
الدكتور جلال حاتم
أستاذ الاقتصاد الإداري
لنبدأ مقالنا بالسؤال التالي: لماذا تخطئ الأسواق في قراءة النفط؟ ولماذا قد يفاجئنا السعر قريباً؟
هناك سلعة واحدة فقط لا تزال قادرة، بغضّ النظر عن تقدّم الزمن أو تبدّل مصادر الطاقة، على أن تُربك الأسواق وتُحرِج المحللين وتُسقط “توقعات المؤسسات المتخصصة” بضربةٍ واحدة: هي النفط.
ففي اللحظة التي يطمئن فيها العالم إلى وفرة المعروض، ويُقنع نفسه بأن المخاطر تحت السيطرة، يكفي حدث جيوسياسي واحد أو إشاعة استراتيجية أو توتر في مضيق بحري حتى تتحوّل الأسعار من “الاستقرار” إلى “الاندفاع”، ومن “منطق الاقتصاد” إلى “مفاجأة السياسة”.
ولعل ما يلفت النظر أن خام برنت، حتى حين يبدو مستقراً، فإنه يتحرك داخل نطاقٍ قابلٍ للانفجار في أي لحظة؛ فحتى تاريخ 20 يناير 2026 كان برنت يتداول قرب64 دولاراً للبرميل، وهو مستوى لا يعكس بطبيعته “غياب الخطر” بقدر ما يعكس عجز الأسواق عن تسعير الخطر قبل وقوعه.¹
إن ما تعيشه أسواق النفط اليوم ليس مجرد تقلب سعري، بل حالة ذهنية عالمية: صراع بين خطابين متناقضين، أولهما: خطاب يقول إن النفط في طريقه إلى التراجع بسبب الطاقة النظيفة، والثاني: خطاب يصرّ على أن النفط سيظل الحَكَم الأخير للأمن الاقتصادي العالمي.
النفط ليس سلعة، بل مؤشّر قوة
في كتب الاقتصاد، يُعامل النفط كسلعة: عرض وطلب، تكلفة إنتاج، مخزون عالمي، توازنات أوبك، نمو اقتصادي، مخاطر ركود… إلخ. لكن في الواقع السياسي، النفط ليس سلعةً فقط، بل هو أداة سيادة، ومعيار نفوذ، و”عملة جيوسياسية” يمكن أن تتحول إلى ممارسة ضغوط أو فرض عقاب أو تفاوض؛ بل وإلى ما هو أكبر وأعظم: قد تصبح نفطاً يُدار بوصفه قراراً لا مورداً.
ولهذا السبب تخطئ الأسواق كثيراً في تسعير المخاطر السياسية، كما لو أن السياسة مجرد هامش، بينما هي في النفط عنصرٌ رئيس.
لماذا تبدو الأسواق سيئة في تسعير المخاطر؟
التسعير الاقتصادي يتعامل مع الاحتمالات، أما السياسة فتُعامل كحدث مفاجئ.
لا شكّ في أن الأسواق العالمية تبدو بارعةً في تسعير أرباح الشركات وأسعار الفائدة… لكنها كثيراً ما تفشل في تسعير الصدمات السياسية. والسبب أن السياسة لا يمكن قياسها بسهولة؛ فليس سهلاً أن تحوّل “احتمال توجيه ضربة عسكرية” أو “مخاطر إغلاق مضيق” إلى رقمٍ ثابت في جداول التسعير.
ثم إن المتداولين – بحكم طبيعة السوق – يراهنون على عدم وقوع الأزمة، فتبقى الأسعار مستقرة… حتى تقع الصدمة فعلاً، فتقفز الأسعار على نحوٍ قوي.
“وهم الوفرة” قد ينهار بسرعة
كثيراً ما نسمع بأن العالم يواجه “تخمة” في المعروض النفطي. وقد يبدو ذلك صحيحاً في بعض الحالات، لكن الوفرة في النفط ليست ضماناً، لأنها قابلة للاختفاء سريعاً.
يكفي عاملٌ واحدٌ من هذه العوامل حتى يتغير المشهد جزئياً أو كلياً: تعطُّل الإنتاج في دولة منتجة بسبب اضطرابات، عقوبات أو حصار بحري، صدام إقليمي يرفع تكلفة التأمين والنقل، تعطُّل سلاسل الإمداد أو الناقلات، أو قرار سياسي من منتجين كبار لتغيير سياسة الإنتاج.
وهنا تظهر المفارقة: النفط قد يبدو وفيراً على الورق، لكنه قد يصبح شحيحاً في السوق خلال أيام.
وبقدر ما تعتمد الأسواق على “الطاقة الفائضة” كصمام أمان، فإن هذا الصمام نفسه ليس ثابتاً؛ فقد أظهرت تحديثات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن مراجعة تعريفات وتقديرات قدرة أوبك الإنتاجية رفعت تقديرات قدرة أوبك بنحو 0.37 مليون برميل/يوم في 2025 وبنحو0.31 مليون برميل/يوم في 2026، مع زياداتٍ مماثلةٍ في تقديرات الفائض/الطاقة الفائضة، وهو ما يؤكد أن “الوفرة” ليست حقيقة مطلقة بل هو تقدير قابل للتغيير الفني والسياسي.²
الصين: اللاعب الصامت الذي يغيّر قواعد اللعبة
لا يمكن فهم أسعار النفط بعيداً عن الصين، ليس فقط بوصفها مستهلكاً ضخماً، بل بوصفها دولة تُفكر استراتيجياً بمنطق الاحتياط والتأمين والتموضع.
