن في آنٍ واحد.
المحور الثاني: الوزن الاقتصادي والمؤسسي
يمثّل البعد الاقتصادي حجر الزاوية في فهم صعود هذه الكتل. فبينما تحتل منظمة شنغهاي موقعًا أكبر في المجال الأمني–السياسي، فإن بريكس تقدم نموذجًا متكاملًا للصعود الاقتصادي والمالي.
- الحصة من الاقتصاد العالمي:
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن بريكس استحوذت عام 2024/2025 على ما يقارب 40% من الناتج العالمي (وفق تعادل القوة الشرائية)، مع معدل نمو جماعي بلغ نحو 4%، وهو أعلى من المتوسط العالمي (3.3%). ويعكس ذلك أن ثقل بريكس الاقتصادي آخذ في التزايد، مدفوعًا بقوة الصين والهند بالدرجة الأولى.
- الأذرع المؤسسية: بنك التنمية الجديد (NDB)
تم تدشين نشاطات البنك عام 2015 برأسمال قدره 100 مليار دولار، ليكون الذراع المالية لبريكس في تمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية. ومن خلال النظر إلى التوسُّع في العضوية، يؤكد الطابع المنفتح للتكتل على الاقتصادات غير الغربية.
يمثّل البنك أداة استراتيجية لتقليص الاعتماد على مؤسسات التمويل الغربية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، عبر توفير قروض ميسرة وتمويل مشروعات ضخمة مرتبطة بالطاقة والممرات اللوجستية والتحول الرقمي.
- دور منظمة شنغهاي:
ورغم أن ثقلها الاقتصادي أقل وضوحاً من بريكس، لكنها في الواقع تمثل إطاراً تكاملياً متنامياً عبر التجارة وربط الممرات، مما يمنحها دوراً متعاظماً في صياغة المشهد الاقتصادي الإقليمي، خصوصاً مع ارتباطها بمبادرة “الحزام والطريق”.
وعليه، نخلص إلى أن بريكس باتت تمتلك وزناً اقتصادياً ومؤسسياً يؤهلها للمنافسة النسبية للغرب في مجالات التمويل والتنمية، بينما تظل منظمة شنغهاي إطاراً داعماً لهذا الصعود من خلال التكامل السياسي– الأمني وربطه بمشروعاتٍ اقتصاديةٍ عابرةٍ للحدود.
المحور الثالث: فك الارتباط بالدولار
من أبرز التحولات التي تشغل النقاش داخل تكتل بريكس، مسألة تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة والتسويات المالية. وقد كان طرح “العملة الموحدة” حاضراً وبقوة في الخطاب السياسي والإعلامي طوال الفترة الماضية، إلا أن الرئاسة البرازيلية لعام 2025 عمدت إلى استبعاده عملياً من الأجندة التنفيذية، لاعتبارات فنية واقتصادية.بدلًا من ذلك، اتجهت بريكس نحو خيارات أكثر واقعية وقابلية للتطبيق، في مقدمتها:
- التوسع في التسويات بالعملات المحلية بين الدول الأعضاء، بما يقلل من مخاطر تقلبات الدولار على ميزانياتها.
- ربط أنظمة الدفع الوطنية، بما يتيح مرور التعاملات المالية عبر قنوات بديلة عن نظام SWIFT الخاضع للهيمنة الغربية.
- استكشاف حلول تقنية مبتكرة مثل البلوكشين والعملات الرقمية السيادية، ولكن ضمن إطار يخضع لمعايير بنك التسويات الدولية (BIS)
ورغم الزخم السياسي لفكرة “فكّ الارتباط بالدولار”، فإن الواقع المالي يفرض حواجز تمنع ذلك في الوقت الراهن؛ إذ لا توجد حتى الآن أصول احتياطية موحدة ذات حجم وسيولة تكافئ مكانة الدولار. لذا، يظل المسار الأكثر ترجيحاً على المدى القريب هو تنويع جسور الدفع الثنائية والإقليمية، عوضاً عن تأسيس عملة بديلة كاملة.
إن هذه المقاربة العملية تُبرز أن دول بريكس تدرك أن الانتقال إلى نظام مالي متعدد الأقطاب سيكون تدريجياً وتراكمياً، وأن هدفها الراهن ليس إزاحة الدولار بشكل كامل، بل تخفيف تبعات الاعتماد المفرط عليه، مع خلق مساحات أوسع للاستقلالية النقدية للدول الأعضاء.
المحور الرابع: الرؤية الغربية
ينظر الغرب، بوجهيه الأمريكي والأوروبي، إلى صعود بريكس ومنظمة شنغهاي على أنه تطوّر استراتيجي يهدد مرتكزات النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. ورغم أن هذين التكتلين لا يشكلان في المدى القريب بديلًا كاملاً للمؤسسات الغربية الراسخة، فإن توسُّع عضويتهما وتنامي وزنهما الاقتصادي يثير قلقاً متزايداً في دوائر صنع القرار الغربية.
