
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
لم تعد الموازنات العامة مجرد جداول مالية توازن بين الإيرادات والنفقات، بل تحوّلت إلى مرآة تكشف طبيعة العقل الذي يدير الدولة، وحدود الخيال الذي يوجّه سياساتها.
توقّفت ملياً أمام الموازنة التي أعلنتها وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز منذ يومين في 26 موفمبر 2025م (انظر: https://www.gov.uk/government/publications/budget-2025)، ولعلَّ أول استنتاج سيطر عليّ، أن بريطانيا، التي قادت العالم في الثورة الصناعية وصاغت مفاهيم الاقتصاد الحر، لم تعد تفكر في المستقبل بوصفه فرصةً، بل بوصفه خطراً يجب احتواؤه.
إن هذه الموازنة لم تأتِ كمشروع نهضوي يفتح آفاقاً اقتصادية جديدة، بل كخطة دفاعية تحاول حماية الدولة من التآكل الهيكلي في الإنتاجية والنمو ومستويات المعيشة. فخفض الاقتراض، وتسكين الضغوط المعيشية، وتخفيف أوجاع النظام الصحي، ليست سياسات خاطئة في ذاتها، لكنها تعكس تحوّلاً صامتاً أعمق، يكشف انتقال الاقتصاد البريطاني من نموذجٍ صناعيٍّ قادرٍ على خلق القيمة، إلى مجرد نموذج إداري يتفادى المخاطر أكثر مما يصنع الفرص.
ومن خلال قراءة متأنية للموازنة يمكن القول بأنها تستهدف بالدرجة الأولى طمأنة أسواق السندات. فالقرارات المالية لم تُصَمّم وفق رؤية وطنية لإعادة بناء بريطانيا ما بعد البريكست، وإنما وفق حدود ما تسمح به سندات الدين، وتقارير التصنيف الائتماني، وحساسية المستثمرين. هكذا تحوّلت السياسة المالية إلى نظام إنذار مبكر لا إلى قاطرة نهضة، وصرنا أمام نظام يمتلك الجرأة على جمع الضرائب عوضاً عن الجرأة في طرح اقتصاد المستقبل، وبالتالي صارت بريطانيا أمام اقتصادٍ تتم إدارته بسياجٍ من الخوف.
ومما لفت نظري، أن رغم امتلاك حزب العمال لأغلبية برلمانية مريحة، إلا أنه يتصرف كما لو أنه حزب أقلية.فعوضاً عن بناء مسارٍ اقتصادي جديد يستوعب التحولات العالمية، اختار الحزب إدارة الوضع القائم بأدوات محاسبية لا بأدوات استراتيجية. إن التوتر بين خطابه الاجتماعي وممارساته النيوليبرالية يكشف عن أزمة أعمق: هي غياب الفكرة.
ولفهم ما يحدث في بريطانيا، لا بد من وضعه في إطارٍ أوسع: الرأسمالية الغربية نفسها تدخل مرحلة تآكل صامت. هذا التآكل لا يبدأ بانهيار الأسواق، بل بانهيار القواعد والمبادئ التي تمنح النظام شرعيته.
كان وعد الرأسمالية الأزلي يتجسد في الدعوة إلى أمرين: إلى العمل بجد ومشقة لتحقيق التقدم، وإلى الدفع نحو المخاطرة لتربح أكثر. لكن هذا الوعد تحول اليوم إلى شعار آخر: ادفع أكثر، لتحافظ على مكانك.
فحين تصبح الضرائب عقوبة على النجاح، وحين يتراجع الابتكار أمام الخوف من الخطأ، تكون الرأسمالية قد فقدت روحها، لأن النظام الذي لا يمنح الأمل يفقد مبرر وجوده.
لذلك، فإن الموازنة المعلنة في 26 نوفمبر لا تُعبّر، في رأيي، عن خلل مالي فحسب، بل عن مظهر فلسفي يحبط كلَّ من يفكّر في المستقبل. إنها تؤذن بانتقال الرأسمالية إلى اقتصاد يدير القلق.
إلا أن الأشد وطأة في هذه الموازنة أنها تضغط على الفئة التي تمثل الوقود الحيوي للرأسمالية المعرفية، وهم الشباب المحترفون ذوو الدخل المتوسط. هؤلاء ليسوا أثرياء، لكنهم مسار الثروة المحتمل مستقبلاً. وخنقهم يعني قتل الابتكار في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد البريطاني إلى كل فكرة جديدة.
مَنْ منّا لا يذكر بأن بريطانيا كانت يشار إليها ذات يوم بأنها صانعة لنماذج اقتصادية كالثورة الصناعية، الليبرالية التجارية Commercial Liberalism، المالية العالمية Global Finance. لكنها اليوم، باتت الأكثر حرصاً على حراسة نموذجٍ لا تؤمن بجدواه، وتفاوض الأسواق لا التاريخ، وتتعامل مع المستقبل باعتباره عبئاً لا فرصة.
هذا ما يجعلنا نرى في موازنة وزيرة المالية البريطانية علامة على انتقال الدولة من صناعة الممكن إلى إدارة المسموح. وفيعالم تتسارع فيه القوى الصاعدة كالصين، الهند، اقتصاد الذكاء الاصطناعي، يبدو أن بريطانيا تدخل مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ “مرحلة الاقتصاد الدفاعي”، وهو اقتصاد يحمي نفسه من المستقبل بدلاً من أن يذهب إليه، كما أنه من المفاهيم التحليلية التي بدأت تظهر في الدراسات النقدية المعاصرة لوصف اقتصادات الدول التي تمتلك موارد وقدرات بنيوية، لكنها تستخدم هذه الأدوات والقدرات ليس لبناء مستقبلٍ جديد، بل لحماية نموذجٍ قديمٍ يتهاوى.