فالصين تسير في مسارين متوازيين يبدو للمراقب أنهما متناقضان لكنهما يدلان على ذكاء ودهاء شديدين: أما المسار الأول فيشير إلى أنها تبني احتياطياً نفطياً استراتيجياً لتأمين نفسها في الحروب والأزمات، في حين أن المسار الثاني يكشف أنها في الوقت نفسه تتجه بقوة نحو الطاقة النظيفة كي تحمي اقتصادها من الاعتماد على الخارج.
وهذه المفارقة تُرسل رسالة للعالم فحواها: “حتى أكثر الدول استثماراً في الطاقة النظيفة لا تزال تعتبر النفط جزءاً من أمنها القومي”.
النفط في زمن الاضطراب… يرتفع لأسباب “غير نفطية”
حين تشتعل الجغرافيا السياسية، ترتفع أسعار النفط أحياناً ليس بسبب نقص حقيقي في العرض، بل بسبب ارتفاع “علاوة المخاطر”، وقلق المستثمرين، وتغير تموضع الصناديق المالية، وزيادة التحوّط والرهانات المستقبلية.
وفي هذه الحالة تصبح الأسعار رهينة العناوين الإخبارية: تغريدة سياسية، تسريب تقرير، أو مجرد إشاعة. وهذا ما يجعل النفط سلعة مختلفة: تتحرك بالاقتصاد… لكنها تقفز بالسياسة.
وقدّرت تحليلات أسواقٍ ذات صلة – في لحظات توتر مشابهة – أن “علاوة المخاطر الجيوسياسية” قد تضيف سريعاً نحو 3 إلى 4 دولارات للبرميل دون تغييرٍ جوهري في أساسيات السوق، فقط لأن السياسة قررت أن تدخل غرفة التسعير.³
إذن ما هو السيناريو الأقرب؟
بالنظر إلى اتجاهات السوق الحالية يمكن القول إن أسعار النفط تقف على مفترق طرق بين ثلاثة سيناريوهات:
سيناريو الاستقرار: إذا هدأت التوترات الجيوسياسية وظهرت مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد العالمي.
سيناريو الصعود المتدرّج: إذا استمر الطلب العالمي وظلت المخزونات تحت ضغط وتواصلت إدارة المعروض من المنتجين.
سيناريو القفزة المفاجئة: وهو أخطرها، ويحدث إذا وقع حدث جيوسياسي نوعي: كضربة عسكرية، إغلاق مضيق، اضطرابات إنتاج واسعة، أو توسع صراع.
وهنا لا يمكن الحديث عن “إغلاق مضيق” كمجاز بل كتهديد قابل للقياس: فوفق بيانات رسمية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز في عام 2024 نحو20 مليون برميل يومياً (خام ومنتجات)، أي ما يقارب 27% من تجارة النفط المنقولة بحراً وحوالي 20% من الاستهلاك العالمي.
وحتى وجود خطوط أنابيب بديلة لا يوفر سوى نحو2.6 مليون برميل/ يوم كقدرة التفاف محتملة، مما يعني أن أي تعطل واسع قد يُخرج من السوق ما يقارب17 مليون برميل يومياً في سيناريو التصعيد الأكبر.⁴
النفط قد يخدع لكنه يكشف الواقع
أسعار النفط قادرة على أن تمنح العالم شعوراً زائفاً بالأمان. وقد تبدو الأسواق مطمئنة رغم أن النار تحت الرماد. لكن الحقيقة الجوهرية هي أن النفط ليس مجرد معادلة اقتصادية، بل معادلة سيادة وقلق واستراتيجيات.
لذلك، على صنّاع القرار في هذا الشأن أن يقرروا: متى ستقرر السياسة أن تتدخل في السوق. وعندها فقط سنكتشف جميعاً بأن كل “استقرارٍ” سابقٍ كان مجرد خدعة.
الهوامش
- أسعار خام برنت قرب 64 دولار/برميل بتاريخ 20 يناير 2026 (مصادر أسعار الأسواق /Reuters/Investing)
- U.S. Energy Information Administration (EIA): تحديثات تعريف وتقدير القدرة الإنتاجية لأوبك وما يتصل بالطاقة الفائضة، 2025–2026.
- تقديرات Reuters/تحليلات سوقية حول علاوة المخاطر الجيوسياسية (Risk premium) 3–4 دولارات/ برميل في لحظات التصعيد.
- U.S. EIA – مضيق هرمز: تدفقات 20 مليون برميل/ يوم (2024)، ونسبة التجارة البحرية، وقدرة الالتفاف عبر خطوط الأنابيب 2.6 مليون برميل/ يوم.