أولًا: الولايات المتحدة
- تتبنَّى واشنطن مقاربة حذرة تجاه هذه الكتل. فهي ترى في محاولات تقليص الاعتماد على الدولار تهديداً مباشراً لأحد أهم أدوات قوتها العالمية. كما تنظر إلى منظمة شنغهاي كمظلة أمنية سياسية مضادة لحلف الناتو.
- ولمواجهة هذا التحدي، تعتمد الولايات المتحدة على مجموعة من الأدوات:
- تعزيز التحالفات الأمنية مثل AUKUS (الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، استراليا) وQUAD (الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، الهند، استراليا) لمواجهة النفوذ الصيني الروسي.
- استخدام العقوبات الاقتصادية لردع الدول التي تنخرط بعمق في مشاريع بديلة.
- تكثيف الحضور في مناطق التنافس كأفريقيا، أميركا اللاتينية لمنع تمدد النفوذ الشرقي.
ثانيًا:الاتحاد الأوروبي
يتسم الموقف الأوروبي بازدواجية لافتة. فمن جهة يرفع الاتحاد خطابًا دبلوماسيًا يدعو للتعاون مع الكتل الصاعدة في قضايا المناخ والتنمية. ومن جهة أخرى، يخشى من فقدان النفوذ الاقتصادي لصالح الصين وروسيا، خصوصًا مع اعتماده الكبير سابقاً على التجارة مع بكين والغاز الروسي.
وتتمثل أبرز هواجس أوروبا في:
- الطاقة والأمن: إمكانية أن تؤمّن الكتل الصاعدة بدائل استراتيجية للطاقة تقلل من مكانة أوروبا كمستهلك رئيسي.
- السياسة التجارية: تفضيل الاتحاد التعامل الثنائي مع دول منفردة (الهند، الخليج) بدل مواجهة كتلة موحدة تملك قوة تفاوضية أكبر.
ثالثًا: الرؤية المشتركة
على الرغم من تباين الأسلوب بين واشنطن وبروكسل، فإنهما تتفقان على توصيف هذه التكتلات بـ “الكتل غير الغربية ” (Non-Western Blocs)، وتجمعهما مخاوف أساسية: أن تتحول من منتديات للتعاون إلى مؤسسات بديلة للنظام الغربي، وذلك عبر:
- تطوير أنظمة مدفوعات محلية بديلة عن SWIFT.
- توسيع دور بنك التنمية الجديد ليوازي صندوق النقد والبنك الدولي.
- بناء تعاون أمني – عسكري داخل منظمة شنغهاي يوازي حلف الناتو.
وعليه، يمكننا القول بأن كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لا ترى في بريكس ومنظمة شنغهاي تهديداً آنياً مباشراً، لكنهما يتعاملان معهما باعتبارهما مساراً تراكمياً يقوّض تدريجياً الهيمنة الغربية. الفارق أن الولايات المتحدة تميل إلى المقاربة الصدامية–الاحتوائية، فيما يفضل الاتحاد الأوروبي خطاباً أكثر مرونة يجمع بين التعاون والحذر، “هل هذه الازدواجية مقصودة.. أم أنها تعبير عن توجهات سلوكية؟”
المحور الخامس: الانعكاسات على العالم العربي
يضع صعود التكتلات، وعلى رأسها بريكس ومنظمة شنغهاي، الدول العربية أمام تحديات وفرص في آن واحد. فمن جهة، يمكن لهذه الكتل أن تتيح للعرب أدواتٍ جديدةً للتنمية والتمويل وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية (الفرص)، ومن جهةٍ أخرى، قد تجلب ضغوطًا غربية متزايدة وتحدياتٍ داخليةً (التحديات) في التوفيق بين الشراكات التقليدية والتحالفات الناشئة.
أولًا: الفرص
- التمويل والبنية التحتية
- يشكل بنك التنمية الجديد (NDB) قناة مهمة أمام الدول العربية للحصول على تمويل لمشروعات الطاقة النظيفة، الممرات اللوجستية، البنية الرقمية، وسلاسل التبريد الغذائي.
- يمكن للدول العربية الاستفادة من التوجه المؤسسي لبريكس نحو تعزيز التنمية في الجنوب العالمي.
- التكامل في الممرات الاقتصادية
يوفر موقع العرب الجغرافي، عند تقاطع آسيا وإفريقيا وأوروبا، فرصة للاندماج في مبادرة “الحزام والطريق” عبر موانئ ومناطق حرة وشبكات نقل، بما يجعلهم عقدة وصل رئيسية للتجارة العالمية.
- تعزيز الاستقلالية النقدية
الانخراط في آليات التسويات بالعملات المحلية يقلل من مخاطر تقلبات الدولار على الميزانيات العربية، ويفتح المجال لتجارب مالية أكثر تنوعًا.
- الأمن والسيادة السيبرانية
منظمة شنغهاي تقدم منصةً للتعاون في قضايا الأمن الرقمي والسيادة السيبرانية، وهو مجال يتزايد أهميته في ظل التحول الرقمي في العالم العربي.
ثانيًا: التحديات
- الضغوط الغربية
- الولايات المتحدة قد تلجأ إلى أدوات الضغط السياسي والأمني أو العقوبات الاقتصادية لإعاقة انفتاح العرب على هذه الكتل.
- الاتحاد الأوروبي قد يفرض شروطًا تجارية أو مناخية للحد من ميل العرب نحو الشراكات الشرقية.
- الانقسامات العربية الداخلية
- غياب موقف موحد يضعف القدرة التفاوضية للعرب داخل هذه الكتل، ويجعل بعض الدول عرضة للضغوط أكثر من غيرها.
- اختلاف الأولويات (النفط، الغاز، الممرات، التكنولوجيا) قد يؤدي إلى تباين استراتيجي في الانخراط مع بريكس وشنغهاي.
- التوازن بين الشرق والغرب
الانخراط العميق مع الكتل الصاعدة قد يُعرّض بعض الدول العربية إلى فقدان امتيازاتها الاستراتيجية مع الغرب، سواء في مجالات السلاح أو التكنولوجيا أو التجارة.
وفي ضوء ما سبق، فإنَّ العرب يواجهون معادلةً دقيقة: بين الفرصة في التموضع كجسر بين الشرق والغرب، وبين الخطر المتمثل في الضغوط الغربية والانقسامات الداخلية. ومن ثم، فإن نجاح العرب يتوقف على صياغة رؤية جماعية أكثر تنسيقاً، تسمح بتحويل التكتلات الصاعدة إلى أداة لتعزيز الاستقلالية، بدلاً من أن تصبح مصدراً جديداً للانقسام أو الضعف.
المحور السادس: السيناريوهات المستقبلية (2026-2030)
يظل مسار التكتلات الصاعدة، بريكس ومنظمة شنغهاي، محكوماً بعدة متغيرات تتعلق بالاقتصاد العالمي، التوازنات الجيوسياسية، ومستوى التنسيق الداخلي بين أعضائها. وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبلها خلال الفترة (2026–2030):
- السيناريو الأول: التوسع المُدار (السيناريو المرجّح)
تستمر الكتلتان في استيعاب أعضاء جدد (سواء دول كاملة العضوية أو شركاء حوار)، مع تعزيز آليات الحوكمة الداخلية لضمان استقرار التوسع.
ينجم عن ذلك تحوُّل كل من بريكس وشنغهاي إلى فضاء مؤسسي أكثر انتظاماً، ويصبح قادراً على تقديم بدائل جزئية للنظام الغربي في الاقتصاد والأمن.
بالنسبة لنا كعرب تتسع فرص الانضمام أو الشراكة، بما يعزز النفوذ العربي في قضايا التمويل والطاقة.
- السيناريو الثاني: مأسسة المدفوعات المحلية (سيناريو أكثر ترجيحاً في رأيي لارتباطها بالمصداقية)
يتم الانتقال من الطروحات الرمزية (العملة الموحدة) إلى آلياتٍ عملية، تشمل التنسيق الأوسع بين أنظمة الدفع الوطنية، وربطها عبر منصات تقنية تحت إشراف معايير بنك التسويات الدولية (BIS).
يترتَّب عليه ترسخ تدريجي لنظام مالي متعدد الأقطاب، وإن ظل الدولار في موقع الصدارة.
عربياً يساعدنا هذا على تمكيننا كدولٍ عربية من تقليل تعرضها لمخاطر الدولار، وتوسيع هامش المناورة في السياسة النقدية.
- السيناريو الثالث: حروب المعايير (سيناريو محتمل)
فيه يتصاعد التنافس بين الشرق والغرب حول وضع معايير التكنولوجيا المتقدمة (الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، البنية الرقمية).فيؤدي ذلك إلى تبلور مشهدٍ عالميٍّ ثنائي متعدّد المعايير، حيث تضطر الدول إلى اختيار تحالفات تقنية مختلفة أو تبني أنظمة هجينة.
حينها قد يجد العرب أنفسهم أمام خيارات تقنية صعبة، تتطلب موازنة دقيقة بين الموردين الشرقيين وبين الموردين الغربيين لتفادي التبعية المطلقة لأي طرف.
هنا يمكن القول بأن المؤشرات تشير إلى أن المسارين الأكثر ترجيحاً هو التوسع المُدار ومأسسة المدفوعات المحلية، في حين تبقى “حروب المعايير” تحدياً قائماً قد يفرض نفسه بقوة مع تطور
التكنولوجيا. وعلى الدول العربية الاستعداد لهذه السيناريوهات جميعاً، من خلال تعزيز قدراتها التفاوضية، وتنويع تحالفاتها، وبناء بنيةٍ تحتيةٍ ماليةٍ وتقنيةٍ مرنة.
المحور السابع: توصيات لصنَّاع القرار العربي
في ضوء التحولات التي تقودها الكتل الاقتصادية الصاعدة، تبرز الحاجة إلى رؤية عربية موحدة، أو على الأقل منسّقة، للتعامل مع بريكس ومنظمة شنغهاي. ويمكن تلخيص التوصيات العملية على النحو الآتي:
- استراتيجية “الجسور المزدوجة”
ينبغي للدول العربية تبنّي مقاربة مزدوجة، تقوم على توسيع التسويات بالعملات المحلية مع الشركاء في الشرق (الصين، الهند، روسيا) مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات التعامل بالدولار واليورو، بما يوفر “خط رجعة” مالياً عند الحاجة.
- تفعيل نافذة بنك التنمية الجديد (NDB)
هذا يقتضي إعداد قوائم مشروعات عربية استراتيجية في مجالات الطاقة النظيفة، الممرات اللوجستية، البنية التحتية الرقمية، وسلاسل التبريد الغذائي، وتقديمها عبر فرق عمل مشتركة تضم الحكومات والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الفكر وفي المقدمة منها المعهد العالمي للتجديد العربي.
- توأمة الممرات الاقتصادية
على العرب العمل على دمج موانئهم ومناطقهم الحرة وخطوط سككهم الحديدية مع مبادرة الحزام والطريق، بما يحول الموقع العربي إلى عقدة مركزية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ويعزز قدرتهم التفاوضية.
- تعزيز السيادة السيبرانية
ينبغي تبني أطر سيبرانية مرنة تقوم على تعددية الموردين، وتحول دون الاعتماد الكامل على طرفٍ خارجيٍّ واحد، بما يضمن استقلاليةً نسبية ويحمي من المخاطر الجيوسياسية.
- إنشاء مركز عربي للمدفوعات
من المهم تأسيس كيان عربي تنسيقي للمدفوعات يربط بين الأنظمة الوطنية للدفع محلياً، ويوفر آليات للتعامل مع أنظمة الدفع الآسيوية. كما يمكن أن يصدر هذا الكيان أدلة عمل تساعد البنوك والشركات على إدارة مخاطر الامتثال والعقوبات الدولية.
- مبادرة “الذكاء الاقتصادي العربي الجماعي”
إنشاء شبكة استخبارات اقتصادية عربية تضم خبراء من وزارات الاقتصاد، البنوك المركزية، الموانئ، والقطاع الخاص، تُحلّل تحركات الأسواق، والعقوبات، وسلاسل التوريد العالمية، لتزويد صانع القرار العربي بتقارير أسبوعية عن الفرص والمخاطر، بغرض الانتقال من “الاستجابة” إلى “الاستباق” في القرار الاقتصادي.
- صندوق “الاستقلال النقدي الإقليمي”
تأسيس صندوق عربي لدعم تسويات التجارة بالعملات المحلية بين الدول العربية ومع شركاء مثل الصين والهند وروسيا، بدعم من البنوك المركزية العربية وصندوق النقد العربي، على غرار آلية الـ CIPS الصينية، وذلك لتقليل التعرض لمخاطر الدولار وقيود التحويلات الغربية.
- مبادرة “الفضاء العربي للبيانات”
تطوير بنية تحتية سحابية عربية موحدة Arab Cloud تستضيف البيانات الحكومية والمؤسسية الحساسة داخل النطاق الجغرافي العربي، وتخضع لقوانين حماية بيانات عربية مشتركة. حينها يتحقق تعزيز السيادة الرقمية والابتكار المحلي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعليم وغيرها من العلوم والميادين.
- شراكة في الطاقة النظيفة
إطلاق مشروع عربي مشترك للطاقة النظيفة (الرياح، الشمس، الهيدروجين الأخضر) بتمويل سيادي مشترك، يُحوّل فائض الطاقة إلى صادرات عربية متكاملة إلى أوروبا وآسيا، لربط الأمن الاقتصادي بالأمن البيئي والاستدامة الجيوسياسية.
- مبادرة “المنصات المعرفية السيادية“
بناء منصات بحثية وتواصل أكاديمي وفكري رقمية تموّلها صناديق عربية سيادية، تجمع خبراء من الجامعات ومراكز الفكر العربية لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي بلغات ولهجات عربية، ونظم بحث علمي غير خاضعة للخوارزميات الغربية، لتعزيز “الاستقلال المعرفي” في الاقتصاد الرقمي الجديد.
- إنشاء “المرصد العربي للتكامل الصناعي”
مركز يرصد فرص التكامل بين الصناعات العربية (كالصناعة الدوائية، بتروكيميائيات، غذاء، دفاع، طاقة متجددة) لتقليل الاستيراد الداخلي وتوحيد سلاسل التوريد، بهدف الانتقال من التنافس الصناعي إلى “تكامل صناعي مشترك”.
- مبادرة “مناطق تجارية رقمية”
استحداث مناطق تجارية رقمية تُدار بتقنية البلوكشين بين الدول العربية لتقليل الفساد والرسوم الخفية في التجارة العابرة للحدود، لخلق بيئة شفافة وموثوقة للتبادل التجاري والاستثمار.
- منصة “الديبلوماسية الاقتصادية ذات الطابع الجماهيري”
منصة تفاعلية تُشرك مزيج من النخب الاقتصادية والأكاديمية والفكرية العربية من أجل اقتراح وتقييم المشاريع الإقليمية (ممرات، صناديق، تحالفات)، وتصدر تقارير استشارية غير حكومية. غايتها أو الهدف الذي تسعى له هو دمج “القوّة الناعمة الفكرية” مع القرار الرسمي.. أو تمهِّد له.
هذه التوصيات نابعةٌ من إدراك حقيقة أن الأنظمة العربية لا تستطيع الانفصال التام عن النظام الغربي، لكنها في الوقت نفسه لا يمكنها أن تتجاهل الفرص التي توفرها الكتل الصاعدة. وعليه، فإن تبنّي سياسات التموضع الذكي والمتوازن هو الخيار الأكثر واقعية، بما يتيح للعرب تحويل التعددية القطبية من تهديد محتمل إلى فرصة استراتيجية لتعزيز حضورهم في الاقتصاد العالمي.
أفكار بحاجة إلى تأمّل
- بين الواقعية والطموح
التحول نحو التعددية القطبية حقيقي في مساره، لكنه ما زال جزئياً ومحدود الأثر. فالغرب لا يزال يحتفظ بأدوات القوة المالية والتكنولوجية، بينما تمتلك التكتلات الصاعدة زخماً سياسياً واقتصادياً متنامياً لكنه لم يتحول بعد إلى نظام بديل متكامل.
- فكّ الارتباط بالدولار… أم فكّ التبعية الفكرية؟
الرهان الحقيقي – في رأيي – ليس على “العُملة”، بل على نموذج التنمية والاستقلال المعرفي. فكّ التبعية الاقتصادية لا يكتمل دون تحرير الفكر الاقتصادي نفسه من المركزية الغربية التي ما زالت تحدّد “قواعد اللعبة” في التمويل وفي التنمية.
- الشرق الجديد
الصين وروسيا والهند تمثل اليوم قطباً بديلاً في القوة والنفوذ، لكنها – في رأيي – ليست بالضرورة “نقيضاً للغرب” هكذا أفهمه أنا على الأقل، بل تسعى إلى إعادة توزيع موازين القوة داخله.
وهنا أتساءل للوصول لليقين: هل هي تسعى إلى “قطبٍ غربي جديد لكن بملامح ولغات ولهجات وأدوات آسيوية” أكثر منه قطباً شرقياً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مناهضاً للطغيان والنفوذ الغربي ؟؟
- العرب بين محورين
الدول العربية تمتلك موقعاً فريداً يمكن أن يجعلها جسراً لا ساحة، بشرط أن تتحرك برؤية موحدة أو منسَّقة “وهو أضعف الإيمان”. غياب التنسيق العربي يجعلها تُستَخدم في التنافس بدل أن تُشارك في صناعته.
- مخاطر التعددية
التعددية القطبية ليست بالضرورة ضمانة للعدالة، بل فرصة مشروطة بالقدرة على التوازن. فهي قد تفتح بوابة التنافس الحاد بين القوى الكبرى، ولكنها في الوقت نفسه تتيح للدول الصغيرة مساحة للمناورة إن أحسنت توظيفها.
- الاقتصاد والسيادة
في العصر الرقمي الذي نعيشه، السيادة لا تُقاس بالعُملة فقط، بل بالتكنولوجيا والمعرفة والسيبرانية. علينا أن نقرّ بأن مَنْ يمتلك البيانات والمنصَّات الذكية هو الذي يمتلك القرار الاقتصادي والسياسي الفعلي.
- التموضع العربي الذكي
التموضع الذكي يعني التحالف المتعدد الاتجاهات: تعامل استراتيجي مع الشرق والغرب لتأمين التمويل والتكنولوجيا، والحفاظ على الأسواق والاستقرار، دون ارتهان لأي محور. إنه “حياد فعّال” وليس حياداً سلبياً.
- بريكس والهوية الاقتصادية العربية
بإمكان العرب أن ينتقلوا من موقع المتلقي إلى الفاعل عبر تكتل اقتصادي عربي تنسيقي داخل المنظومات والتكتلات الصاعدة، لكن ذلك يتطلَّب رؤيةً جماعيةً وخطةً استثماريةً عربيةً مشتركة، لا سياساتٍ منفردة.
- التمويل الجديد والسلطة الجديدة
إذا نجح بنك التنمية الجديد في ترسيخ مصداقيته، فقد يتحول إلى مركز تمويل بديل لدول الجنوب العالمي، لكن نقل السلطة الاقتصادية إلى الشرق لن يتحقق ما لم تتوازن معه قوة تشريعية ومصرفية وتنظيمية عالمية مستقلة.
- العقد الحاسم
الفترة 2026–2035 ستكون بالفعل العقد الفاصل في تشكّل النظام الدولي الجديد، وستحدد ما إذا كان العرب قادرين على أن يكونوا جزءاً من هندسة المستقبل، أم سيظلون في الهامش الجغرافي والتاريخي للنظام الدولي القادم.
الخاتمة
تكشف الورقة أن صعود بريكس ومنظمة شنغهاي ليس حدثاً عابراً، بل يمكن أن يمثّل تحولاً بنيوياً في النظام الدولي نحو مزيد من التعددية القطبية. فبينما تركز بريكس على البعد الاقتصادي – المالي وتطوير أدوات تمويل بديلة، تسعى منظمة شنغهاي إلى تعزيز التعاون الأمني – السياسي وربط الممرات الاستراتيجية. هذا التكامل بين الاقتصاد والأمن يجعل من الكتلتين معاً رافعةً محتملةً لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
ومع أن محاولات فكّ الارتباط بالدولار لا تزال تواجه حدوداً تشغيلية واضحة في المدى القريب، فإن التوجه نحو التسويات بالعملات المحلية وربط أنظمة الدفع الوطنية يضع الأسس لبدائل تدريجية قد تقلل من هيمنة الدولار على المدى الطويل. في المقابل، ينظر الغرب إلى هذه التحولات باعتبارها مساراً تراكمياً يقوّض نفوذه، فتتبنى الولايات المتحدة نهجاً صدامياً – احتوائياً، بينما يميل الاتحاد الأوروبي إلى نهج أكثر براجماتية يجمع بين التعاون والحذر.
بالنسبة للعالم العربي، تتوزع الفرص بين الحصول على تمويل بديل عبر بنك التنمية الجديد والانخراط في الممرات الاقتصادية وتعزيز الاستقلالية النقدية والسيبرانية. إلا أن التحديات تظلُّ قائمةً، سواء في شكل الضغوط الغربية أو الانقسامات العربية الداخلية. لذلك، يبقى نجاح
العرب مرهوناً – وبقدرٍ كبيرٍ جداً – بقدرتهم على صياغة موقف جماعي متماسك يوازن بين علاقاتهم التاريخية بالغرب وانفتاحهم المتزايد على الشرق.
إن تبنّي استراتيجية “التموضع الذكي” يتيح للعرب تحويل التعددية القطبية إلى فرصٍ لتعزيز نفوذهم الدولي، بدلًا من أن تكون مصدراً للانقسام أو الارتهان لمحاور متنافسة. وفي ذات الوقت، هل فكرنا كعرب بالبدائل في حال لم تنجح هذه التكتلات الصاعدة، أو في حال نجاحها ولكن لم تحقق النتائج التي كنا نرجوها؟
ملحق (1): لماذا نرى صعوبةً في فكِّ الإرتباط بالدولار؟
أولاً: التباين الكبير بين اقتصادات الأعضاء: الصين تمثل نحو 70% من الناتج الإجمالي لبريكس، تليها الهند بنسبة 15%، بينما البقية (روسيا، البرازيل، جنوب أفريقيا) تمثل أقل من 15%. هذا الخلل يجعل من الصعب إيجاد سياسة نقدية أو مالية مشتركة، لأن مصالح الصين المصدّرة تختلف جذرياً عن مصالح الهند المستوردة للطاقة، مثلاً.
ثانياً: غياب سوق مالية موحّدة وآليات تحويل مرنة: دول بريكس لا تمتلك سوقاً موحدة لرأس المال، ولا نظاماً مصرفياً تكاملياً يمكنه تسوية المعاملات بعملة جديدة. كما أن الصين لا تزال تُبقي على قيود صارمة على رأس المال، ما يجعل اليوان غير قابل للتحويل الكامل. وروسيا والبرازيل والهند تتبع سياسات نقدية مستقلة ومعدلات فائدة متباينة جداً. لذلك بدون سوق رأس مال مشتركة وآليات نقدية منسقة، تصبح أي عملة موحدة مجرد رمز سياسي لا قيمة تشغيلية له.
ثالثاً: ضعف الثقة نسبياً بين الأعضاء: لا يمكن تجاهل التنافسات الجيوسياسية بين دول بريكس. فبين الصين والهند نزاعات حدودية، كما أن الهند تميل استراتيجياً نحو الغرب عبر QUAD، والبرازيل تتأرجح سياسياً بين يمين موالٍ للغرب ويسارٍ يميل إلى الجنوب.
هذه التناقضات لا شك في أنها تؤجل بناء ثقة مؤسسية نقدية كالتي بنتها أوروبا قبل إطلاق اليورو، علماً بأن الدولار في المقابل يستند إلى منظومة ثقة سياسية وعسكرية متماسكة تدعم عملته.
رابعاً: محدودية بنك التنمية الجديد – NDB 2015: البنك الذي يُفترض أن يكون الذراع المالية لبريكس ما يزال صغير الحجم مقارنة بمؤسسات الغرب، فرأسماله 100 مليار دولار فقط، بينما صندوق النقد يمتلك أكثر من 1 تريليون دولار في قدراته التمويلية. فضلاً عن أن معظم قروض البنك حتى الآن مُقوّمة بالدولار وليس بالعملات المحلية!
خامساً: غياب الاحتياطي المشترك أو أصول دعم قوية: الدولار مدعوم باحتياطيات ضخمة وسوق سندات أمريكية عميقة، أما بريكس، فلا تملك أصولاً مالية مشتركة يمكن أن تؤدي وظيفة “الاحتياطي العالمي” لعملتها المقترحة. كما لا يوجد أيضاً بنك مركزي موحد أو نظام تأمين ودائع عابر للدول، وهي مقومات أساسية لأي عملة مستقرة. وبالتالي، فإنَّ عملة بريكس المحتملة لن تحظى بالثقة الدولية من دون غطاء حقيقي أو سوق مالية مشتركة. لذلك فهي تحتاج إلى مرحلة تأسيس أو إلى تحوّل تدريجي.
سادساً: اختلاف أولويات السياسة النقدية: الصين تسعى إلى توسيع استخدام اليوان عالمياً.
روسيا تريد نظام دفع بديل لتجاوز العقوبات الغربية SPFS بدلاً من SWIFT، والهند مهتمة أساساً بتسويات تجارية ثنائية دون التورط في حرب العملات، والبرازيل وجنوب أفريقيا تركزان على التنمية
أكثر من الإصلاح النقدي. إذن أي عملة موحدة تتطلب توحيد الأهداف النقدية، وهو ما لم يتحقق بعد.
لماذا نرى صعوبةً في فكِّ الإرتباط بالدولار؟
سابعاً: الدولار لا يزال “العملة” الأولى: حتى الدول الأعضاء في بريكس تحتفظ بمعظم احتياطياتها بالدولار! فلدى الصين نحو 3 تريليونات دولار من الاحتياطات، أكثر من نصفها بالدولار، والهند والبرازيل وروسيا كذلك تستخدم الدولار في تسوياتها مع أطراف ثالثة. وأي انسحاب مفاجئ من الدولار سيؤدي إلى تآكل قيمة احتياطياتها الخاصة. لذا لا مصلحة لأي عضو رئيس في إسقاط النظام الذي يحمل ثرواته!
ثامناً: المعوقات التقنية والسياسية أمام “العملة الرقمية المشتركة”: الفكرة المطروحة حالياً هي إنشاء عملة رقمية مدعومة بالذهب أو بسلة عملات. لكنّ توحيد معايير الأمان، الأنظمة المصرفية، والتشريعات بين دول البريكس أمر شبه مستحيل حالياً. كما أن استخدام البلوكشين على مستوى الدول يحتاج إلى ثقة مشتركة في مراكز البيانات، وهي غير متوفرة سياسياً. وعليه، يمكننا القول بأن مشروع إنشاء عملة رقمية لا يزال في مرحلة “الفكرة السياسية” أكثر من كونه “آلية مالية”.
ملحق (2): أبرز الأدوات / المبادرات التي دخلت حيز التنفيذ أو قيد التطبيق:
1) الاتفاقية الاحتياطية المشتركة – (CRA): وهي أداة لدعم السيولة بين الدول الأعضاء في حالات أزمة ميزان المدفوعات. لكنها لم تصل إلى مستوى أن تحل محل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
2) نظام المدفوعات “BRICS Pay” / مشروع الدفع العابر للعملات المحلية: حتى الآن لم يُفعَّل بشكل كامل وواسع. العقبة تكمن في التنسيق الفني بين أنظمة الدفع الوطنية (مثل SPFS في روسيا، وCIPS في الصين)، فضلاً عن السياسات والموافقة السياسية.
3) آلية الضمانات / متعددة الأطراف : في قمة البريكس 2025، طُرحت فكرة “مبادرة ضمان متعددة الأطراف” لتعزيز الاستثمارات وتخفيض المخاطر في الدول النامية، على أن يُشغّل ذلك عبر بنك التنمية الجديد NDB، لكنه لم يبدأ بعد.
4) توسع مهمة بنك التنمية الجديد NDB للعمل بعملات محلية / مشاريع محلية: تم التأكيد على أن البنك يسعى لتمويل المشاريع بعملات محلية لتقليل مخاطر سعر الصرف (وليس فقط بالدولار). رغم هذه الجهود، لا يزال دور NDB محدوداً نسبياً مقارنة بالبنوك العالمية الكبرى، والتحدي الأكبر هو جذب قدر كبير من رأس المال والموارد لتنفيذ مشاريع كبرى.
تقييم عام: إلى أيّ مدى تحقَّقت هذه الأدوات عملياً؟
هناك تقدّم ملموس في الدراسات والتنسيق الفني والسياسات، خاصة فيما يخص نظام الدفع الموحد والضمانات المشتركة، لكن التنفيذ الكامل لا يزال بطيئاً ومتدرجاً.
بعض الدول الأعضاء لديها بالفعل أنظمة دفع محلية متطورة (مثل الصين وروسيا)، ما يسهل ركيزة فنية للتكامل في نظام أطول مدى للبريكس.
التحديات الفنية والسياسية كبيرة: اختلاف اللوائح، السيادة النقدية، التجاوز على القوانين الدولية، التنسيق بين البنوك المركزية، المخاطر المالية وغيرها.
القمم والبيانات المشتركة في 2025 أظهرت دعماً أعلى لهذه الأدوات، لكنها أتت غالباً بصيغة “التوصيات”، “المبادئ التقنية”، “التقارير الفنية” وليس التنفيذ الفوري.
ملحق (3): أمثلة على مشاريع فعلية دعَمها بنك التنمية الجديد:
مشروعات النقل والبنية التحتية
- مشروع جسور في الصين.
- مشروع (مشروع نقل مستدام) في الصين.
مشروعات الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة
- مشروع الطاقة بالرياح في البرازيل.
- مشروع طاقة نظيفة في الهند.
مشروعات في البرازيل (البنى التحتية واللوجستية)
في أغسطس 2025، تم توقيع اتفاق لتمويل خطوط جديدة للبنى التحتية واللوجستيات في شمال ووسط وشرق البرازيل بقيمة نحو 2.7 مليار ريال برازيلي عبر البنك.
ملحق (4): من تقارير بنك التنمية الجديد
وافق البنك على مشاريع تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي 40 مليار دولار موزعة على 122 مشروعاً استراتيجياً، منها نحو 22.4 مليار دولار قد صُرفت فعلياً (مرحلة التأسيس والتركيز على البنية التحتية، توسع في الطاقة النظيفة والنقل والتنمية المستدامة).
وفق تقرير حديث، البنك يدير نحو 92 مشروعاً بقيمة إجمالية تقارب 28 مليار دولار في ستّ دول أعضاء (الصين، الهند، روسيا، البرازيل، جنوب أفريقيا، إضافة إلى بنجلاديش). وجود بنغلاديش ضمن الدول التي دعمها البنك، رغم أنها ليست عضواً في البنك، يعطي دلالاتٍ قيمة.
حتى يوليو 2025، مجلس إدارة البنك وافق على 112 مشروعاً بقيمة تُقدّر بـ 37 مليار دولار تقريبًا منذ التأسيس (تفعيل خطوط تمويل محلية وسندات بعملات وطنية).
ملحق (5): من مشاريع البنك المستقبلية:
صندوق الضمان المتعدد الأطراف
البريكس تخطط لإطلاق صندوق ضمان مدعوم من البنك لتقليل مخاطر الاستثمار في الدول الأعضاء، بحيث يُستخدم رأس مال البنك الحالي لتوفير ضمانات للمشاريع المستقبلية بدءاً من 2026.
- توسيع العضوية والانتشار الجغرافي
- إصدار سندات محلية (بالعملات الوطنية)
- مشاريع البنية التحتية، الطاقة النظيفة، التحول المناخي
- مبادرات في التكنولوجيا والابتكار
- مشاريع البنى التحتية العابرة للقارات / الربط الإقليمي
القطاعات الرئيسة للمشاريع
- البنية التحتية والنقل المستدام: جسور، سكك حديدية، وممرات لوجستية في الصين والبرازيل والهند.
- الطاقة النظيفة: مشاريع الرياح والطاقة الشمسية في الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل.
- التحول الرقمي والمناخ: مشروعات لتقنيات المدن الذكية والبنية الرقمية.
- التمويل بالعملات المحلية: توسع في إصدار السندات المحلية لتعزيز استقلالية التمويل عن الدولار.
قائمة المراجع
المراجع العربية
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2024). تقرير التحولات الدولية الكبرى 2024–2025. الدوحة.
- جامعة الدول العربية (2023). التعاون الاقتصادي العربي–الآسيوي في ظل التحولات الدولية. القاهرة.
- صندوق النقد العربي (2024). التقرير الاقتصادي العربي الموحد. أبوظبي.
المراجع الأجنبية
- International Monetary Fund (IMF). (2025). World Economic Outlook: Balancing Growth and Stability. Washington, D.C.
- World Bank. (2024). Global Economic Prospects: Diverging Paths in a Fragmented World. Washington, D.C.
- New Development Bank (NDB). (2025). Annual Report 2025. Shanghai.
- Shanghai Cooperation Organization (SCO). (2025). Tianjin Summit Declaration 2025. Beijing: MFA of China.
- Reuters. (2025, June). BRICS shifts focus toward local currency settlements.
- United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2024). Trade and Development Report 2024. Geneva.
- Oxford Analytica. (2025). The rise of non-Western blocs and global financial multipolarity. Oxford.
- Financial Times. (2025). BRICS, Shanghai Cooperation, and the challenge to Western finance. London.
- https://www.ndb.int/projects/all-projects/?utm_source=chatgpt.com
- https://www.ndb.int/wp-content/uploads/2025/03/NDB_AnnualReport2023.pdf?utm_source=chatgpt.com

